الموضوعات
أنباء الجامعة
إشراقات الداعي
الأحكام والقضايا الفقهية
الأدب الإسلامي
الأشعار والقصائد
الأعلام العربية
الأعلام من الهند
الأمور السياسية
الإصدارات الحديثة
الإعتقادات
التراجم والوفيات
الجامعة الإسلامية دار العلوم / ديوبند
الحكمة الدينية والأخلاق الفاضلة
الدراسات الإسلامية
السيرة والتأريخ
العالم الإسلامي
العلم والتعليم
العلوم الإسلامية
الفكر الإسلامي والاجتماع
القرآن وعلومه
القضايا العربية المعاصرة
اللغة والأدب
المحليات والأوضاع الراهنة
المدارس والمعاهد الإسلامية
كلمات التحرير
الذكاء نعمة من الله عزّ وجلّ
الكاتب: معالي الدكتور عبد العزيز عبد اللّه الخويطر
الموضوعات: | الدراسات الإسلامية | | القضايا العربية المعاصرة |
الذكاء نعمة من الله عزّ وجلّ

 الأدب الإسلامي

الذكاء نعمة من الله عزّ وجلّ

(3/3)

 

بقلم : معالي الدكتور عبد العزيز عبد اللّه الخويطر / الرياض

                                                                                            وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء السعودي

           

ويبلغ الغباء بالإنسان أن ينذر أن يضرَّ نفسه، فإذا تحرك ذكاؤه مؤخرًا، وأدرك ما أوقع نفسه فيه، جاء يطلب من الأذكياء أن ينقذوه مما أوقع نفسه فيه .

       وهذه قصة تمثّل ذلك :

       "أتى رجل ابن عباس ، فقال:

       نذرت أن أبيت على قعيقعان عريانًا حتى أصبح.

       فقال ابن عباس: انظروا إلى هذا، أراد الشيطان أن يكشف عورته، ثم يضحك منه هو وأصحابه .

       إنطلق إلبس ثيابك، ثم صلّ عليه "الجبل" حتى تصبح".(1)

       لقد قاد الغباء صاحبه إلى أن يقترب من موقف مضحك، يضعه موضع الهزء والسخرية، ولم يكن لديه من الذكاء ما ينبّهه إلى هذا المزلق الذي كاد أن ينحدر فيه. وفرّق بين غباء هذا الرجل، وذكاء ابن عباس، وفقهه؛ فلم يكفه أن عرف مدخل الشيطان على الرجل، وهو الداء؛ بل وصف له الدواء، وهو الوفاء بالنذر بطريق يكسبه الأجر والثواب، ويحله من عهده الذي قطعه على نفسه. وهو درس مفيد لمن أراد أن يعتبر؛ لأن تجارب الأولين أنوار هداية للاحقين، تضيء طريقهم، وتهديهم إلى أهدافهم، من أقصر طريق، وأسلم مسلك؛ وتوفر عليهم الجهد، وتكفيهم العناء.

       وهناك القصة المشهورة عن أبي حنيفة، والرجل الذي ظنه رجلاً مهيبًا لمظهره، ولِمَا يوحيه منظره من جلال القدر، مما جعل أبا حنيفة يجله، ويقدره، فيكف رجله متألمًا، احترامًا له، فلما تبين له غباؤه، قال جوابًا على سؤاله الأخرق: "يمد أبو حنيفة رجله ولا يبالي".

       وقد روى الزمخشري في كتابه: "ربيع الأبرار" قصة مماثلة، وقد يكون الراوي داخل بين القصتين، يقول الزمخشري:

       "كان رجل يحضر مجلس أبي يوسف كثيرًا، ويطيل السكوت، فقال له يومًا:

       مالك لا تتكلم، ولا تسأل عن مسألة؟

       قال: أخبرني، أيها لقاضي، متى يفطر الصائم؟ قال: إذا غابت الشمس .

       قال: فإن لم تغب إلى نصف الليل ؟

       فتبسم ، وتمثل ببيت جرير:

                                  وَفِيْ الصَّمْتِ سِتْر لِلْعَيِيِ وَإِنَّمَا

                  صَحِيْفَةُ لُبِّ الْمَرْءِ أَنْ يَتَكَلَّمَ"(2).

       بعض الناس يجلس في حلقات الدرس، ومجالس العلماء، تجمُّلاً، وحتى يقال إنه يجلس معهم، وهو ليس أهلاً لذلك، فإذا ما اختبر أبان الاختبار ضحالة الشخص، وجهله، وغباءه أحيانًا. ولكن هذا أحيانًا، وهو قليل، يكسب المُجالِسَ علمًا، يبني عليه تدريجًا؛ حتى يصبح رصيدًا مباركاً، وقد ينقله اجتهاده، وذكاؤه إلى صف العلماء المرموقين .

       والحكام إذا أنجزوا عملاً، أو أُنجز لهم عمل، وأحبوا أن يسمعوا رأيًا حسنًا فيه؛ فإنه يؤلمهم أن يأتي منتقد يفسد فرحتهم؛ فيقلل من شأنه، ويشعرهم بضيَاع ما أنفق عليه، وخسارة المال الذي صرف فيه. والنقد درجات، فبعضه قد يكون معقولاً، يوجب تدارك بعض النقص، أو سد ثغرات، قد يأتي منها النقص، وبعضه محبط مسيء، وقصة إسماعيل الأشعث مع الحجّاج هي من هذا النوع السيء:

       "قال الحجاج لإِسماعيل بن الأشعث، وكان يُحَمَّق، كيف ترى قصري؟

       قال: أرى قصرًا استعظم المؤونة على من أراد هدمه.

       قال: قبحك الله! ويلك! ما خالف بك إلى ذكر الهدم"(3).

       الغريب في الأمر ليس هذه الملاحظة النابية من إسماعيل ولكن من مصاحبة هذا الرجل للحجّاج، وبقائه معه ومع مرافقيه، وهو بهذا الحمق، ولا نجد تفسيرًا إلا أن حمقه، فيما قبل، كان على غير الحجاج، ولتسلية الحجاج؛ ولكن مثل هذا الأحمق لا يضمن أن يلتفت بحمقه إلى من ظن أنه آمن منه !

       وسلب الذكاء من الإنسان قد يكون جزئيًا، أو لوقت قصير، خاصةً عند انشغال الإِنسان ذهنيًا بأمر يجعله يتصرف تصرفًا منتقدًا، لا يشعر بالعيب فيه إلا بعد أن يحدث. وهذا أمر لا تكاد حياة شخص أن تخلو منه، يأتي منه سقطة لسان، أو زلة قلم، أو فعل غير مقصود؛ وفي التراث ما قد يكون من هذا النوع، أو قد يكون من غباء متمكن، مثل القصة الآتية:

       "قال ابن حمدون النديم:

       جلس بعض الرؤساء مع بعض الوزراء في زبزب، وفي يده تفاحة، فأراد أن يناولها الوزير، وأراد أن يحول وجهه إلى الماء ليبصق، فحول وجهه إلى الوزير، فبزق عليه، ورمى التفاحة في المال"(4).

       والحمق والغفلة والغباء مما اهتم بتدوين طرائفه الأولون، ومن أشهر الكتب في هذا كتاب "أخبار الحمقى والمغفلين" لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، وقد جمع فيه طرائف وغرائب، كلها تدور حول هذه الفئة من الناس؛ واقتبس منه كُتَّاب كثيرون، ممن وقفوا بعض أبواب كتبهم على الحمقى والمغفلين.

       وهذا الكتاب أوحى به إليه كتاب "الأذكياء"، وقد أراد أن يظهر الضد لأسباب ذكرها في مقدمة كتابه. ومنها أن العاقل إذا تدبر أخبار هؤلاء التعساء شكر الله على نعمة العقل، التي أنعم الله بها عليه . ومنها أن تبقى أسباب الغفلة إذا كان هذا يمكن أن يتم باكتساب الذكاء، والتمرين على ذلك، ولم يكن جبلة في المرء لا تقبل التغيير، ومنها أن يكون في قراءة أخبارهم ترويح للنفس من العمل الدؤوب؛ واعتبر ابن الجوزي هذا من اللهو المباح .

       والكتاب ثمين، يستحق أن يقرأ بتمعن، ففيه مقدمة علمية ثمينة، وضع فيها بعض الأحاديث النافعة، والآراء المفيدة .

       وقد ذكرنا "باقلاً" وعِيُّه، وشهرتَه بذلك، وضرب المثل فيه، وهناك "هبنّقة" الذي ضرب بحمقه المثل، وله قصص عديدة في ذلك، نكتفي بواحدة منها، وهي من أشهر ما روي عنه:

       "جعل هبنّقة في عنقه قلادة من ودع وعظام وخزف، وقال: أخشى أن أضل نفسي؛ ففعلت ذلك، لأعرفها به.

       فحولت القلادة ذات ليلة من عنقه لعنق أخيه، فلما أصبح قال: يا أخي أنت أنا، فمن أنا؟".(5)

       وهذا قد يعتبره بعض الناس جنونًا؛ لأنه تعدى حدود الغباء والحمق، ولعل ما كان يأتي منه من أقوالٍ، فيها ما يلفت النظر، هي التي جعلت الناس يخففون الحكم عليه؛ ومن الأمثلة على ذلك ما جاء منه مبينًا منحىً نفسيًا، فيه بعض الإِصابة المشعة .

       "أضل هبنّقة بعيرًا، فجعل ينادي: من وجده فهوله، فقيل له: فلم تنشده ؟

       قال: فأين حلاوة الوجدان".(6)

       إن هذا القول لفتة نفسية، قد لا يفطن لها إلا قليل من المفكرين. وإنه مما يقلق أن يفقد الإنسان شيئًا، فينشغل باله، وتراه يتلمسه في كل مثيل له، أما إذا عرف مصيره، فإنه ييأس، واليأس تتلوه الراحة، وقد سمعنا نساءً فقدن أطفالهن في ظرف خاص، أو في نكبة عامة، يبدين أنهن كنّ يودنّ أن يعرفن أن المفقود مات، أحب إليهن من أن يبقين معلقات بالأمل.(7) ولم يُتَّهَمْنَ بالحمق!

       وهذا لا يعني أنه ليس هناك من لا يفضل التعلق بالأمل، فالأمل رجاء وتطلع، وقطعه يأس، واليأس في نظرهم تأكيد للنكبة. فالناس مختلفون، وليسوا على رأي واحد، واتخاذ فئة رأيًا، لا يعني أن خلافه غير مبرر.

       والمماليك يتهمون أحيانًا بالغباء، ويبدو منهم نوادر في هذا المجال، والعبيد من الفئات التي يركب عليها الأدباء كثيرًا من القصص التي يبتدعونها، ويأتون فيها بما لا يكاد يصدقه العقل، فإذا صادف أن كان السيد والمولى كلاهما غبي، تمت الظرافة للأديب؛ وممن يتهم بالغباء المتناهي "حمزة بن بيض" ومما يقال عنه:

       "قال حمزة بن بيض: أي يوم صلينا الجمعة في الرصافة؟

       ففكر الغلام ساعةً ثم قال: يوم الثلاثاء"(8).

       ومن قصص العامة عندنا قصتان عن المماليك، إحداهما في البادية، والثانية في الحاضرة، والتي في البادية تجري حوادثها كما يلي:

       كان هناك مملوكان يرعيان غنمًا في البادية، وعندما أظلم الليل عليهما وعلى الأغنام، أوقدا نارًا بالقرب من الغنم، وكانت الأغنام قد ربضت، تستريح من عناء النهار، وبعضها يجتر، وبعضها يئن من التعب، ونظر أحد المملوكين إلى الغنم، فرأى النار تلمع في أعينها، وسمع الأنين؛ فقال لصاحبه:

       أرى الشرر يتطاير من أعينها، ولا أرى إلا أنها غاضبة علينا، من جراء ضربنا لها في النهار.

       فقال الآخر: صدقت، وها هي تتآمر علينا، وتتناجى بلغتها في كيف ستنقض علينا.

       فقال الأول: أرى بعضها واقفًا مستعدًا، وسيكون هو أول المنقضين، فعلينا أن نهرب.

       ثم استعدا للهرب، وركضا، ومن عادة الأغنام أنها إذا جفلت ركضت خلف من يركض، فجرت الواقفة خلف الراعيين، ثم قامت الأخريات، وتبعتها.

       وتأكد للراعيين الساذجين أن المؤامرة حقيقة، وأنهما اكتشفاها في وقتها؛ ولم يقف الراعيان إلا عند مضارب خيام أهلها؛ والأغنام خلفهما.

       هذه واحدة من البادية، وهناك أخرى، لا تبعد عن هذه في غباء المماليك :

       ذهب مملوكان يرعيان  أغنام سيدهما، وصادا "حبارتين"، ولم يكن معهما ما يوقدان به نارًا، فمرا على آثار نار قد خمدت منذ مدة، ولم يبق إلا أثر الملة باردة. فنتفا بعض ريش الحباري، وأخذا يعجنانهما في الرماد البارد عجنًا، فأفلتت حبارى من الحبارتين، وانحدرت "تسلفح" بما بقي لها من ريش إلى الشعيب، وبقيت الأخرى تعاني من الدلك في الرماد، وتخرج صوتًا يدل على ألمها، فقال أحدهما للآخر:

       "قوقا الهبارى من النجا" أي وصوصت الحبارى من شدة النضج.

       فقال الآخر: "اللي هدر للشعيب أنجى وأنجى"، أي أن الذي ذهب إلى الشعيب أكثر نضجًا، ولعلهما ظنّا أنه ذهب هناك ليبرد، تمهيدًا لأكله!

       أما القصة المؤلفة عن المماليك في الحاضرة فتقص على الصورة الآتية:

       كان هناك مملوك أسود، وله زوجة مثله، ومن جملة ما تقوم به خض اللبن لأسيادها، فصادف أن قفزت قطرة من اللبن على أنف الجارية، فاستبشر زوجها، وأمل أن تكون خميرة للبياض الذي سوف يطغى على بشرتها، ثم جاءت ذبابة وقعت على النقطة تتغذى منها، فاستشاط الزوج غضبًا، وجاء بفأس ضرب به الذبابة، وفتح وجه الجارية، وماتت.

       ولما رأى أسنانها برزت، ظن أنها تبتسم، تمجيدًا للعمل الشجاع المبادر الذي قام به زوجها، فقال مخاطبًا لها: "لم يدر هذا الذباب أن في العباة رجلاً!!" .

       ويقال إن جاريةً كانت تملكها عائلة من العوائل العريقة في مدينة عنيزة في القصيم من نجد؛ فلما أكثروا عليها تخويفها من يوم القيامة قالت لهم إنه إذا جاء ذلك اليوم؛ فإنها تنزل في الجصة (مخزن التمر). وتظن أنها بعملها هذا في منجى مما خوفوها منه.

       وممن اشتهر بالغباء "مزبد"، وله فيه حكايات طريفة، حرص الكتّاب على تدوينها، ولغبائه نمط يعرف به أحيانًا ومنه:

       "قيل لمزبد: أيسرّك أن تكون هذه الجبة لك؟

       قال: نعم، وأضرب عشرين سوطاً .

       قالوا: ولم تقول هذا؟

       قال: لأنه لا يكون شيء إلا بشيء"(9).

       لقد استقرأ "مزبد" الحوادث التي مرت به، فوجد أن كل شيء يلزمه شيء، وأن لكل شيء ثمن؛ ولكنه استعجل، وحدد الثمن، وأراح نفسه وخصمه!

       والمجتمع الأموي والعباسي مليء بأمثال هؤلاء الأغبياء، ومثلهم كثير في كل مجتمع وعصر؛ إلا أن الفرق في التدوين، فعصر يحرص أدباؤه على التدوين فيه، لما يرون من حب الناس لذلك، وحرصهم على الاستماع، واقتناء ما يكتب، وإقبال الورّاقين على نقله ونشره، لما يكسبون من ذلك؛ وهذا أمر يدل على ازدهار العصر، وكثرة المثقفين فيه، وعصر يمرّ دون تدوين، فكيون فقيرًا في هذا .

       ومن الأشخاص الذين دون عنهم بعض طرائف الغباء: "أزهر الحمار"، وكان يتردد على مجلس الأمير عمرو بن الليث، ويبدو أنه يَجِدُ فيما يقول، وفيما يأتي منه، ترويحاً من عناء الحكم؛ ومن قصصه معه، وهي تدل على التصاقه بمجلسه، القصة الآتية:

       "قدم على الأمير عمرو بن الليث رسول من عند السلطان، فأُحضر مائدته، فقال لأَزهر:

       جمّلنا بسكوتك اليوم.

       فسكت طويلاً، ثم لم يصبر، فقال:

       بنيت في القرية برجًا، ارتفاعه ألف خطوة.

       فأومأ إليه حاجبه أن أسكت .

       فقال له الرسول: في عرض كم؟

       قال: في عرض خطوة .

       فقال له الرسول: ما كان ارتفاعه ألف خطوة لا يكفي عرضه خطوة! .

       قال: اردت أن أزيد فيه، فمنعني هذا الواقف".(10)

       هذا وقد عدد ابن الجوزي اسماء بعضهم، والنوارد التي رويت عنهم، وفيها من الطرافة ما فيها، وفيها من سلب نعمة العقل، والذكاء ما فيها، فسبحان من أعطى، وسبحان من منع.

 

*  *  *

الهوامش :

ربيع الأبرار: 1/390.

ربيع الأبرار: 1/762.

البصائر: 6/72.

البصائر: 4/75.

أخبار الحمقى والمغفلين: 41.

أخبار الحمقى والمغفلين: 41.

وحتى في العشق يبدو أن اليأس يجلب راحةً للعاشق؛ يقول أحدهم :

من حبها أتمنى أن يلاقيني     من نحو بلدتها ناع فينعاها

كيما أقول: فراق لا التقاء له     وتضمر النفس يأسًا ثم تسلاها

كتاب الزهرة: 1/95.

أخبار الحمقى والمغفلين : 43.

أخبار الحمقى والمغفلين : 48.

أخبار الحمقى والمغفلين : 48.

 

ذو الحجة 1430 هـ = ديسمبر 2009 م ، العدد :12 ، السنة : 33