الموضوعات
أنباء الجامعة
إشراقات الداعي
الأحكام والقضايا الفقهية
الأدب الإسلامي
الأشعار والقصائد
الأعلام العربية
الأعلام من الهند
الأمور السياسية
الإصدارات الحديثة
الإعتقادات
التراجم والوفيات
الجامعة الإسلامية دار العلوم / ديوبند
الحكمة الدينية والأخلاق الفاضلة
الدراسات الإسلامية
السيرة والتأريخ
العالم الإسلامي
العلم والتعليم
العلوم الإسلامية
الفكر الإسلامي والاجتماع
القرآن وعلومه
القضايا العربية المعاصرة
اللغة والأدب
المحليات والأوضاع الراهنة
المدارس والمعاهد الإسلامية
كلمات التحرير
أثر القرآن الكريم في رسُول الله صلى الله عليه وسلم
الكاتب: الأستاذ حيدر قفه
المصدر: مجلة الداعي الشهرية الصادرة من الجامعة الإسلامية دارالعلوم ديوبند
صفر - ربيع الأول 1430هـ = فبراير - مارس 2009م ، العـدد : 2-3 ، السنـة : 33
الموضوعات: | القرآن وعلومه | | السيرة والتأريخ | | الفكر الإسلامي والاجتماع |
الداعي ، صفر – ربيع الاول 1430هـ = فبراير – مارس 2009م ، العـدد : 03-02 ، السنـة : 33

أثر القرآن الكريم في رسُول الله صلى الله عليه وسلم

 

بقلم :   الأستاذ حيدر قفه

 

"القرآن كلام الله" كلمة كبيرة خيطرة، لايدرك معناها، ولايحس خطرها وما توحي به من جو مفعم بالرهبة والخشوع، إلا أولئك الذين أنعم الله عليهم؛ ففتح قلوبَهم وعقولَهم، ومنحهم من فيوض رحمته ما يجعلهم يعيشون في الناس بأجسادهم، ومع الله في عليائه وسلطانه وهيمنته بأرواحهم، فسعدوا بالإحساس، وسعدوا برحلة القلب والوجدان، أكثر من سعادة الملوك في دنياهم وملكهم .

       أما أولئك الذين غلبت عليهم شقوتهم، وبلدت الماديات أحاسيسهم، وقتلت الدنيا بهرجها الزائف أرواحهم؛ فعاشوا كالأنعام بل هم أضل؛ فإنهم يمرون عليها – كلمة "القرآن كلام الله" مرور الدواب الجائعة على صرح ممرد، أو خطيب مفوه، فإذا حرك هذان في الدواب شيئًا، حركت الكلمة فيهم شيئًا.

       وأكثر الناس تأثرًا بكلام الله، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإحساسه بالقرآن إحساسٌ مميز، وتأثره تأثر مميزٌ، لايدانيه إحساس أحد من البشر مهما علا مقامه في الزهد والورع والتقرب إلى الله، لم لا؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي نزل عليه القرآن، وتلقاه من لدن حكيم عليم.

       هذا القرآن ثقيل قوى، لم يأتمن الله تعالى عليه إلا جبريل: القوي الأمين (نَزَلَ بِهِ الرُّوْحُ الأَمِيْنُ) الشعراء/193 (ذِيْ قُوَّةٍ عِنْدَ ذِيْ الْعَرْشِ مَكِيْن) التكوير/20.

       ولقد رأى رسو ل الله صلى الله عليه وسلم جبريل على هيئته التي خلقه الله عليها فامتلأ رعبًا وخوفاً فهذا هو الملك القوي الذي اختاره الله لينقل كلامه إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأي كلام؟ إنه القرآن، القوي، الثقيل، دستور الحياة (إنَّا سَنُلْقِيْ عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيْلاً) المزمل/5.

       لم لا يكون تأثره صلى الله عليه وسلم تأثرًا خاصًا مميزًا؟ وهو الذي كان الوحي ينزل به عليه، فكان لثقل القرآن وثقل الوحي، تكاد نفسه صلى الله عليه وسلم تزهق ويتغير وجهه وتحمر عيناه كأن به الحمى، ويعرق جسده حتى يتفصد من جبينه العرق كأنه الجمان وإن كان الجو باردًا ويثقل جسده حتى يكاد لثقله يرض ما تحته ولربما بركت ناقته وهو عليها لثقل ما يوحى إليه، حتى يكاد ينكسر عضدها من ثقل القرآن، ولشدة صوت الوحي وصلصلته تكاد تصم أذناه صلى الله عليه وسلم، لم لا يتأثر هذا التأثر المميز الخاص، وقد رأى عجائب قدرة الله؟ فهذا البراق، عجيبة الله التي لم ير مثله بشر، وهؤلاء الأنبياء والرسل، وعلى تباعد أزمانهم وديارهم، أمامه في ليلة واحدة، وهذه السموات ومن فيهن، رآها رأي العين، ورأى سدرة المنتهى، والأنهار الأربعة، والبيت المعمور.

       لم لا يتأثر هذا التأثر المميز الخاص، وهو المخاطب بهذا القرآن، خطابًا مباشرًا، لايحتمل التأول، في أكثر من موضع، وفي أكثر من مجال (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) المائدة/67 (فَإنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) الطور/48 (مَا وَدَّعَكَ رَبَّكَ وَمَا قَلَىٰ) الضحى/3 (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) الشرح (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) التوبة/43 (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَه) المائدة/67 (لِمَ تَحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ) التحريم/1 (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِيْنَ) الأعراف/199 وغيرها.. وغيرها.. في كل مقام، وعند كل حادثة، نجد الخطاب المباشر موجهًا أو مرشدًا، أو معاتبًا أو مواسيًا.

       لم لايتأثر هذا التأثر المميز الخاص، وهو الذي يخبر بالغيب فيراه وقد تحقق عيانًا جهارًا (غُلِبَتِ الرُّوْمُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلْبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * في بِضْعِ سِنِيْنَ..) الروم 2-4 (فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِه وَكَفَّ اَيْدِيَ النَّاسَ عَنْكُمْ) الفتح/20 (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِيْنًا) الفتح/1 (وَأخْرَىٰ تُحِبُّوْنَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيْبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِيْنَ) الصف/13.

       وترفع عنه الحجب حتى يعرف ما يدور بين الرجل والرجل، أوبين الرجل وزوجه لا ثالث لهما، أو بين الرجل ونفسه لا ثاني له، فلا يملك الواحد منهم إذا كشف أمره إلا أن يقر له بالنبوة.

       لم لا يتأثر هذا التأثر المميز الخاص؟ وقد مرت بنا المؤيدات الطبيعية، والمسببات الوجدانية لهذا التأثر، التأثر الذي لايدانيه فيه بشر، ولا يحس به متبتل، ولا يرقي إليه متعبد. هذا الإحساس الفريد المميز بالقرآن، الذي لم ولن ينال شرف الاحساس به، وعلى درجته مثله، هو الذي نجده عنده (صلى الله عليه وسلم)، وكان يتمثل في سلوكه بعد ذلك، فيراه صحابته.

       كان صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة الليل أطال في قراءة القرآن استعذابًا له، وعيشًا في أفيائه، حتى ربما أرهق من خلفه، فعن حذيفة (رضي الله عنه) قال صليت مع النبي (صلى الله عليه وسلم) ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المئة، ثم مضى، فقلت يصلي بها في ركعة فمضى، فقلت يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً، إذا مربآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه.. رواه مسلم.

       وعن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) قال: صليتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلةً، فلم يزل قائمًا حتى هممت بأمر سوء. قلنا وما هممتُ؟ قال: هممت أن أقعد وأذر النبي – صلى الله عليه وسلم – رواه البخاري. وربما يستغرق صلى الله عليه وسلم في قراءة القرآن، ويستولي عليه الإحساس بمضمون الآيات والعيش في أجواء القرآن، وقد تستغرقه آية واحدة فلا ينفك يرددها طوال الليل لا يحيد عنها، ولا يتجاوزها إلى غيرها، فقد روى أبوذر (رضي الله عنه) قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا ليلةً بآية يرددها وهي "إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فِإِنَّهُمْ عِبَادَكَ وَإِنْ تَغْفِرْلَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيْزُ الْحَكِيْمُ" المائدة/118. رواه النسائي.

       وكان لطول قيامه في الصلاة تتضرر قدماه، فلا يأبه بهما، ولا يلتفت للمحذرين فعن عائشة (رضي الله عنها) قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال "أفلا أكون عبدًا شكورًا" متفق عليه.

       وهل يكون القيام إلا بالقرآن؟ وهل يستعذب القيام إلا من استعذب القرآن، وعاش معه وبه؟

       وكان (صلى الله عليه وسلم) إذا قـرأ القرآنَ في الصلاة بكى، حتى يسمع نشيجه. فعن مطرف بن عبد الله الشخير عن أبيه قال: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يصلي و لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء. رواه أبوداود والنسائي.

       وكان (صلى الله عليه وسلم) يحب سماعه من غيره، وربما بكى لإحساسه بجلال الموقف عند تصور الوقائع، فقد روى مسلم بسنده عن أبي موسى الأشعري (رضي الله عنه) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "يا أبا موسى، لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة" فقال أما والله لو أعلم أنك تستمع قراءتي لحبرتها لك تحبيرًا "تفسير ابن كثير".

       وعن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال: قال لي النبي – صلى الله عليه وسلم – اقرأ علي – قلت يا رسول الله؛ أأقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال نعم فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية "فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيْدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هـٰـؤُلاَءِ شَهِيْدًا" قال: - حسبك الآن – فالتفت فإذا عيناه تذرفان" أخرجه الجماعة.

       وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن في كل حال قائماً، وقاعدًا، ومضطجعًا، ومتوضئًا، ومحدثاً، ولم يكن يمنعه من القراءة إلا الجنابة، فعن عليّ (رضي الله عنه) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة "رواه الخمسة".

       وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن، ويرجع استعذابًا له، وتحسينًا لصوته بالقرآن وهو القائل صلى الله عليه وسلم "ما أذن لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن ويجهر به" متفق عليه.

       وعن البراء بن عازب (رضي الله عنهما) قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في العشاء بالتين والزيتون فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا منه" متفق عليه. وعن عبد الله بن مغفل قال: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة سورة الفتح فرجع فيها. قال معاوية لو شئت أن أحكى لكم قراءة النبي صلى الله عليه وسلم لفعلت. وحكى عبد الله بن مغفل ترجيعه ثلاث مرات.

       وكان من تأثره صلى الله عليه وسلم التزام القرآن سلوكاً وعملاً وخلقاً؛ لا يخرج عنه، ولا يقدم عليه رأيًا أو هوىً أو مصلحةً، حاشا لله.

       فعن سعد بن هشام قال: انطلقت إلى عائشة فقلت يا أم المؤمنين، أنبئيني عن خلق رسو ل الله صلى الله عليه وسلم. قالت ألست تقرأ القرآن قلت بلى، قالت فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن. "رواه مسلم".

       وكان لتأثره بالقرآن لايشغل بغيره، وقد أراد الله أن لايختلط في جوفه القرآن والشعر: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَه) يس/69. فعلى الرغم من أنه صلى الله عليه وسلم نشأ في بني سعد، أفصح القبائل، وكان جده عبد المطلب، الذي ما ولد له ذكر أو أنثى إلا ويقول الشعر وكان صلى الله عليه وسلم من أفصح أهل الضاد قاطبة، لما منحه الله من جوامع الكلم، إلا أنه كان لايحسن حتى الاستشهاد بالشعر وروايته، وكثيرا ما كان يقدم فيه أو يؤخر، فيتمه أو يصححه له أبوبكر الصديق (رضي الله عنه) أو يقف فيقول: كيف قال يا أبابكر؟ فينشده أبوبكر البيت.

       وبعد، فإن ما ذكرناه من تأثر الرسول صلى الله عليه وسلم بالقرآن غيض من فيض، ولا يستطيع باحث أن يحيط بهذا الأمر، ولا أن يستقصيه ويتغلغل إلى أعماق نفس الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال النصوص التي وصلتنا، فلا يعلم حال الرسول صلى الله عليه وسلم إلا الله عز وجل، ولا نملك نحن إلا أن نقول مطمئنين: إن تأثر الرسول صلى الله عليه وسلم بالقرآن كان تأثرًا مميزًا خاصاً، يعجز الوصف عنه، ويجل على الاستكناه والتصوير.

*  *  *

 

صفر - ربيع الأول 1430هـ = فبراير - مارس  2009م ، العـدد : 2-3  ، السنـة : 33