الموضوعات
أنباء الجامعة
إشراقات الداعي
الأحكام والقضايا الفقهية
الأدب الإسلامي
الأشعار والقصائد
الأعلام العربية
الأعلام من الهند
الأمور السياسية
الإصدارات الحديثة
الإعتقادات
التراجم والوفيات
الجامعة الإسلامية دار العلوم / ديوبند
الحكمة الدينية والأخلاق الفاضلة
الدراسات الإسلامية
السيرة والتأريخ
العالم الإسلامي
العلم والتعليم
العلوم الإسلامية
الفكر الإسلامي والاجتماع
القرآن وعلومه
القضايا العربية المعاصرة
اللغة والأدب
المحليات والأوضاع الراهنة
المدارس والمعاهد الإسلامية
شخصيات إسلامية
كلمات التحرير
محاوراتٌ في الدِّين الحلقة (12)
الكاتب: الإمام محمد قاسم النانوتوي
المترجم: الأستاذ محمد ساجد القاسمي
المصدر: مجلة الداعي الشهرية الصادرة من الجامعة الإسلامية دارالعلوم ديوبند
رجب 1429هـ = يوليو 2008م ، العـدد : 7 ، السنـة : 32
الموضوعات: | الفكر الإسلامي والاجتماع | | الإعتقادات | | العالم الإسلامي |
الداعي ، رجب 1429هـ = يوليو 2008م ، العـدد : 7 ، السنـة : 32

محاوراتٌ في الدِّين

الحلقة (12)

 

بقلم :   الإمام محمد قاسم النانوتوي المتوفى 1297هـ/1880م

رئيس الطائفة المؤسسة لجامعة ديوبند

تعريب : الأستاذ محمد ساجد القاسمي*

  

 

  

 

     محضر الاجتماع الثاني في اليوم الثالث:

       ما إن كانت الساعة الواحدة حتى حضر المحاورون والمستمعون مجلس الحوار والمناظرة، وحضره علماء المسلمين على اسم الله وبركته كذلك. قبل أن يبدء الحوار قال المنشئ "بيارے لال": "أريد أن يبحث في السؤال الأخير، وأما الأسئلة الأخرى فيؤخر البحث فيها.

.. حتى لايفتضح السر :

       لم نَدْرِ ما كان سبب ذلك، إلاّ أنَّ المؤشِّرات تَدلُّ على أنه قَالَ ذلك اتباعًا للقساوسة، الذين كانوا قد أصروا في الصباح أن يبحث في السؤال الرابع، والآن قد استبدلوا السؤال الخامس بالسؤال الرابع حتى لايفتضح السر.

       جملة القول أنَّ السؤالين الثاني والثالث كالسؤال الأول يتعلقان بالفلسفة، فاستصعب القساوسة الرّد عليهما، لجهلهم بها، وأما السؤال الرابع والخامس فهما يتعلقان بالدين، وكثيرًا ما يتفق البحث فيه، لذلك أصروا في الصباح أن يبحث السؤال الرابع. ولم يجدوا آنذاك دليلاً لإصرارهم وفرصةً للتآمر مع المنشئ بيارے لال، فلما وجدوا الخلوة والفرصة فيما بين الساعة الحادية عشرة والساعة الواحدة فلا عجب أن تآمروا مع المنشئ بيارے، وإلا كان المنشئ يقول إلى الصباح أن يبحث في الأسئلة مرتَّبَةً .

دهاء القساوسة :

       على أنَّ تأييد المنشئ للقساوسة تأئيدًا زائدًا، حتى أخذ علماء المسلمين لاسيما الشيخ محمد طاهر والشيخ محمد قاسم يشكونه، وعلاقةَ المنشئ مع القساوسة علاقةً قلبيةً معروفةً، وتعلقَ الأسئلة المذكورة بالفلسفة، وجهلَ القساوسة بها كلُّ ذلك يؤيد أنَّه كان من دهاء القساوسة .

كان لنا أن نعتذر :

       على أنَّ قول القساوسة في اليوم الأول مرةً بعد أخرى: "ليس عندنا فرصة، ولانمكث إلا اليوم والغد، يؤيد هذه الفكرة، وإن قال الشيخ محمد قاسم بصراحةٍ: كنّا أحقَّ بهذا القول، فرغم إفلاسنا وقلة بضاعتنا استقرضنا وتركنا أعمالنا وقطعنا مسافةً طويلةً حتى وصلنا الاجتماعَ، ثم عزمنا أن لانبرح حتى يقضي الله بالحق. وأنتم موظفون لهذا العمل، ولا تعانون صعوبةً في السفر، فما معنى قولكم: ليس عندنا فرصة؟ وقد كنا أحق بهذا الاعتذار .

       لم يتأثر القساوسة بكل ذلك أيَّ تأثر؛ لأنّهم رأوا أنَّ اختصار الحوار أسهلُ من الهزيمة دونما عذر، وقد كان علماء المسلمين جرّبوا الأمور، وخبروا النّاسَ في هذا الوقت، فليس من الغريب أن كان رأى الباندتُ والمنشئ "إندرمن" هذا الرأي، فسكوت المنشئ "إندرمن" من بداية الأمر إلى نهايته وقوله رغم إصرار الشيخ محمد قاسم عليه لشرح كلمة الباندت: إني لم أتعوَّد إلقاء الكلمة، ومن تعوَّدوه فهم يفعلونه جيدًا، مما يؤيد هذه الفكرة، على أنهم رأوا – بجانب انتصار علماء المسلمين في السنة الماضية – ذكاء علماء المسلمين وقوة عارضتهم، وسمو أفكارهم، وغزارة معانيهم .

       لعلَّ الباندت وإن كان قد أشاد بمواهب وقدرات الشيخ محمد قاسم والشيخ أبو المنصور ظنَّ أنَّ علماء المسلمين ليسوا مُلِمِّينَ بالعلوم الدينية، لاشتغالهم بعلوم الفلسفة، فلا عَجَبَ أن يفشلوا في الرد على الأسئلة المذكورة. ولما كنا نحن هم واضعي الأسئلة وحضّرنا الردود عليها نحوزقصب السبق في ميدان الحوار والمناظرة. فقد بارز الباندت في بداية الأمر، فلما رَدَّ علماء المسلمين على قدم العالم وأثبت مادة العالم عاد صامتًا ساكتًا.

       فنظرًا إلى هذه الأسباب ليس من العجيب أن قد أشار الباندت والمنشئ إندرمن بالبحث في السؤال الخامس أو لم يحولوا دونه. على كلٍ فقد رضي علماء المسلمين اضطرارًا بالبحث في السؤال الخامس. وقد استغرق هذا النقاش نصفَ ساعةٍ، وما بقي في الساعة الرابعة إلا ساعتان ونصف، فاقترحوا أن يستمر الحوار إلى الرابعة والنصف. فقال علماء المسلمين: لا بأس! إنا نؤخر اليوم صلاة العصر نصف ساعة.

يُثْبِتُ القسيس "إسكات" عقيدة التكفير

وألوهية عيسى عليه السلام :

       بَدَءَ الحوار، وأوَّلُ من قام من المناظرين هو القسيس إسكات، وعالج السؤال الخامس، وهو ما هو النجاة؟ وما السبيل إليها؟ وألقى كلمةً ضافية القول، خلاصتها: "أنَّ النجاة عبارة عن اجتناب المعاصي. ولما رأى الله تعالى أنَّ العالم غارق في المعاصي، فتمثّل وسمّى نفسه عيسى المسيح فكَفَّر عن عباده جميعًا، أي تحمَّل معاصي بني آدم، فصُلِبَ، ولُعِنَ، ودَخَلَ جهنم لمدة ثلاثة أيام. فوجب على الناس جميعًا أن يؤمنوا بألوهية عيسى عليه السلام والدين المسيحي، ولانجاة بدون ذلك.

الأدلَّة على صدق المسيحية :

       ذات يومٍ دعوتُ عيسى المسيح أن يرحمني، فشعرت بطمأنينةٍ وبشاشةٍ في قلبي لا أكاد أصفها، ثم لم ألتفت إلى أمور أخرى .

       وكذلك ذات يومٍ قُلْتُ لرجلٍ سمينٍ ضخم الجثة، كالباندت، شرِّير لايسمع للأنجيل، ولا يذهب إلى الكنسية: اسمع للإنجيل فقال: لماذا أسمع الإنجيل؟ ولماذا أذهب إلى الكنسية؟ فقرأتُ عليه الإنجيل، مما أثّر على قلبه تأثيرًا كبيرًا، فجاءني وتركَ المعاصي كلها، وأضحى صالحًا ورعًا. واشتهر فيما بين النَّاس أنَّ الفلان قد أصبح صالحًا ورعًا .

       وكذلك كانت الهند قبل أن يحكمها المسيحيون يكثر فيها شن الغارات، وقطع الطريق، والفتن. ومنذ أن حكمها المسيحيون استتب فيها الأمن والسلام، وأصبح مواطنوها مأمونين، وقلَّت المعاصي. وهذا أكبر دليلٍ على صدق الديانة المسيحية".

الباندت ديانند سرستي يشرح معنى النجاة :

       ثم قام الباندت "ديانند سرستي" وألقى كلمةً طويلةً خلاصتُها – على ما أخبر من فهم كلمته – : أنَّ النجاة هي أن يجتنب المرء من المعاصي ويعمل الصالحات. ومازعم القسيس من أن الله تمثَّلَ في عيسى المسيح، وكفّر عن جميع عباده محضُ خطأٍ. وكيف يمكن أن يسع الله الذي ليس له حد ولا نهاية، قبضةً من التراب؟. وما ادعى القسيس من أنَّ ديانته منجاة من المعاصي باطل، لأنَّ الله تعالى كان قد أمر موسى عليه السلام بأن يخلع نعليه بالوادي المقدس طوى، وأما القسيس فيعكس الأمر، فيخلع قلنسوته، ويلبس نعليه، ويخالف ما أمر الله أن يفعله . فكيف يمكن النجاة في مثل هذه الديانة ؟

الشيخ محمد قاسم :

       ثم قام الشيخ محمد قاسم وقال: إنَّ النجاة هي التفادي من غضب الله وعقابه، والسبيل إليها هو الاحتراز عن المعصية لاغير. وهذا يتَوَقَّفُ على معرفة المعاصي. وقد قال الباندت والقسيس: إنَّ النجاة عبارة عن الاحتراز عن المعاصي، ولكن كلُّ واحدٍ منهما لم يُعَرِّف بالمعصية، وإنّما اكتفى بذكر عددٍ من المعاصي كالزنا والسرقة .

الطاعة والمعصية :

       فأولاً أعرِّفُ بالمعصية، فاسمعوا! إنَّ المعصية هي ما يكرهه الله ولايرضاه، والطاعة هي ما يُرْضِيْ الله ولايكرهه. إلا أنَّ مرضاتنا وكراهيتنا لايطلع عليهما أحد مالم نخبره بهما، مهما ألصقنا الصدر بالصدر وشقَقْنا عن القلب، ومالم نخبر أحدًا باللسان أو الإشارة لايطلع على مرضاتنا وكراهيتنا.

       رغم كثافتنا وظهورنا ، ورغم أننا جسمانيون هذا هو شأننا، وشأنُ الله تعالى أنه غاية في اللطافة، فكيف نطلع على ما في قلب الله مالم يخبرنا به، أما العقل فلا يمكن له أن يطلع على ما في قلبه، وكل ما يمكن للعقل أن يفعله هو أن يعرف حسن شيء وقبحه معرفةً يسيرةً .

اللّه لا يخضع للعقل، والعقل يخضع له:

       ثم إنه لايعتمد على العقل في هذا الأمر، ولما كان الله هو العليم الحكيم، فلا ينهى عن المعروف ولا يأمر بالمنكر، غير أنه هو إلا له لا العبد، والحاكم لا المحكوم، لايخضع للعقل والعقل يخضع له، فإن أَحَلَّ الزنا وحرَّم الطاعة – فرضًا – كان الزنا طاعةً و والطاعة معصيةً كما قال شاعر فارسي:

       "إن طلب مني الدين أن أكون حريصًا على المال فأنا أضرب القناعة عرض الحائط" .

       على هذا فيجب على العبد أن ينظر إلى الله تعالى في معرفة رضاه من سخطه، ولايعتمد على العقل في هذا الأمر.

       وكما أسلفت أنَّ ملوك الدنيا – على ما يتمعون به من النخوة – لايخبرون ببنات صدورهم كلَّ من هبَّ ودَبَّ من النّاس، والله تعالى – على ما يتمتع به من الكبرياء والغناء الذي يدل عليه ألوهيته – كيف يُخْبِرُ ما في قلبه كلَّ من هبَّ ودَبَّ من النّاس؟ أما الملك والرعية فبينهما قاسم مشترك من مخلوقية وإنسانية. وأما الله تعالى ومخلوقاته فليس بينهما من قاسم مشترك .

سبيل النجاة :

       كما أنَّ لكل فترة حاكمًا بعينه، مثلاً كان اللورد "نورث بروك" حاكمًا في الفترة الماضية، واللورد "ليتن" حاكم اليوم، كذلك لكل فترةٍ نبيٌ، فكما أنَّه يجب اليوم اتباع أوامر اللورد "ليتن" وأحكامه، ولا يجدي نفعًا اتباعُ أوامر اللورد "نورث بروك" وأحكامه، كذلك يجب اتباع أوامر كلِّ نبي في فترته. إننا نُقِرُّ بنبوة سيدنا موسى عليه السلام وسيدنا عيسى عليه السلام ونُكَفِّر من ينكر نبوتهما كما نكفر من ينكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وقياسًا على ذلك نسكت عن السيد "راما جندرا" والسيد "شري كرشنا" وأما سبيل النجاة اليوم فهو اتباع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لاغير .

تتوقف النجاة على اتباع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الأيام:

       كما أنَّ هذه الفترة – بعد أن تمَّ تعيين اللورد "ليتن" حاكمًا فيها – إذا أصرَّ أحد على اتباع أحكام الحاكم السابق: اللورد "نورث بروك" لكونه معينًا من الحكومة البريطانية كذلك، يُعَدُّ هذا الإصرار خروجًا على الحكومة البريطانية ومعارضة لها، كذلك إذا أنكر أحد اتباع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأصَرَّ على اتباع من قبله من الأنبياء يعد إنكاره وإصراره نوعًا من الخروج على الله تعالى، وهذا يعني كفرًا وإلحادًا.

       وجملة القول أنَّ اتباع سيدنا عيسى عليه السلام وغيره من الأنبياء ليس سبيلاً للنجاة في هذه الأيام. لو كان عيسى عليه السلام خاتم الأنبياء والرسل لانحصرت النجاة في اتباعه، ولو كان الأمر كذلك لادعى عيسى عليه السلام الخاتمية سدًّا على الناس باب الضلالة. ولاينبغي للأنبياء أن يظلوا ساكتين في مثل هذا الوقت ويدعوا النّاس يضلون .

محمد خاتم النبيِّين :

       يعلم النَّاس جميعًا أنه لم يدَّعِ الخاتمية إلا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو ادَّعى أحد لادعى عيسى عليه السلام، لكنه بدل أن يدعي الخاتمية بَشَّرَ بأنّه "يأتي بعدي سيد العالم" مما اتَّضَح بموجب الإنصاف أنَّ السيد الآتي هو خاتم النبيِّين؛ لأنَّ الأنبياء – حسب مراتبهم – سادة لأممهم وحاكمون لهم، وكيف لا؟ لأن طاعتهم واجبة عليهم؛ فمن كان سيدًا كان خاتمًا، لأنَّ الملك آخر النّاس حكمًا عند مرافعة القضية، وهذا: خاتميته في الحكم لكونه سيّدَ الحكام .

دعوىٰ الخاتمية بجانب دعوى النبوة :

       جملة القول أنّه يجب اتباع محمد صلى الله عليه وسلم على العالم بأسره. إنه ادعى الخاتمية بجانب دعوى النبوة، وأتى بمعجزات تتضاءل دونها معجزات غيره من الأنبياء، وقد ذكرت عددًا من معجزاته وفضلها على معجزات غيره، لاسيما القرآن، وهو معجزة قيمة لاتعادلها معجزة أخرى.

عقيدة ألوهية عيسى عليه السلام باطلة:

       أما عقيدة ألوهية عيسى عليه السلام فهي عقيدة باطلة لايُسَلِّم بها عاقل. ويؤسفنا أنَّ عقلاء الإفرنج كيف يتورطون في خطأٍ فادحٍ، ويوجِّهون اعتراضات سخيفةً إلى غيرهم، لا يحتاج العقلاء إلى التفكير في الرد عليها، وفي رقبتهم اعراضات لاقِبَلَ لهم بالرد عليها إلى يوم القيامة .

       وا أسفاه! كيف يقولون عن الله المقدَّس الغني المنزَّه عن المعايب والنقائص كلها، أنه تمثَّلَ عيسى عليه السلام ونزل إلى الأرض، وابْتُلِي بالحوائج البشرية من الأكل والشرب والبول والبراز والجوع والعطش والفرح والحزن، ويقولون: طورًا صُلِبَ على أعواد المشنقة، وطورًا أُسِرَ على أيدي اليهود ونادى "أيلي أيلي" ولُعِنَ وعُذِّبَ وكفر عن غيره وما إلى ذلك . وإذا نادى رجل القسيس "منبوذًا" يقابلونـه بالضرب والقتال.

       ما أشدَّ الظلمَ وأكبره! إذا نادى أحد القسيس بالسوء شَنَّ له الحرب والقتال، ويسمي الله ما يشاء. ما الفرق بين القسيس والمنبوذ؟ فالمنبوذ مخلوق ومحتاج إلى الله له عينان ويدان وأنف، يجوع ويعطش، يبول ويتغوط كالقسيس له عينان ويدان وأنف يجوع ويعطش، يبول ويتغوط. فهما سواء في الأمور الذاتية. فإن كان بينهما من فرقٍٍ ففي الأمور الخارجية كالجاه والثروة . فإذا سُمِّيَ القسيس منبوذاً لايملك نفسه – مع ما بينهما من وحدة – نخوةً و غيرةً. أما البشر والله تعالى فليس بينهما من وحدة، فوجود الله من صنع ذاته ووجود البشر مستعار منه، والله معبود والبشر عبد له، مع هذا فما بال عقلاء الإفرنج يسمون الله تعالى بشرًا، ولا يخجلون؟ وا أسفاه! كيف يظلمون ولايخافون ؟

اجتماع النقيضين :

       إنّ اجتماع النقيضين والضدين باطل معلوم للنَّاس جميعًا، مع هذا يُسلِّمون باجتماع البشرية والألوهية دونما تفكيرٍ، ومثله كمثل شيء يقال: إنه نور وظلمة، وحار وبارد، وموت وحياة، ووجود وعدم؛ لأنَّ البشرية تستلزم المخلوقية والاحتياج، والألوهية تستلزم الخالقية والاستغناء، فكيف يجتمع هذان الضدّان؟ مع هذا يعضُّ المسيحيون على معتقداتهم بالنواجذ .

ألوهية بني افتراء :

       وإذًا نظرنا نظرةَ إنصاف وجدنا أنَّ ألوهية الشيطان وفرعون ونمروذ وشداد – إذا اعتقد بها أحمق – ليس بأبعد عن العقل من ألوهية عيسى عليه السلام وغيره من الأنبياء الآخرين والأولياء الصالحين؛ لأنَّ عيسى عليه السلام وغيره من الأنبياء الآخرين والأولياء الصالحين مازالوا يُقِرُّون بعبوديتهم وعجزهم ويمارسون أعمال العبودية من السجود وما إلى ذلك ؛ مما يتضح إنكار الألوهية وضوح الشمس في رائعة النهار. نعم! إنَّ الشيطان وفرعون ونمروذ وغيرهم ادعوا الألوهية، ولم يمارسوا أعمال العبودية، فإن اعتقدهم جاهل آلهةً فليس بأغرب بكثير. وأما إذا اعتقد أحد من يقر بالعبودية إلهًا فهذا غريب جدًا .

المسيحيون الصادقون:

       إنّ المسيحيين في هذه الأيام ليسوا مسيحيين حقًا، وإنما المسيحيون الصادقون هم المسلمون؛ لأنهم يعتقدون بما كان يعتقده عيسى عليه السلام، فيوَحِّدون الله ولا يثلِّثونه كما كان يوحِّده ولا يُثَلِّثُه، ويعتقدونه عبدًا لله كما كان يقر بعبوديته وفق ماورد في الإنجيل. كذلك لايسيئون إليه أيَّ إساءةٍ ولا يعتقدونه ملعونًا ولا معذّبًا. ومن يعتقد عنه هذا الاعتقاد يرونه عدوًّا للدين ومارقًا عنه. وأما المسيحيون فهم – مع ما يخالفونه في الاعتقاد – يسيئون إليه هذه الإساءات، ويسمون أنفسهم مسيحيين، فطورًا يرفعونه فيجعلونه إلهاً، وطورًا آخر ينزّلونه فيجعلونه معذبًا في جهنم. إذًا فَلْيُنْصِف القسيس أنحن نتبع عيسى عليه السلام أم هم؟

*  *  *

*  *

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، الهند . رجب 1429هـ = يوليو  2008م ، العـدد : 7  ، السنـة : 32

 



* أستاذ بالجامعة الإسلامية : دارالعلوم ، ديوبند ، الهند .