أنباء الجامعة

 

وكيل وزارة الشؤون الإسلاميةِ والأوقاف والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية

فضيلة الدكتور عبد العزيز بن عبد الله العمّار

يزور الجامعة الإسلاميةِ دارالعلوم / ديوبند / الهند

 

بقلم  : نور عالم خليل الأمينيّ

 

كان يومًا مشهودًا ذلك الذي زار فيه الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ ديوبند فضيلة الدكتور الشيخ عبد العزيز بن عبد الله العمار حفظه الله/ وكيل وزارة الشؤون الإسلاميّة والأوقاف والدعوة والإرشاد، للشؤون الإسلاميّة. وهو يوم الخميس: 7/جمادى الأولى 1431هـ الموافق 22/ أبريل 2010م؛ حيث تحركّت سيّارته من الرواق المُعَمَّد (Portico)  لفندق "موريا شيراتون" بدهلي الجديدة في تمام الساعة الثامنة والربع صباحًا مُتَوَجِّهةً إلى "ديوبند" تلك المدينة الصغيرة المطمئنّة الواقعة على مسافة 150 ك م من دهلي العاصمة في الجهة الشماليّة منها، التي اشتهرت في العالم كلّه بجامعتها الإسلاميّة العريقة المعروفة بـ"دارالعلوم/ديوبند". يصاحبُه في سيارته كلٌّ من الشيخ أحمد بن علي الروميّ/المستشار بسفارة المملكة العربيّة السعودية بدهلي الجديدة والدكتور سعود بن عبد العزيز الشويهين .

     وظلّت تتلو – وقد تسبق – سيارَتَه سيارتُنا نحن كاتب هذه السطور: نور عالم خليل الأميني وأحد أساتذة الجامعة الأستاذ شوكت علي القاسمي إلى "ديوبند" حيث كنّا قد وصلنا إلى دهلي في مساء الأربعاء: 6/5/1431هـ الموافق 21/4/2010م لنلاقي الضيف المبجل ليلاً في إحدى المناسبات – التي كنّا قد عَلِمْنَا أنّها ستُقَام على شرفه في مكان في دهلي – ونحيطه علمًا بأنّنا قد أَوْفَدَتْنا جامعتُنا لنرحّب به في دهلي ونرافقه إلى "ديوبند" في رحلته إليها لزيارتها المنويَّة لديه ضمنَ برنامج زيارته هذه للهند.

     وبما أنَّ الطريقَ فيما بين دهلي وديوبند أعيد بناؤُه وتوسعتُه وتبليطه، فصار مريحًا جدًّا تسير عليه السيارة كأنها تسبح في هدوء فلم يشعر الضيف الكريم وصحبُه بالتعب والإرهاق. وقد عَرَّجْنا به بعد ما اسْتَمَحْنَاه ذلك على استراحة ذات مطعم أنيق وحديقة رائعة ذات بهجة شهيرة بمزاياها المنفردة واقعة على شاطئ نهر في ضاحية من مدينة "كهتولي" معروفة بـ"تشيتل غراند" لصاحبها المسلم "شارق رانا" وإخوانه؛ حيث تناول هو وصحبه الفطور الخفيف والشايَ وبعض الأشربة المنعشة، ثم تَوَجَّهنا إلى ديوبند، فوصلناها في نحو الساعة الواحدة والنصف ظهرًا، وكان في استقبال الضيوف على بوّابه دارالضيافة الجامعيّة عدد وجيه من كبار الأساتذة وعلى رأسهم نائبا رئيس الجامعة: فضيلة الشيخ عبد الخالق المدراسي وفضيلة الشيخ عبد الخالق السنبهلي وفضيلة الشيخ السيد أرشد المدنيّ وغيرهم الذين تَلَقَّوْهم بترحاب حارّ وحفاوة بالغة ثم انتظم مجلسُ اللقاء والتعارف بشكل عفويّ في قاعة المجالس والزيارات في دارالضيافة؛ حيث تحدّث فضيلة الشيخ أرشد المدنيّ وعَرَّفَ الأساتذةَ الموجودين إلى الضيوف، كما تحدّث بإيجاز عن الجامعة: تأسيسها وخلفيته، وأهم الإنجازات التي حقّقتها، والدور الفاعل الذي أدته في الحفاظ على الكيان الإسلاميّ في هذه الديار، وفي نشر علوم الكتاب والسنة، في صمت وإخلاص، ودونما دعاية بأيّ عمل قامت به من أجل رضا الله وحده، وعن الشعبيّة العجيبة التي تحظى بها من بين جميع المدارس والجامعات التي قامت بعدها، وعن السرّ وراءَها وهو روح الإخلاص والاحتساب التي ظلّت تتمسك بها منذ يومها الأوّل.

     وجرى الحديث عفويًّا في المجلس، وَتَبَادَلَه الضيفُ الجليلُ فضيلة الدكتور العمّار مع الأساتذة والمسؤولين، وارتاح إلى الحبّ وروح الحفاوة التي لمسها فيهم – كما بدا ذلك من استرساله في الحديث وارتياحه الزائد إليه – وتطرق بعضُ الأساتذة إلى الحديث عن روح الاعتدال والتوازن التي تتبنّاها الجامعة منذ يومها الأوّل، وانطلاقًا منها تجد نفسها مدفوعة، إلى احترام جميع العلماء السلف، والمذاهب الفقهيّة، وإلى الاحتراز من إثارة الخلافات الفرعيّة التي ترغب بعضُ الجماعات الإسلاميّة إلى إثارتها؛ ومن ثم تتعرض لعداء شديد من قبل كل من مدارس الفكر والمذاهب المتطرفة، فبينما المبتدعون يسمون علماءَ ديوبند بـ"الوهابيين" نسبة إلى الشيخ محمد بن عبد الوهّاب رحمه الله إذ يصفهم بعضُ الجماعات بـ"المبتدعين" وما إلى ذلك. وما ذلك إلاّ لأنّهم – علماء ديوبند – يلتزمون بالمسار الوسط، ويصدرون في العمل بالدين عن فهم سليم دقيق للدين، فلا يسرعون إلى تكفير أبناء الإسلام أو تفسيقهم أو تبديعهم، بل يحترمونهم ويعتقدون بكونهم مسلمين مالم يقم دليل صريح على كفر أحد. وهم يعملون بالمذهب الحنفيّ الذي هو مذهب عامّة المسلمين في شبه القارة الهنديّة؛ ولكنهم – وقد علم الله – يحترمون المذاهب الأخرى احترامهم تمامًا لمذهبهم، ويحبّون كلاًّ من الأئمة من أعماق قلوبهم كما يحترمون ويحبون إمامهم أبا حنيفة رحمه الله.

     وكان الضيف الموقر سعادة الدكتور العمّار هادئًا في المجلس خلال تبادل الأحاديث العفويّة التي تناولت كثيرًا من الموضوعات. وقد أَعْجَبَ جميعَ الحضور من الأساتذة والمسؤولين هدوؤُه في الاستماع للرأي الآخر، وجديَّتُه في الإجابة، ورحابةُ صدره في تلقّى الأسئلة التي وُجِّهت إليه، وذكاؤُه الذي تبدّى من إجابته عنها، وتعمُّقُه في فهم الموضوعات التي طُرِحَتْ وطبيعة صياغتها؛ فلم نَرَه على مدى أكثر من ساعة دار خلالها المجلس دونما توقّف يتسرّع في الإجابة، أو يتحرّج من سؤال، أو يتضايق بأي قضيّة طُرِحَت لديه.

     ففي الإجابة عن تلك القضيّة التي تطرق إليها بعضُ الأساتذة، قال ما مفاده! إن الحق يغلب يومًا ما، والمصداقيّة تثبت وجودها عاجلاً أو آجلاً. والجامعةُ نعرف عنها منذ قديم أنها أسست على الإخلاص والتقوى والمنهج السليم، ونحن نحترم ما أشرتم إليه من تمسكها بالمنهج السليم الوسط المتّزن، ولا نحبّ أيَّ تطرّف من أي جماعة، لأنّه لا يخدم الإسلام والمصلحة الدينية، وإنّما يضرّها، ويُؤَدِّي إلى ما لا يُحْمَد عقباه من النتائج السلبيّة.

     وقد أكّد الضيف الكبير – حفظه الله – أنّ الجامعة – كما نعلم من خلال ما ظلنا نسمع عنها على ألسنة أهل العلم – تتمتع بشعبية غير معهودة، ولها خدماتها المشكورة في خدمة العلم الديني والدعوة الإسلاميّة، ونفوذُها في شبه القارة الهندية وفي خارجها. وما ذلك إلاّ لأنّها قامت على أساس الاحتساب والمنهج الصحيح المستقيم والتزمت به في مسيرتها الطويلة. ولولا ذلك لما احتلت المكانة التي احتلّتها، ولما استطاعت أن تحقق الإنجازات التي حقّقتها.

     وقد رَكَّز الضيف المُبَجَّل على هذا المعنى في كلمته القيمة في الحفلة التي أقيمت للترحيب به في قاعة دارالحديث التحتانيّة التي تتوسّط المبنى الجامعيّ المركزي بعد صلاة الظهر مباشرة في نحو الساعة الثالثة والنصف، والتي استمرت إلى أذان صلاة العصر؛ حيث قال:

     إنّ مؤسسي هذه الجامعة من العلماء، أسّسوها على قواعد وأسس واضحة،ولو لم يؤسّسوها على أسس واضحة ما رأينا هذا التوفيق. إنهم وضعوا أسسًا واضحة حفظت لنا هذا الدين وهذا الإسلام بهذه القارّة أي القارّة الهنديّة. إنّ خريجي هذه الجامعة نشروا الإسلام والدعوة الإسلاميّةِ من شرق الأرض إلى غربها. والأسس التي وُضِعَت بطريقة محكمة وجيدة هي التي جعلت هذه الجامعة وهذا المنهج ينتج الطلابَ الذين يقومون بنشر العلم الشرعي. إنّ هذا المنهج هو المنهج المستقيم، إنّه المنهج الصحيح لنشر الدين وفهم الدين.

     وقال يخاطب طلاب هذه الجامعة:

     فهنيئًا لكم دراستكم في هذه الجامعة. وكنتُ منذ أن بدأتُ طالبًا وحتى تخرجتُ من كلية الشريعة في الرياض وأنا أسمع من بعض المشايخ عن هذه الجامعة وغايتها وأقرأ عنها، وكان من توفيق الله أن أزور هذه الجامعة .

     وقد سأله بعضُ الصحافيين في دارالضيافة الجامعيّة: ما الذي جعلكم تزورون هذه الجامعة؟ فقال: ليس هناك سببٌ؛ ولكنّه من الأمر الطبيعيّ والمطلب الشرعيّ أن نزور مثلَ هذه الجامعة إذا وردنا هذه البلادَ نزورها؛ لأنّها جامعتُنا.

     وقد أَعْجَبَ المجتمعَ الجامعيّ كلَّه حديثُه كلُّه وأفكارُه جميعُها التي أبداها خلالَ الحديث العامّ في مجلس اللقاء والتعارف، وعلى مائدة الغداء وفي الحديث الخاصّ المُرَكَّز الذي ألقاه في الحفلة الترحيبيّة؛ لأنّها بالمجموع شفّت جليًّا عن سعة فكره، وبعد نظره، وثقوب بصيرته، ورحابة صدره، وانفتاحه على المذاهب الإسلاميّة ومدارس الفكر الدينيّة، وتقديره لكل الجهود المبذولة من جميع الجهات والجماعات الإسلاميّة – ولاسيّما التي تندرج تحت ;أهل السنة والجماعة: في إطار التعريف الصحيح لها الذي أجمع عليه علماءُ هذه الأمّة الراسخون وأئمتها المجتهدون – من أجل خدمة الدين والدعوة وعلوم الكتاب والسنة، والنهوض بالأمة ثقافيًّا وتربويًّا، والمرابطة على الثغر الإسلاميّ الواسع، ولاسيّما في مثل هذه البلاد العلمانية التي تعود مسؤولية الحفاظ على الدين فيها على عاتق أبنائه وحدهم .

     وقد أكّد كاتبُ هذه السطور: نور عالم خليل الأميني أكثر من مرة أنّ علماء المملكة العربيّة السعوديّة خصِّيصًا وعلماء العالم العربيّ عمومًا أكثر رحابةَ صدر وأصحُّ فهمًا للدين وعملاً به وتنزيلاً له على أصدق المدلولات المقصودة للشرع، منّا نحن علماء العجم، كما أنهم أكثر تحفّظاً ورويّة وتفكيرًا في الحكم على أحد بالمروق من الدين، أو بالكفر والشرك والابتداع. إنّهم أشدُّ هدوءًا والتزامًا بجانب الوسطيَّة والاعتدال الذي يوافق طبيعة الشرع الإسلامي الذي يأمر ابناءه بـ»التبيّن« والتوصّل إلى الحقيقة والتقيّد بـ»العدل« حتى عند الحكم على العدوّ والحكم لأنفسهم أو لأقرب قريب إليهم.

     إنّ مجانبةَ ;العدل: الشرعيّ، وملازمةَ التطرّف في قضيّة من قضايا الدين هما اللتان أدَّتا بنا نحن المسلمين إلى التورّط في كثير من الانقسامات الداخليّة والاختلافات الفرعيّة والخصامات التي لا أوّل لها ولا آخر، والتي جعلتنا لا نتّحد حتى في قضايا الحياة والموت: القضايا المصيريّة التي تهدّد كيان الأمّة في كثير من أجزاء العالم، وحتى في عقر دارنا، لأنّ الأعداء أدركوا أنّ اتحادنا وتضامننا بشكل منتج أمر يستحيل تحقّقه.

     ولو تَحَقَّق التضامنُ والاتّحادُ الذي يُشَكِّل المطلبَ الأوَّل في حياة الأمّة، لانحلت في أسرع وقت ممكن كلُّ قضاياها أو 99٪ منها.

*  *  *

 

 

شعبان 1431 هـ = يوليو - أغسطس 2010م ، العدد : 8 ، السنة : 34