الموضوعات
أنباء الجامعة
إشراقات الداعي
الأحكام والقضايا الفقهية
الأدب الإسلامي
الأشعار والقصائد
الأعلام العربية
الأعلام من الهند
الأمور السياسية
الإصدارات الحديثة
الإعتقادات
التراجم والوفيات
الجامعة الإسلامية دار العلوم / ديوبند
الحكمة الدينية والأخلاق الفاضلة
الدراسات الإسلامية
السيرة والتأريخ
العالم الإسلامي
العلم والتعليم
العلوم الإسلامية
الفكر الإسلامي والاجتماع
القرآن وعلومه
القضايا العربية المعاصرة
اللغة والأدب
المحليات والأوضاع الراهنة
المدارس والمعاهد الإسلامية
كلمات التحرير
العفّة مصدر غني لمكارم الأخلاق
الكاتب: الدكتور عبد الغفار عبد الرحيم
المصدر: مجلة الداعي الشهرية الصادرة من الجامعة الإسلامية دارالعلوم ديوبند
مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، الهند . محـرم – صفـر 1429هـ = ينايـر- فـبراير 2008م ، العـدد : 1-2 ، السنـة : 32
الموضوعات: | الفكر الإسلامي والاجتماع | | الحكمة الدينية والأخلاق الفاضلة | | الأدب الإسلامي | | القرآن وعلومه |
الداعي ، محـرم – صفـر 1429هـ = ينايـر- فـبراير 2008م ، العـدد : 1-2 ، السنـة : 32

 

العفّة مصدر غني لمكارم الأخلاق

 

بقلم : الدكتور عبد الغفار عبد الرحيم

أستاذ التفسير بكلية الآداب  

بجامعة الملك عبد العزيز بجدة

  

 

  

 

 

       من أخلاق القرآن وهدي محمد عليه الصلاة والسلام خلق العِفَّة ، وهو خلق له أثره في صلاح الفرد والمجتمع على السّواء بشكل يؤكِّد حقيقة الدعوى التي يدعو إليها الإسلام في استقامة الحياة والأحياء على أحكم وأكمل ما نزلت به رسالة من الرّسالات والدعوات .

       أما التحليل اللَّفظي واللُّغوي لكلمة العِفَّةِ فهي تعني حصولَ حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة عليها ، والعفة والعفاف بمعنى واحد .

       وأصل مادة العفة يدل على أمرين مُهِمَّينِ :

       أحدهما الكفُّ عن القبيح، ولذلك قيل: إن العفة هي الكف عما لاينبغي.

       والآخر قلَّة الشيء، وذلك مأخوذ من العُفَّة والعُفَافة بضم العين فيهما وهي بقية اللبن في الضرَّع أو البقية من الشيء .

       وتُطَلق العِفَّة أيضًا على الابتعاد عما لايحل ولايجمل، ولذلك قيل عَفَّ الرجل عن الحرام. والعفيفة هي المرأة الخَيِّرَةُ التي تصون عرضها وشرفها.

       والتعفف هو الاقتضار على أخذ الشيء القليل، وهو أيضًا طلب العفاف .

       والمتعفف هو الذي يُحاول الاتصاف بالعفة عن طريق الممارسة وقوة الإرادة. وكذلك يقال للشخص التارك للسؤال إنه مُتَعَفِّفٌ .

       والاستعفاف كالتعفف .

       ويأتي في مقابل العفة الدناءة والخسّة .

       والعفة مصدر ثري من مصادر مكارم الأخلاق. والدناءة مظهر قبيح من مظاهر رذائل الأخلاق. ذلك أنَّنا نجد للعفة دوافع ترجع فيما ترجع إليه من أسس أخلاقيّة تُثيرها دوافع نفسية وتضبطها ضوابط إنسانية وقواعد إسلامية .

       والعفة لاتكون إلا إذا وُجِد الدافع النفسي إلى ما يُنافيها، فإذا لم يكن في النفس دافع إلى ما ينافي العفة، أو لم يوجد ما يثير الدافع لم يكن للعفة وجود أصلاً .

       وهذا بحث أخلاقي يَعْنينا منه بالدرجة الأولى عامل مُهِمٌ في هذا الخلق الكريم. ذلكم هو عامل الإرادة قوة وضعفًا، من حيث أنه عامل ترجع إليه مجموعة من الفروع الأخلاقية التي يُعَوَّلُ عليها في قوة الإرادة وضعفها .

       والإنسان السويُّ المستقيم تحكمه إرادة قوية فاعلة وموجِّهة إلى حسن الفهم والتصرف، والإنسان الضعيف بعكس ذلك تمامًا، من حيث أنه يترك نفسه لأهواء ورغَبات ونزَعات لايحكمها عقل، ولا تضبطها إرادة، ولا تعرف كيف يكون مصيرها في هذا الاتجاه. وعلى مقدار استقامة الإنسان في سلوكه وتصرفه تستطيع قياسَ قوة إرادته من ضعفها. وإنما تكون الإرادة القوية خلقًا محمودًا إذا كانت مقرونة بالعلم والعقل والحكمة، وإلا كانت سلاحًا خطيرًا ومضرًا .

       وعلى هذا المقياس تُقاس تصرفات الشخص وسلوكه الأخلاقي .

       ذلك أنَّ قوة الإرادة وحدها من غير عقل وحكمة وعلم قد تكون وبالاً بدلاً من أن تكون كمالاً .

       وكذلك يكون ضعف الإرادة مرض خلقي له آثار قبيحة في تصرفات الإنسان، لاسيّما إذا قويت عند هذا الإنسان الضعيف الإرادة شهواته وأهواؤه ونزعاته، أو استولى عليه شعور بالجنوح نحو الجريمة والموبقات ورذائل الأخلاق .

       هذه بعض ضوابط الأساس الأخلاقي للعفة ليراها المشتغلون بها من علماء الأخلاق وحكماء التربية الذين أولوا هذا الجانب الأخلاقي عناية تسمو به إلى مكارم أخلاقية عالية، وتنأى به عن رذائل أخلاقية هابطة .

       والحق أن كلّ هذه المقاييس التي تقاس بها هذه المفاهيم إنما تُرَدُّ إلى أصل أصيل ومصدر كريم هو الهدي الأخلاقي الذي جاءت به تعاليم الإسلام في مصدرين عظيمين هما: الكتاب والسنة .

       من ذلك قوله تعالى:

       ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِيْنَ لاَ يَجِدُوْنَ نِكَاحًا حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِه﴾ سورة النور – آية: 33.

       وقوله تعالى :

       ﴿وَأَنْ يَّسْتَعْفِفْنَ خَيرٌ لَّهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سورة النور – آية: 60 .

        إن سياق الآيات يتحدث عن النكاح كعلاج طبيعي وشرعي لجانب عظيم من جوانب العفة. يقول الله تعالى :

       ﴿وَأنْكِحُوا الأَيَامـٰـى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِيْنَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمآئِكُمْ إِنْ يَّكُونُوا فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِه وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِه﴾ سورة النور – آية: 32، 33.

       يقول صاحب الظلال: إن الزِّواج هو الطريق الطبيعي لمواجهة الميُول الجنسية الفطرية، وهو الغاية النظيفة لهذه الميول العميقة؛ فيجب أن تزول العَقَبات من طريق الزواج لتجري الحياةُ على طبيعتها وبَساطتها.

المال .. والعفّة

       والعقبة المالية هي العقبة الأولى في طريق بناء البيوت وتحصين النفوس .

       والإسلام نظام مُتَكَامِل فهو لايفرض العفة إلا وقد هيَّأ لها أسبابها وجعلها مَيسورة للأفراد الأسوياء، فلا يَلجأ إلى الفاحشة حينئذ إلا الذي يعدل عن الطريق النظيف الميسور عامدًا غير مُضطر؛ لذلك يأمر الله الجماعةَ المسلمةَ أن تعين من يقف المال في طريقهم إلى النكاح الحلال. والجمهور على أن الآمر هنا للندب، ودليلهم أنه قد وُجِدَ أَيَامَىٰ على عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لا يُزَوَّجُوا، ولو كان الأمر للوجوب لزوَّجهم. ونحن نرى أن الأمر للوجوب (الكلام لصاحب الظلال) لا بمعنى أن يُجْبِرَ الإِمام الايامى على الزواج، ولكن بمعنى أنه يتعيَّن إعانةَ الراغبين منهم في الزواج، وتمكينَهم من الإحصان بوصفه وسيلة من وسائل الوقاية العملية وتطهيرَ المجتمع الإسلاميّ من الفاحشة وهو واجب ووسيلة الواجب واجبة .

       ولا يجوز أن يقوم الفقر عائقًا عن التزويج متى كانوا صالحين للزواج راغبين فيه رجالاً ونساء؛ فالرزق بيد الله، وقد تَكَفَّل الله بإغنائهم إن هم اختاروا طريق العفة النظيف :

       ﴿إِنْ يَّكُونُوا فُقَرَ آءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِه﴾ سورة النور – آية: 32.

       كما صَحَّ عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قوله: «ثلاثة حق على الله عونهم. المجاهد في سبيل الله، والمكاتَب الذي يُريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف»(1). وفي انتظار قيام الجماعة بتزويج الأيامى يأمرهم بالاستعفاف حتى يُغنيهم الله بالزواج:

       ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِيْنَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ سورة النور – آية : 32.

       لايُضَيِّقُ على من يبتغي العفة وهو يعلم نيتَه وصلاحَه (انتهى كلامه)(2).

       صَحَّ في هذه الآية أخبارٌ وآثار جَمَّة نافعة ودافعة إلى التعفُّف والاستعفاف قال ابن عباس رضي الله عنهما: «رَغَّبهُم الله في التزويج وأمر به الأحرار والعبيد ووعدهم عليه الغنى فقال:

       ﴿إِنْ يَّكُونُوا فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ سورة النور – آية: 32.

       وقال أبوبكر رضي الله عنه: «أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح يُنْجِزْ لكم ما وعدكم من الغني». وعن ابن مسعود رضي الله عنه: «التمسوا الغنى في النكاح». وقوله تعالى:

       ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِيْنَ لاَيَجِدُونَ نِكَاحًا حَتّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ سورة النور – آية 33.

       هو أمرٌ من الله لمن لم يجد ترويجًا بالتعفف عن الحرام كقوله صلى الله عليه وسلم: «ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء».

       ومعنى الآية: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِيْنَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ أي لِيعمل من لم يجد وسائل الزواج الموصلة إليه على العفة وضبط النفس وعدم الاسترسال في طريق الشَهَوات واتّباع الرغبات بالبعد عن كل المثيرات والمغريات، وفيه دعوة إلى تقوية جانب التقوى في العبد المسلم، حتى إذا هاجمه وداهمه من الشيطان ما يدفعه إلى منكرَ تذكر فإذا هو من المبصرين الواقفين على حدود رب العالمين المتعففين عن كل قبح وعمل ذميم»(3).

نموذج للعظة والعبرة

       هذا نموذج من أرفع النماذج الإنسانية في العفة والعفاف تحدث فيه القرآن وبَيَّنته سنة محمد عليه الصلاة والسلام. ذلكم هو يوسف عليه السلام. الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف الصديق الذي تعرض لموقف من أصعب المواقف لدى مدافعة غريزة فطرية وبشرية. خصوصًا إذا كانت في مَيْعَةِ الصبا وعنفوان الشباب .

       وهو نموذج يعطي من الدلالات والإشارات الواضحات ما يصلح لأن يكون عظة وعبرة وخلقًا كاملاً لكل أحد من الناس. يقول الله تعالى:

       ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللهِ إِنَّه رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّه لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَولآ أَنْ رَّآى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَالِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّه مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِين﴾ سورة يوسف – آية: 23، 24.

       تكلم أهل العلم كلٌ حسب تقديره وتفكيره، وخَاضَ الخائضون في هذا بشكل قليله مقبول، وكثيره مرفوض غير معقول .

       وَرَاوَدَتْهُ أي طلبت منه برفق ولين أن يواقعها، وتحايلت لذلك ولم تجد منه قبولاً، وأعدت العدة لذلك، وغَلَّقَت باب مخدعها، وأبواب البهو المحيط به، لتأمن الطارق، وقالت ليوسف: هَيت أى أسرع – اسم فعل أمر مبني على الفتح – ويجوز أن تكون اسم فعل خبري كهيهات واللام متعلقة بها. والمعنى تهيأت لك. قال معاذ الله، إني أعوذ بالله عزّ وجلّ معاذًا مما تريدين مني. وهذا اجتناب منه عليه السلام على أتم الوجوه، وإشارة إلى التعليل بأنه منكر هائل يجب أن يُعَاذَ بالله جلّ وعلا للخلاص منه. وما ذلك إلا لأنه قد علم بما أراه الله تعالى ما هو عليه في حد ذاته من غاية القبح ونهاية السوء (إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوَايَ) تعليل ببعض الأسباب الخارجة مما عسى يكون مؤثرًا عندها وداعيًا لها إلى اعتباره، وإذكاره إنه لا يُفلح الظالمون لأنفُسهم أبدًا، الذين يرتكبون المعاصي ويُخالفون القانونَ والنظامَ الإلـٰـهي .

       ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِه وَهَمَّ بِها لَولآَ أَنْ رَّآى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾. سورة يوسف – آية: 24.

       قد يفهم من هذا النص الكريم أن يوسف عليه السلام هَمَّ بأن يفعل مع تلك المرأة بمثل الذي هَمَّتْ هي به معه، لكنَّ القرآن العظيم أظهر براءتَه عليه السلام من ذلك بشهادة الله له بذلك وشهادة كل من له تعلق بالمسألة. واعتراف إبليس.

       أما شهادة الله جلَّ وعلا ببراءته ففي قوله تعالى: ﴿كَذٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السّوءَ وَالْفَحْشَآءَ﴾.

       وأما شهادة من له تعلق بتلك المسألة فهم يوسف والمرأة وزوجها والنسوة والشهود .

       فأما يوسف عليه السلام فقال:

       ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾

       وأما المرأة فقالت:

       ﴿وَلَقَد رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾

       وأما الزوج فقوله:

       ﴿قَالَ إِنَّه مِنْ كَيدِكُنَّ﴾

       وأما اعتراف الشهود ففي قوله:

       ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾

       يضاف إلى ذلك اقتضاء إقرار إبليس بطهارة يوسف ونزاهته في قوله تعالى:

       ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُم أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِين﴾ سورة (ص) – آية: 82.

       فأقرَّ بأنه لا يمكنه إغواء المُخْلَصِين أو المُخْلِصِين. ولاشك أن يوسف من المُخْلَصِين والمُخْلِصِين. لقوله تعالى:

       ﴿إِنَّه مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِين﴾

       قال أهل العلم: فإن قيل قد بَيَّنتم دلالةَ القرآن على براءته عليه السلام مما لاينبغي، في الآيات المتقدمة. ولكن ماذا تقولون في قوله تعالى: ﴿وهَمَّ بِهَا) ضِمْنَ قوله تعالى:

       ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَولاَ أَنْ رَّآى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِين﴾ سورة يوسف – آية: 24.

       الجواب من وجهين:

       الأول: أن المراد بِهَمِّ يوسف بها خاطر قلبي صرف عنه وازع التقوى، وقال بعضُهم هو الميل الطبيعي والشهوة الغريزية المدفوعة بالتقوى .

       وهذا لا معصية فيه لأنه أمر جِبِلّيٌ لايتعلق به التكليف، كما في حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه كان يَقْسِمُ بين نسائه فيَعْدِلُ ثم يقول: «اللهم هذا قَسْمِي فيما أملِك فلا تؤاخذْني فيما لا أملك»(4). يعني ميل القلب الطبيعي. ومثال هذا ميل الصائم بطبعه إلى الماء البارد مع أن تقواه تمنعه من الشرب وهو صائم، وقد قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : «ومن هَمَّ بسيِّئة فلم يعملها كُتِبَتْ له حسنة كاملة»(5) لأنه ترك ما تميل إله نفسُه بالطبع خوفًا من الله تعالى وامتثالاً لأمره لقوله تعالى:

       ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوٰى فإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوٰى﴾ سورة النازعات – آية: 40، 41.

       والعرب تُطْلِقُ الهَمَّ وتريد به المحبة والشهوة فيقول الإنسان فيما لايحبه ولا يشتهيه: هذا ما يَهُمُّني. ويقول فيما يحبه ويشتهيه: هذا أهمُّ الأشياء إليّ.

       بخلاف هَمِّ امرأة العزيز فإنه هَمُّ عزمٍ وتصميم، بدليل أنها شَقَّتْ قميصه من دُبُر وهو هارب عنها. وأما تأويلهم هَمَّ يوسف بأنه قارب الهَمَّ ولم يَهِمّ بالفعل كقول العرب قتلتُه لو لم أخف الله؛ أي قاربت أن أقتله. وتأويل الهَمِّ بأنه هَمَّ بضربها أو هَمَّ بدفعها عن نفسه فكل ذلك غير ظاهر ولا دليل عليه. هذا عن الوجه الأول في الجواب .

       والوجه الثاني من الجوابين الخاصين بالهَمِّ من يوسف، فهو: أن يوسف لم يقع منه هَمٌّ أصلاً؛ بل هو منفي عنه لوجود البرهان، فمعنى الآية على هذا: وهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أن رَّأىٰ بُرْهَانَ رَبِّه، أي لولا أن رآه هَمَّ بها فما قَبْلَ (لولا) هو دليل الجواب المحذوف.

       ونظيره قوله تعالى:

       ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِه لَولاَ أَنْ رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ سورة القصص – آية : 10 .

       وإن كان في هذا خلاف بين أهل اللّغة من النحويين .

       والخلاصة أن الأمر لايتعدى أحد احتمالين: إما أن يكون لم يقع منه هَمٌّ بها أصلاً بناء على تعليق هَمِّهِ على عدم رؤية البرهان وقد رأى البرهان. وإما أن يكون هَمُّهُ الميل الطبيعي الذي تدفعه التقوي (والله أعلم بمراده) .

       من لطائف هذا الموقف: أن امرأة العزيز لما شاهدت من يوسف الاستعصامَ وعدم الاهتمام مع أنه كان في عنفوان الشباب وكمال القوة ونهاية الشهوة عظم اعتقادها في طهارته ونزاهته وعفته فاستحيت أن تقول إن يوسف قصدني بسوء، وما وجدت من نفسها أن ترميه بهذا الكذب على سبيل التصريح، بل اكتفت بالتعريض والتلميح، فقالت:

       ﴿مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءً إِلآَّ أَنْ يُّسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيْمٌ﴾ سورة يوسف – آية: 25.

       وعلى سبيل الرد على إهانته لها وعدم الاستجابة لدواعي رغبتها وشهوتها.

       ولكن الله يعصم نبيَّه بما يشاء وكيف شاء إنه على ما يشاء قدير.

       هذه هي العبرة في هذا السياق فيما نحن فيه من بيان عن خُلق العفة حيث أدّى به ذلك إلى تحقيق الرؤيا التي رآها .

       ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَآ أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ إلى أن قال:

       ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمـٰـواتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّيْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِيْنَ﴾ سورة يوسف – آية 100، 101.

المعنى المضاد

       حين تَحْدُثُ القرآن الكريم عن خُلق العفة أشار في بقايا ذلك إلى نقيضه وضده وبعبارة واضحة الدلالة على المراد منها في قوله تعالى :

       ﴿كَذٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَآءَ﴾

       فسمّى الله تعالى العملَ القبيحَ سوءًا وفحشاً وهذا نقيض العفة بكل وضوح .

       يقول أهل اللغة: الفحش والفحشاء والفاحشة ما عظُم قبحه من الأفعال والأقوال ذلك أن الشيطان هو الذي يأمر بالفحشاء ويحبّب أولياءه إلى ذلك بكل نداء. لقوله تعالى:

       ﴿يَا أَيُّها النَّاسُ كُلُوا مِمَّا في الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّبًا وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّه لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَآءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ سورة البقرة – آية: 168، 169.

       والفاحشة بمعنى الزنا عند كثير من المفسرين سُمِّي بذلك لقبح مسموعه ومكروه ما يذكر به فاعله. يقول ابنُ الجوزي: المراد بها خمسة أقوال:

       أحدها: أنها كل معصية لها حدٌ في الدنيا.

       والثاني: أنه مالا يُعرف في شريعة ولا سنة.

       والثالث: أنها البخل .

       والرابع: أنها الزنا.

       والخامس: أنها المعاصي(6).

       وقال الشَّوكاني: كل ما نهت عنه الشريعة فهو من الفحشاء، قال تعالى:

       ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَاْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَآءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ سورة البقرة – آية : 268 .

       ويقول سبحانه بعبارة أخرى:

       ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَّسَآءَ سَبِيلاً﴾ سورة الإسراء – آية: 32.

       هذا نهي صريح واضح من الله تعالى لعباده عن مقاربة الزنا وأسبابه ومقدماته، صيانةً للنفس وللمجتمع من الوقوع في الفاحشة التي حرَّمها الله تعالى وجعل سبيلها أسوأ سبيل والساعين فيها في ضلال وتضليل. ويتصل بهذا قوله تعالى:

       ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ سورة النور – آية: 19.

       جاء هذا في سياق الحديث المتعلق بالإفك في قصّة عائشة رضي الله عنها. ذلك أن الرغبة في إشاعة القول بالسوء والظن السيّء يؤدّي إلى انتشار الفاحشة بكل سبيل، لما فيه من تَتَبُّع للعورات والبحث في السَّوءات. ثم زاد القرآن الأمرَ وضوحًا فقال سبحانه:

       ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكـٰـى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَآءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سورة النور – آية: 21.

       فهذه الآية الكريمة على ما فيها من أدب إسلامي كامل فيها بجانب ذلك تنفير وتحذير وتبصير بما يجب أن يكون عليه المسلم في علاقته بربِّه وعلاقته بأهله وعلاقته بالناس في الكلمة تُقَال، أو في الظن وإشاعة المنكرَ فإنما هي في حقيقته إتباعٌ كامل للشيطان الذي هو عدوّ للإنسان لقوله تعالى:

       ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ سورة فاطر – آية : 6.

       قوله سبحانه :

       ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ سورة البقرة – آية: 268.

       قال ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : «إن للشيطان لِمَّة بابن آدم وللمَلَكِ لِمَّة فأما لِمَّةُ الشيطان فإيعاز بالشر وتكذيب بالحق وأما لِمَّةُ الملك فإيعاز بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فَليحمدِ اللهَ ومن وجد الأخرى فليتعوَّذ من الشيطان(7). ثم قرأ: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ. الآية(8).

       ولقد نهى الرسول – صلى الله عليه وسلم – نهيًا قاطعًا عن الفحش وحذر منه تحذيرًا شديدًا بشكل يُحقِّق ويؤكد المعنى الذي تَهدِف إليه هذه الآيات التي تحدَّثت عنه .

       ولا يخفى أن مجتمعًا يتحلّى بخلق العفة وينأى بنفسه عن الفحش والحاحشة لمجتمع تربّىٰ تربية إسلاميَّة وأخلاقيَّة راقية ورائدة في حياة الناس والمجتمَعات. وهذا مطلب أساسي من مطالب أخلاق القرآن وهدي محمد عليه الصلاة والسلام.

الهوامش :

(1)         السنائي – كتاب النكاح – باب 5 .

(2)         الظلال 4/2515 .

(3)         ابن كثير – المختصر 2/603-604.

(4)         الترمذي 3/446.

(5)         البخاري – الرقاق 31 بنحوه . مسلم – الإيمان 206. أحمد ج1 رقم 226.

(6)         زاد المسير لابن الجوزي 1/172-173 المكتب الإسلامي – دمشق ط 1/1384هـ .

(7)         الترمذي 5/204.

(8)         (افاده ابن كثير في المختصر) 1/149.

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، الهند . محـرم – صفـر 1429هـ = ينايـر- فـبراير  2008م ، العـدد : 1-2  ، السنـة : 32.