الموضوعات
أنباء الجامعة
إشراقات الداعي
الأحكام والقضايا الفقهية
الأدب الإسلامي
الأشعار والقصائد
الأعلام العربية
الأعلام من الهند
الأمور السياسية
الإصدارات الحديثة
الإعتقادات
التراجم والوفيات
الجامعة الإسلامية دار العلوم / ديوبند
الحكمة الدينية والأخلاق الفاضلة
الدراسات الإسلامية
السيرة والتأريخ
العالم الإسلامي
العلم والتعليم
العلوم الإسلامية
الفكر الإسلامي والاجتماع
القرآن وعلومه
القضايا العربية المعاصرة
اللغة والأدب
المحليات والأوضاع الراهنة
المدارس والمعاهد الإسلامية
كلمات التحرير
شهر إبريل موسم الكذب
الكاتب: الشيخ الدكتور محمد بن سعد الشويعر
المصدر: مجلة الداعي الشهرية الصادرة من الجامعة الإسلامية دارالعلوم ديوبند
ربيع الثاني – جمادى الأولى 1429هـ = أبريل – مايو 2008م
الموضوعات: | الدراسات الإسلامية | | الإعتقادات |
الداعي ، العـدد : 5-4 ، السنـة : 32 ربيع الثاني – جمادى الأولى 1429هـ = أبـريل – مـايـــو 2008م،

 شهر إبريل موسم الكذب

 

    بقلم : الشيخ الدكتور محمد بن سعد الشويعر/ الرياض

  

 

  

 

 

نهى الله – سبحانه – في كتابه الكريم عن الكذب، واعتبره من أسوأ الخصال، فعاقبته وخيمة، وحزاؤه شديد عند الله يوم القيامة؛ لذا جاء في القرآن التحذيرُ منه ومن عاقبته أكثرَ من (200) مرة، واعتبره رسولُ الله صلى الله عليه وسلم  من خصال النفاق، ومن علامات المنافقين .

 

والكذب قد اتّخذ له كثيرٌ من أهل الكتاب، وخاصةً النصارى موسمًا سنويًا، وهو شهر إبريل الرابع من شهورهم، وهو هذا الشهر الذي نحن فيه، فهو خصلة ذميمة، وواحدة من العادات التي يَتْبعُها عاداتٌ كثيرة سيّئة؛ لأن الكذب من أسوأ مداخل الآفات كلّها، به تُنهك الأعراضُ، وتؤكل الأموالُ، وتُضَيَّع الحقوقُ، وتنعدم الأمانة .

 

لذا نرى بعض المسلمين يتعمدون الكذب في هذا الشهر (شهر إبريل) تقليدًا، أو على سبيل المزاح والمداعبة فيما بينهم، ومرة من باب تعمد المقالب وترويع الآخرين، من وراء هذا الكذب، أو تندّرًا أو تغفيلاً للآخرين.. وقد يمر بين تلك الحالات ما له حدّان كالسيف، هذان الحدّان: ظاهر وباطن.. فالظاهر المزاح والتندّر، كما يحصل بين بعض الناس اقترانًا بهذا الشهر، فإن كشفت الحالة، أصبحت من الأكاذيب عندهم التي يجد لها مقترفُها تفسيرًا، بأنه في شهر إبريل، وهذه من أكاذيبه التي لاشيء فيها. وإن لم تكشف، سكت عن ذلك الأمر، واعتبره مكسبًا، حيث يصبح ذلك الأمر حقيقةً راسخةً، سواء كان: قولاً أو عملاً بالجوارح مهما كان نوعها. والباطن منبعث من العقيدة التي تهدف إلى ما وراء ذلك الكذب ..

 

فكم سمعنا عن سرقات حصلتْ، ومن بعض من يعدّونهم أصدقاء، وكم من ترويع حصل لبعضهم، وكم قيل لنا أو سمع كلّ فرد منّا عن آثار سيّئة، تركها هذا التقليد سلوكاً وخلقًا وعلاقات. وترويع المسلم محرَّم في الإسلام، وعمل ما يُخيفُه من رفع سلاح أو حديدة أو تهديد نهى كذلك عن الكذب وشدّد فيه، وقال: (دَعِ الكذب وإنْ كُنْتَ مازحًا)، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم  رجلاً ينادي طفلاً، فقال: تعال أعطيك؟ فسأله الرسول الكريم: (ماذا تعطي؟) قال: تمرةً، فقال: (ولو لم تعطه لكُتِبَتْ عليك كذبة).

 

ومثل هذا مع الحيوان، فلا يجوز الكذب.. فكيف بالمسلم؟! ومع الكذب يأتي أحيانًا ما يروّعه في نفسه أو ماله أو ولده أو أهله، أو في قريب له بما وقع من مصيبة أو غير هذا.. فيقترنُ الكذبُ بالتخويف والترويع .

 

وفي كتابي: (عادات وافدة، يجب الحذر منها)، الذي طبعه النادي الأدبي بالباحة، بيّنت سببَ هذه الخصلة، وكيف نشأت عند النصارى، وأنّ أبناء المسلمين الذين تأثـّروا ببعض عاداتهم وأعمالهم، نقلوا هذه الخصلة لديار المسلمين، وجُذُورها من عندهم.. بل الأنكى أن هذه الخصلة قد سبقت في جذورها الديانة النصرانية؛ إذ أخذوا ذلك عن العقيدة الزرادشتية وعن المانوية وعقيدة الظلمة والنور وعن تعدّد الآلة عند الرومان، حيث تجري احتفالات يُسمّونها دينية، يتباكون فيها على موت بعض الآلهة حزنًا، كما قال بول ديورانت، في قصة الحضارة، ثم تضج أسواقهم بعد ذلك باصوات الفرح، ببعث ما يُؤلَهون من قبره، وأن ما قيل عن موته ما هو إلا كذب، يتمّ ذلك في العيد الربيعي عندهم، الموافق إبريل (11-146-163) وذُكر في هذا نماذج كثيرة لأعمالهم .

 

إنّ من يقرأ الكتب، ويهتمّ منها بما يتعلق بالعقائد، وما طرأ على كلّ ديانة من تبديلات بشرية، فإنه سيرى الغربيّين خاصة، من كتّاب ومؤرخين يتحاملون على رجال الكنيسة وما يفرضونه على المجتمع عندهم من أمور، فضلاً عن تشكيك بعضهم في صحة الديانة لمخالفتها ما يُمليه العقل السليم، وما تتطلبه الحياةُ الحاضرة، المقترنة بماديات العلم، ونتائج المختبرات والبحوث.

 

يتضح ذلك على لسان المفكرين منهم (ديورانت) في موسوعته قصة الحضارة، بمثل هذا القول: ولذا كثُر نقادُ كتبهم المقدسة، مع التشكيك في صحّة وصدق روايته، يقابل ذلك جهود قوية لإثبات الأسس التاريخية للديانة النصرانية التي نسخها الإسلام؛ لأنّ الله أخبر بتحريفهم لما بين أيديهم، وأبان رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أنّ ما جاء به أهل الكتاب: لا يُصدَّق ولا يُكذَّب)، مخافة أن يصدّق المكذوب، ويكذّب ما جاء عن الله وعن رسله .

 

وصراعهم هذا يتّسم بالكذب، كلّ من جانبه، ليؤصِّل ما قصد إليه.. يقول ديورانت عن هيرود الأكبر: كانت أخلاقه مثالاً من أخلاق، وعصره الذي أنجب كثيرًا من الرجال الذين كانوا أذكياء، لاخلاق لهم، قادرين لاضمير عندهم، متحدّثين لاصدق لهم، شجعانًا مجرّدين من الشرف، فقد كانوا صورةً مصغّرةً من أغسطس في بلاد اليهود. (قصة الحضارة لبول ديورانت 11-164).

 

ولقد توسّع ديورانت، في كتابه هذا في الأجزاء المخصَّصة لعصر الإيمان، عندما تناول الصراعَ بين اليهود والنصارى، وقيصر المسيح، حيث أبان كما أبان غيرُه من الدارسين، أن كبار رجال الكنيسة عرف عنهم التعمّد في الكذب على الناس، وأن واحدًا من أكبر القائمين على إحدى الكنائس، أراد أن يبرِّر لأكاذيبه، لما كثُرت واكتشفتْ: فابان بأنّنا في فصل الربيع، وهو الفصل الذي تبتهج فيه الحيوانات والطيور، بالطريقة الخاصة بها، وسائر المخلوقات ايضًا لها أساليبها الخاصة في التعبير عن فرحها ومرحها، ونحن البشر الذين يمرّ بنا فصل بين فصلين، بين الشتاء وثلوجه وبرده، وما يتركه لدى الناس من كآبة، وبين الصيف يلفح الناس بحرّه، فعلينا أن نعبّر عن أنفسنا بهذا الأسلوب، من الكذب الأبيض، (قصة الحضارة: 1-165).

 

فكان من هذا التعليل قاعدة استحسنها بعضُ الناس، يكذبون لمآرب، ويستمرئون الكذب لمصالح، ولستُ أدرى من أين جاءهم التقسيم هذا عن الكذب الأبيض والأسود؛ إذ الكذب واحد، وهو نقل الشيء على غير صورته.

 

ومنْ هنا ندركُ أن هذا التقسيم بدأ يسري في ديار المسلمين تقليدًا مثل عادات كثيرة، وفدت من إفرازات تلك الأمم، وفتات موائدهم وحضارتهم، المصدِّرة للعالم الإسلاميّ، ومن ذلك كذبة إبريل هذه.

 

وقصص الكذب المستقاة من كذبة إبريل كثيرة، نكتفي بواحدة منها، حيث يجدونها مُبرِّرًا للكذب على الله سبحانه، كما هي عاداتهم التي أبانها الله سبحانه في القرآن الكريم. يقول أحمد الخزرجي في كتابه "مقاطع الصلبان": من مشاهدهم المعظّمة عندهم التي يعملونها في شهر إبريل: أن يد الله تخرجُ لهم في يوم واحد من السنة، في هذا الشهر، من وراء ستر يرونها عيانًا، فحكى أن رجلاً، ممن أبغض النصرانية، ودخل دينًا آخر، وكان قد حظي عند بعض نصارى الأندلس وعظمائهم، رغِب رئيسُهم أن يعيد صاحبه هذا للنصرانية، ويرغبه فيها قائلاً: ألا ترى هذه الكرامة التي خصّ الله بها النصارى من البشر، حيث يظهر يده علينا في يوم معلوم من السنة، وفي شهر الرّبيع.

 

فقال الرجل لهذا الرئيس: قد رضيت في هذا بشهادتك، فإن كان ما يزعم هؤلاء القِسّيسون حقًا فسوف أعود إلى دينك، فخالط الرئيس الشكّ. فلمّا دنا ذلك اليوم، الذي تظهر فيه اليد، سافر بنفسه نحو المشهد وقرّبَ مالاً يهديه، فبدر إليه القساوسة والأساقفة وقرّبوه لتقبيل اليد، فلما ظهرت له من وراء الستر، وضع يده فيها وأمسكها بشدّة، فصاحوا به يقولون: أتق الله، الآن تخسِف الأرضُ بك، الآن تقع عليك السماء، الآن تُرسَل عليكَ الصواعق. فقال: دعوا عنكم هذا، فإن هذه اليد، لا أحلّ يدي عنها حتى أعلم أحقًا ما تصنعون أم باطلاً، فلما رأوا إلحاحه، لم يبق منهم إلا اثنان، وهرب الباقون، فحاولا إقناعه؛ ولكنّه أصرّ وهو متمسِّك بهذه اليد، حتى يعرف السرّ، فلما كشفوا الستر، رأى قسّيسًا مجرود الخدّين، موقوفًا وراء الستر، فلما رآه أرسل يده وعرف أسلوبهم في الكذب. (مقاطع الصلبان ص 173).

 

فهل يُدرك شبابُ المسلمين منهجهم في الكذب؛ ليتركوا تقليدهم، ويَعوا جيّدًا منهجَ الإسلام في تحريم الكذب، ومن ذلك كذبة إبريل؟ ونماذج هذه الحكاية كثيرة في الكتب التي تُحاورهم. ومن كذبهم كثرة الأناجيل، التي عدّها أحدهم في كتاب، صدر هذه الأيام بأن الأناجيل بلغتْ خمسين إنجيلاً، بأسماء أصحابها، وصدَق الله: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾

 

ورسول الله صلى الله عليه وسلم  قد جعل الكذب واحدةً من علامات النفاق، وأنّ الذين بدؤوا في إشاعة الكذب في الأمة الإسلامية إفسادًا للإسلام، هم اليهود في المدينة ومن يناصرهم رغبةً في إضعاف شوكة المسلمين، كما هو اليوم إعلامهم المرئي والمسموع والمكتوب .

 

إسلام أبي ذر t:

جاء في قصص العرب للجارم: أن أبا ذرّ قال: كنت رجلاً من غِفار، فبلغنا أن رجلاً قد خرج بمكة، يزعم أنه نبيّ، فقلت لأخي: انطلقْ إلى هذا الرجل وكلّمْه، وائْتني بخبره، فانطلقَ فلقِيَه، ثم رجع، فقلت: ما عندك؟ فقال: لقد رأيت رجلاً يأمر بالخير، وينهى عن الشرّ، فقلت: لم تشفني الخبر اليقين.

 

فأخذت جرابًا وعصا، ثم أقبلتُ إلى مكة، فجعلت لا أعرفه، وأكره أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زمزم، وأكون في المسجد، فمرّ بي عليّt، فقال: كأن الرجل غريب؟ قلتُ نعم، فانطلق إلى المنزل وانطلقتُ معه، لا يسألني عن شيء ولا أخبِره.

 

فلما أصبحت غدوتُ إلى المسجد، لأسال عنه، وليس أحدٌ يخبرني عنه بشيء، فمرّ بي عليّ ثم قال: أما آن للرّجل أن يعرف منزله بعد؟ قلت: لا. قال: انطلق معي، ثم قال: ما أمرك؟ وما أقدمَك هذه البلدة؟ قلت: لإن كتمتَ أمري أخبرتك!. قال: فإنّي أفعل. قلت له: فإنه بلغنا أنه خرج ههنا رجل يزعم أنه نبي، فأرسلتُ أخي ليكلّمه، فرجع ولم يشفني من الخبر، فأردت أن ألقاه.

 

فقال: أما إنك قد رشدْتَ هذا وجهي إليه فاتّبعني، اُدْخل حيث أَدخل، فإني إن رايت أحدًا أخافه عليك، قُمْتُ إلى الحائط كأني أصلح نعلي، وامض أنْتَ.

 

فمضى ومَضيتُ معه حتى دخل، ودخلت معه على النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فقلت له: أعرضْ علي الإسلام، فعرضه فاسلمتُ مكاني، فقال لي: يا أبا ذرّ، اكْتُم هذا الأمر، وارجع إلى بلدك، فإذا أبلَغَكَ ظهرنا فاقبلْ، فقلت: والذي بَعثك بالحقّ لأصرخنّ به بين أظهرهم.

 

فجاء إلى المسجد وقريش فيه، فقال: يا معشر قريش، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فقالوا: قوموْا إلى هذا الصابئ، فقاموا فضُربتْ لموت، فادركني العباس، فأكبّ عليّ، ثم أقبل عليهم، فقال: ويلكم، تقتلون رجلاً من غفار، ومتجرُكم ممرّكم على غفار.. فاقلعوا عنِّي.

 

فلمّا أن أصبحت في ألغد، رجعتُ فقلتُ مثلَ ما قُلْتُ بالأمس، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ، فصُنع به مثل ما صُنِعَ بالأمس، وأدركني العبَاس، فاكبّ وقال مَثل مقالته بالأمس. (قصص العرب 1-183-184).

 

 

ربيع الثاني – جمادى الأولى 1429هـ = أبريل – مايو  2008م