تاريخ مُصْطَلَح "المجاز" وتطوّره الرائع

 (2/2)

    بقلم: د / السيدة مسرت جمال، الأستاذة المساعدة بقسم اللغة العربية، جامعة بيشاور - باكستان

  

 

  

 

 

وما سردناه من التفاسير لمعنى المجاز فكلُّها تلتقى في استعمال اللفظ في غير ما وُضِعَ له – أي يعلم من كلها إما صراحة أو غير صراحة أن المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما وُضِعَ له – فالتفاسير التي يوجد فيها التصريح بذلك هو تفسير ابن جني، وابن حزم ، والغزالي ، والسكاكي ، والآمدي ، وعز الدين ، والبيضاوي ، والطوفي ، وابن الحاجب وصدر الشريعة. وأما باقيها فهي وإن لم يُصَرَّحْ فيها بذلك . أي باستعمال اللفظ في غير ما وُضِعَ – أتت فيها ألفاظ وتراكيب يترشح منها ذلك .

 

فالبصري إذا قال : المجاز: "الذي لا ينتظم لفظه معناه ، أو ما أفيد به غير ما وُضِعَ له "فذلك لا يكون إلا بعد الاستعمال، لأن اللفظ قبل الاستعمال في التركيب، لا ينتظم ولا يفيد المعنى، لا الحقيقي، ولا المجازي؛ فإفادته للمعنى وانتظامه له إنما يكون بالاستعمال. وهكذا الحال لما قال الشيرازي لأنه قال: "ما نقل عن ما وُضِعَ له وقلّ التخاطب به"؛ إذا النقل، وقلة التخاطب يحصل بالاستعمال .

 

وراعى ابن فارس، والباجي في تفسير هما المناسبةَ بين المعنى اللغوي للمجاز، وبين المعنى الاصطلاحي له؛ فأتيا بألفاظ تدلّ على هذه المناسبة. وتلك الألفاظُ في تفسير ابن فارس: "يجوز جوازه"، وفي تفسير الباجي: "ما تجوز به". ومن المعلوم أن ما يجوز جوازه، أو ما تجوز به إنما يكون إذا وقع في التركيب ونظم الكلام، والتركيب والنظم بدورهما استعمال الألفاظ .

 

والجرجاني، والبزدوي، وابن الأثير خالفوا من ذكرناهم في تفسيرهم ولم يأتوا فيه بما يجوز، أو استعمل؛ بل أتو "ب أريد". وهذا، في الأصل ليس من الخلاف الجذري، وإنما هو خلاف ظاهري وتفنن في التعبير، ومآله مآل "ما تجوز" أو "استعمل" فإذن الإرادة – أي إرادة المعنى من اللفظ – لا تكون إلا بعد استعمال اللفظ. وأما الرازي فهو لا ينتهج إلا منهجَهم، ويضيف في تفسيره بعضَ القيود التي لم تكن في تفسير البصري للمجاز.

 

هذا هو الأمر المشترك في هذه التفاسير للمجاز، وأما خط الامتياز بينها فهو قيود يشتمل عليها بعضُ تلك التفاسير، ويخلو عنها بعضُها الآخر. وذلك أن تفسير ابن جني، والبصري، وابن حزم، والشيرازي، والباجي، والغزالي، والسكاكي، وابن أثير إذ ننظر إليها، فلا نجد فيها لفظاً يدل صراحة أو كناية على قيد مناسبة المعنى غير الموضوع له مع المعنى قد وُضِعَ له اللفظ ، أي مناسبة المعنى المجازي للمعنى الحقيقي وأما تفسير الباقين فيوجد فيه ذلك القيد إما بصريح اللفظ أو بلفظ الكناية"(61).

 

وكذلك قيد "اللغة" لا يتواجد في كلّها بل إنما يتواجد في تفسير ابن جني، وابن حزم، وابن الأثير فقط، وهكذا حال قيد "وقلّ التخاطب به"؛ حيث إن ذلك لم يأت به واحد منهم غير الشيرازي. والشيء الأخير الذي نجده كالفارق بين تلك التفاسير، هو أن تجوز اللفظ عن موضعه إلى غير موضعه قد حدِّد في بعضها بزيادة لفظ، أو نقصانه، أو بتقديمه، وتأخيره، أو بنقله كما رأينا ذلك في تفسير البصري، والشيرازي، والباجي، والغزالي، ولم يحدد بذلك في تفسير الأخيرين. وفي المحددين رأينا الغزالي قد ترك التقديم والتأخير لتجوز اللفظ عن موضعه إلى غير موضعه .

 

فالتفاسير التي قد ترك فيها قيد المناسبة، بين المعنى الحقيقي والمجازي تستلزم أن يكون اللفظ المستعمل في المعنى غير الحقيقي بلامناسبة مجازًا، حينما التفاسير التي أتى فيها قيدُ المناسبة لا تستلزم ذلك. والتفاسير التي قد تضمن قيد "اللغة" لايكون في ضوئها الكلمة الموضوعة في الاصطلاح لمعنى مجازاً في معناها اللغوي. مثل لفظ "الصلاة" إذ هو في اصطلاح الشرع موضوع للهيئة الخاصة للعبادة، وفي اللغة لمعنى الدعاء؛ فاستعمال أهل الشرع له في معنى الدعاء لا يكون مجازًا؛ حيث إن ذلك الاستعمال ليس الاستعمال في اللغة بل هو استعمال في الشرع .

 

والتفسير الذي قد اشتمل على قيد "قلة التخاطب" يخرج به من المجاز الكثيرُ من الكلمات التي قد استعملها العرب في المعنى الثاني المجازي بكثرة التخاطب بها، على سبيل المثال، الشعر الجاهلي مليء من لفظ "الأيام"(62). وأريدت منها الحروب؛ المعنى المجازي. وتواجده بالكثرة دليلٌ ظاهرٌ على كثرة التخاطب به.

 

وكذلك الحال للتفاسير التي لايوجد فيها التحديد بالزيادة ، والنقصان والتقديم والتأخير، أن لايكون في ضوئها الزيادة والنقصان، والتقديم والتأخير من المجاز .

 

فهكذا أصبحت هذه التفاسيرُ ممتازةً بعضُها عن بعض، بخروج بعض الألفاظ عن المجاز في ضوء بعض التفاسير، وبدخول نفس تلك الألفاظ في المجاز في ضوء بعض التفاسير الأُخر.

 

ثم ما هي الوجوه التي من أجلها قد تُرِكَتْ هذه القيودُ في بعض التفاسير وذُكِرَت في بعضها الآخر؟ ويمكن أنها تكون :

 

 (1) الاكتفاء في التفسير بالخصوصيات التي تميز المجازَ عن الحقيقة فقط، كما هو ذلك شأن التفاسير التي ترك فيها قيد المناسبة .

 

 (2) الكفاية كما مرَّ في الرقم (1) والرعاية لمجال المُعَرَّف والمُفَسَّرِ، كما هو ذلك حال التفاسير التي قد أتى فيها قيد "اللغة". وذلك لأن هذا القيد إنما أتى في تعريف البيانيين، والبيانيون مجالُ بحثهم هو اللغة فقط؛ فهم إذ يعرفون المجازَ يعرفون من جهة اللغة، حينما الأصوليّون يفسرونَ المجازَ، فهم لايقصرون نظرَهم على اللغة فقط؛ بل يضمون في نظرهم إلى جانب تلك الشرعية أيضًا؛ فلذا لايقيدون التعريفَ بقيد اللغة أو الشرعية فقط؛ بل يتركون مفتوحًا لكليهما .

 

 (3) ما سبق في الرقم (1)، وتوسيع دائرة المجاز لكل من اللفظ الذي قد خرج من معناه الأصلي، والذي قد أخرج من موضعه في المنظم والتركيب، كما هو ذلك شأن التفاسير التي أُتِيَ فيها بزيادة أو نقصان أو تقديم أو تأخير، والباعث لهم في ذلك هو التجنب والتحرز عن الترجيح بلا مرجح. وذلك لأن اللفظ الذي قد نقل من معناه الأصلي إلى غيره، واللفظ الذي قد نقل من موضعه الأصلي إلى غيره في التركيب لكليهما مناسبة مع المعنى اللغوي للفظ "المجاز" وهو النقل والعبور؛ فتسميةُ أحدهما – وهو نقل اللفظ من المعنى الأصلي إلى غيره – دون الآخر – وهو نقل اللفط من موضعه الأصلي إلى غيره في التركيب – ليس إلا الترجيح بلا مُرَجِّح .

 

وخلاصةُ القول أن التفاسير التي قد اُتِي فيها "لزيادة" أو "نقصان" أو "تقديم" أو "تأخير" إلى جانب "لنقل" تقول: إن المجاز كما هو إسمٌ للأسلوب المخالف للغة، كذلك اسم للأسلوب المخالف للنحو .

 

والحقيقةُ في ضوئها – أي هذه التفاسير – اسم للأسلوب الموافق للغة والنحو كليهما. وأظن أن أبا عبيدة في تسمية كتابه "مجاز القرآن" قد نظر إلى المجاز بهذا المعنى، ومن هنا ظهر ضعف ما قال ابن تيمية :

 

"أول من عرف أنه تكلّم بلفظ المجاز أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه؛ ولكنه لم يُعْنَ بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة وإنما عُنِيَ بمجاز الآية ما يعبر به عن الآية" .

 

وذلك أن أبا عبيدة إذ يقول: فيها – الآية – من مجاز ما اختصر، وفيه مضمر، أو مجاز ما حذف، أو مجاز المقدم والمؤخر. أفليس ذلك وفق ما قال الشيرازي والباجي والغزالي في تفسير معنى المجاز الاصطلاحي؟ بلى، موافق لتفسيرهم، وقد علمنا أنهم بتفسيرهم ذلك، إنما يفسرون المجاز الذي هو قسيم الحقيقة؛ فإذن كيف يكون مراد أبي عبيدة من المجاز مجازًا غير قسيم الحقيقة .

 

هذا، وأما أدقها – التفاسير لمعنى المجاز الاصطلاحي – وأجمعها – فهو في رأي التفاسير التي تشتمل على قيد الزيادة ، والنقصان، والتقديم والتأخير إلى جانب النقل. إذ هذه التفاسير لا يشذ منها قسم من المجاز، بل هي تحيط على كل أنواع للمجاز، من مجاز المفرد، والمركب ومن مجاز قلّ التخاطب به أو كثر، ومن المجاز اللغوي والشرعي، بخلاف التفاسير التي لا تشتمل على ذلك القيد، إذ هي ليست المثابة، ويخرج منها بعضُ أصناف المجاز، كما مرّ بنا سابقًا وقت بيان خطّ الامتياز بين تفاسير معنى المجاز الاصطلاحي.

 

وهذه الظاهرة(63) – أي إرادة غير ما وُضِعَ له اللفظ – ظاهرةٌ تصاحب اللغةَ العربيةَ منذ وقت تهذيبها ورقيّها، وهذا الوقت يرجع في رأي مؤرخي الأدب العربي إلى فترة 120 عام قبل الإسلام. وذلك لأن نصوص تلك الفترة توجد فيها هذه الظاهرة، وأما تسمية هذه الظاهرة باسم المجاز فهي حدثت بعد الإسلام. ولتعيين زمنها نقدم الملاحظات بعنوان تاريخ المجاز.

 

تاريخ مصطلح المجاز:

إن تسمية ظاهرة إرادة غير ما وُضِعَ له اللفظُ في اللغة العربية تسميةٌ حدثت بعد الإسلام. وإن ذلك مما لا نجد فيه الاختلافَ، ولكن في تحديد زمنها بالضبط نواجه الاختلافَ.

 

فهذا ابن تيمية(64) يقول: "التقسيم إلى حقيقة ومجاز هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم كمالك والثوري، ولا تكلم به ائمة اللغة والنحو، كالخليل وسيبويه وابن عمرو بن العلاء ونحوهم، وأول من عُرِفَ أنه تكلّم بلفظ المجاز أبوعبيدة معمر ابن المثنى في كتابه، ولكن لم يُعْنَ بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عُنِي بمجاز الآية ما يعبر به عن الآية"(65).

 

فهو بقوله هذا يرجع التسمية لهذه الظاهرة بالمجاز إلى القرن الرابع من الهجرة، ويقول: إن أبا عبيدة(66) الذي هو من القرن الثاني، وإن تكلم بلفظ المجاز، فليس ذلك تسميةً لهذه الظاهرة؛ إذ هو لايريد بذلك المجاز الذي هو قسيم الحقيقة، والقسيم للحقيقة هو الظاهرة هذه؛ بل يريد بذلك ما يعبر به عن الآية.

 

وهذا أبو إسحاق الشيرازي يرجع هذه التسمية إلى القرن الثاني على الأقل؛ حيث يقول: "ويعرف المجاز من الحقيقة بوجوه منها : أن يصرّحوا بأنه مجاز، وقد بين أهل اللغة ذلك، و صنف أبوعبيدة كتاب المجاز في القرآن ، وبين جميع ما فيه من المجاز"(67). وذلك لأنه يقول: إن تمييز المجاز من الحقيقة له طرق، بعضُها ما صَرَّحَ به أهل اللغة أن هذا اللفظ مجاز،  وأن هذا حقيقة، كما صنع ذلك أبوعبيدة في كتاب المجاز للقرآن. و من المعلوم أن أبا عبيدة من رجال القرن الثانى.

 

بل نعلم أن تسمية هذه الظاهرة بالمجاز تعود إلى القرن الأول. و ذلك لأننا نجد الجعد بن درهم(68)  الذي كان من رجال القرن الأول يقول: "إذا كان الجماع يتولد منه الولد ... فأنا صنع ولدي و مدبره و فاعله، ولا فاعل له غيري، وإنما يقال: "إن الله خلقه مجازًا لا حقيقة"(69). فمع ذلك هل يبقى لأحد شك في أن هذه التسميةَ تسميةٌ لظاهرة لا تكون قسيمةً للحقيقة؟ لا؛ بل هي تسمية لتلك الظاهرة القسيمة للحقيقة؛ حيث قال: وإنما يقال: إن الله خلقة مجازًا، لا حقيقة.

 

فإذن، نحن أمام رأيين في تاريخ تسمية هذه الظاهرة بالمجاز. رأي يُرْجِعُ تاريخَ هذه التسمية إلى ما بعد انقضاء القرون الثلاثة للهجرة، و هذا ما قال به ابنَ تيمية، ورأيٌ يُرْجِعُه إلى ما قبل انقضاء القرون الثلاثة، هذا كما رأينا، قد قال به أبوإسحاق. و نري أن الرأي الثانيَ أرزن وأرجع. و ذلك لأن ما استند به صاحبُ الرأي الأول أضعف من بيت العنكبوت؛ إذ مما استند به هو أن الصحابة و التابعين لم يتكلّموا بذلك، وكذلك لا نجد أن تكلم به أحد من ائمة الفقه، كأبي حنيفة(70) وغيره، ولا أئمة اللغة والنحو كسيبويه(71) و أمثاله. فما قال: إن الصحابة لم يتكملوا به نسلمه، لأن هذه التسمية، كسائر التسميات للظواهر اللغوية من مثل الإعراب والبناء، و المبتدأ و الخبر والفاعل و المفعول من التسميات الاصطلاحيّة العلميّة. وزمنُ الصحابة كان زمناً لم يحتج فيه الناسُ إلى التسميات الاصطلاحيّة لظواهر اللغة. و ذلك لصفاء قريحتهم، و لعدم اختلاطهم مع الأعاجم، و لعدم سريان اللحن الكثير إلى اللغة العربية حتى يضطروا إلى التقنين ووضع القواعد، ثم بالتالى إلى وضع الأسماء لظواهر اللغة.

 

وأما التابعون فالحكم على كلّهم بأنهم لم يُسَمُّوا هذه الظاهرةَ بالمجاز لايسوغه النقل إذ قد مَرَّ بنا أن الجعد بن درهم قد سماها بالمجاز، والجعد بن درهم كان من التابعين. وهكذا حكمُه كليًّا بأن أحدًا من اللغويين والنحاة لم يأتوا بهذا الاسم لهذه الظاهرة غيرُ صحيح، إذ أن أبابكر بن الأنباري(72)، الذي هو من اللغويين والنحاة  للقرن الثاني قد سماها بهذا الاسم؛ حيث إنه في التعقيب قول الشاعر:

ليشكو إليّ جَمَلِي طولَ السرى

صبرًا جميـــلاً فكلانا مُبْتَلىً

 

يقول: إنه "جعل الشكوي للبعير، و يروي طول السرى بالرفع على أن الطول هو الذي ليشكو الجمل على المجاز لاعلى الحقيقة"(73).

وكذلك يعقب على قول الآخر:

وعرفت من شرفات مسجدها

حجرين طال عليهما الــدهر

بكيــا الخلاءَ فقلت إذ بكيا

مـابعد مثل بكاكما صبــر

 

بأنه : "وصف بهذه الأفاعيل من لايفعلها فعل حقيقة، إنما جوازها على المجاز والاتساع"(74).

 

وقال الأخفش(75) الأوسط في التعقيب على قوله تعالى: "ذُوْقُوا مَسَّ سَقَرٍ"(76) . فجعل المسَّ مذاقًا، وفى الكلام يقال: كيف وجدت طعمَ الضرب، و هذا مجاز"(77).

 

والأخفش، من النحاة الذين عاشوا قبل انقضاء القرون الثلاثة الأولى للهجرة. أفليس هو من النحويين الذين تعتبر أقوالهم بصفة الشهادة في مسئلة لغوية، و في تسمية اصطلاحيّة؟ بلى، هو من تلك النحاة.

 

وما قال ابن تيمية من أن أحدا من أئمة الفقه المشهورين لم يتكلّم بهذه التسمية فهذا أعجب وأغرب من أقواله؛ لأنه، بعد ذلك، بنفسه ينقل من كتاب الرد على الجهمية(78) لابن حنبل(79)، ويقول: "وكذلك سائر الائمة لم يوجد لفظ المجاز فى كلام أحد منهم إلا في كلام أحمد بن حنبل؛ فإنه في كتاب الرد على الجهيمة في قوله: (أنا ونحن) و نحو ذلك في القرآن: هذا من مجاز اللغة"(80). فدعواه في صورة السابقة الكليّة بأن "لم يتكلّم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم". لما رآه تنتقض بما نقل عن أحمد بن حنبل، اضْطُرَّ في التبرير لدعواه، أن معنى قول أحمد:

 

"من مجاز اللغة" هو "ما يجوز في اللغة" لا أن اللفظ استعمل في غير ما وُضِعَ له ونَسَبَ ذلك التأويلَ إلى الذين أنكروا أن أحمد وغيره نطقوا بهذه التسمية(81).

 

ولكن هذا التأويل لايفيده التبرير في دعواه؛ إذ إفادته لذلك إنما يحصل إذا كان "ما يجوز في اللغة" "والاستعمال في غير ما وُضِعَ له" مما لا يمكن اجتماعهما، ومما لايمكن أخذهما معًا من كلمة "المجاز في اللغة" حتى يسقط، بأخذ أحد التأويلين، التأويل الآخر لكلمة المجاز. و لكن الأمر ليس كذلك، و إذ نجد ابن الفارس يشرح المجاز الذي هو قسيم الحقيقة بما يجوز فى اللغة؛ حيث يقول: "وأما المجازُ فمأخوذ من جاز يجوز إذا استن، تقول : جاز بنا فلان، وجاز علينا فارس، هذا هو الأصل، ثم تقول يجوز أن تفعل كذا، أي ينفذ ولايرد ولا يمنع، وتقول: "عندنا دارهم وضع وازنة، وأخري تجوزجواز الوازنة"، أي أن هذه، وإن لم تكن وازنة، فهي تجوز مجازها وجوازها لقربها منها. فهذا تأويل قولنا مجاز، أي إن الكلام الحقيقي يمضى لسننه لايعترض عليه. وقد يكون غيره يجوز جوازه لقربه منه، إلا أن فيه من تشبيه واستعارة وكف ما ليس في الأول، و ذلك كقولك: "عطاء فلان مزن واكف"، فهذا تشبيه، وقد جاز مجاز قوله: عطاء كثير واف"(82).

 

ومن أجل أن "مجاز اللغة"، وتفسيره بـ"ما يجوز في اللغة" شيء واحد قال الرازي: "وأما المجاز فهو... أومن الجواز الذي قسيم الوجوب والامتناع"(83).

 

فهو بهذا يحاول وجه التسمية للمجاز من أن تسمية اللفظ المستعمل في غير موضوعه الأصلي بالمجاز، إنما هي لجوازه أي إن الاستعمال بهذه المثابة جائز في اللغة غير واجب ولا ممتنع.

 

هذا، وقد ذكر في كتب(84) أصول الفقه الحنفي الاختلاف بين أبى حنيفة وصاحبيه في خلفية المجاز، فذكر فيها أن المجاز خلف عن الحقيقة في حق التكلم عند ابن حنيفة و عندهما في حق الحكم. فعنده المتكلم "بهذا ابني" للأكبر سنًّا منه فى إثبات الحرية خلف عن التكلم به فى إثبات البنوّة، والتكلم بالأصل صحيح من حيث أنه مبتدأ وخبر وعندهما ثبوت الحرية بهذا اللفظ خلف عن ثبوت البنوّة به، والأصل ممتنع، و من شرط الخلف إمكان الأصل وعدم ثبوته لعارض فيعتق عنده لا عندهما. فهذا الاختلاف دليل على أن تقسيم الكلام إلى الحقيقة والمجاز قد تكلّم به من أئمة الفقه المشهورين الإمام أبوحنيفة وصاحباه:"محمد، وأبو يوسف".

 

وأما قول ابن تيمية: إنه لم يجد في كتب محمد التي قد ذكر فيها المسائلَ اللغويةَ والنحويةَ، من التكلم بالحقيقة والمجاز، فهذا مما لايحصل به القطع واليقين بأنّه ما تكلّم بذلك؛ حيث يجوز أن يكون قد تكلّم بذلك ونقل عنه الرواة والتلامذة روايةً شفويةً. و مسئلةُ الاختلاف في الخلفية دليلٌ على ذلك.

 

ونستنتج مما قد أتينا عليه سابقًا. أن تسمية هذه الظاهرة اللغوية بالمجاز، حدثت قبل انقضاء القرون الثلاثة الأولى للهجرة، واشتهرت إلى حدّ حتى أن الفقهاء، قد فرّعوا عليها المسائلَ الفقهيةَ، ما عدا المسائلَ الكلاميَّةَ.

*  *  *

الهوامش والمراجع:

(61) وذلك أن ابن فارس إذ يأتى فى تعريف اللفظ لقربه منهـ  أي قرب المعنى المجازي إلى المعنى الأصلي ــ فهو يريد بذلك المناسبة ــ لأن قرب الشيء للشيء هو مناسبة الشيء بالشيء و علاقتة معه. وكذلك إذا قال ابن الحاجب و الطوفي "على وجه يصح". أراد بذلك هذه المناسبة و العلاقة يعنى أنهما يريد ان إذا لم يكن للمعنى المجازي العلاقة و المناسبة مع المعنى الحقيقي، لايكون هناك وجه صحيح لاستعمال اللفظ في هذا المعنى.وأما سائر أصحاب التعريف للمجاز فإنهم ذكروا ذلك القيد للمناسبة والعلاقة بصريح اللفظ فارجع إليها.

(62) قال سموال بن عاديا في قصيدته:

وأيامنامشهورة في عدونا  *  لها غررمعلوعة وحجول

       أبو تمام ، ديوان الحماسة: ص : 34.

(63) و قال المرقش:

رأت أقحوان الشيب فوق خطيطة

إذا مطـرت لم يستكن صؤابـها

       (كتاب المعانى الكبير ج: 3، ص: 1222). لابن محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبه.

(64) أحمد بن تيمية (661- 728هـ= 1263- 1328م). أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن عبدالله بن الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبدالله بن تيمية، (تقي الدين أبو العباس)ولد في 10 ربيع الأول بحران و توفي في دمشق في ذي القعدة.معجم المؤلفين: ج :1، ص:161.

(65) فتاوي ابن تيمية : كتاب الإيمان: ص : 87 ــ 88.

(66) معمر بن المثنى (110-209ه =728- 824) معمر بن المثنى التيمي (أبو عبيدة) . ابن خلكان : وفيات الأعيان: 2/138- 142.

(67) اللمع فى أصول الفقة : ص : 6.

(68) الجعد بن درهم ( نحو 118- نحو 736م) الجعد بن درهم، ميزان الاعتدال:ج : 1/ 185.

(69) ابن حزم الظاهري الأندلس : الفصل في الملل والأهواء والنحل : ج : 4 / ص : 202.

(70) النعمان بن ثابت (80 ــ 150ه = 699 ــ 767م) النعمان بن ثابت الكوفي، (أبوحنيفة) وولد و نشأ بالكوفة ، توفي ببغداد. الخطيب البغدادي : تاريخ بغدادي: ج: 13 / 323 ــ 454.

(71) عمر سيبويه (...- 180هـ  ....-796م)، عمرو بن عثمان بن عمر سيبويه (ايو بشر) .ابن كثير: البداية : ج: 1/ 176 ــ 177.

(72) محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن بن بيان بن سماعة بن فروةبن قطن بن دعامة الأنباري (أبوبكر) توفي ليلة عيد النحر من ذي الحجة ببغداد.تاريخ بغداد : 3 / 181 ــ 186

(73) كتاب الأضداد : ص : 192.

(74) المرجع السابق و نفس الصفحة.

(75) سعيد الأخفش ( .... ــ 215هـ .... ــ 830م)، سعيد بن مسعدة المجاشعى بالولاء.ابن النديم : الفهرست: 1 / 52.

(76) سورة القمر: الآية : 48.

(77) المجاز القرآنية ، لكامل حسن عزيز البصير : ص : 113.

(78) أصحاب "جهم بن صفوان"وهو من " الجبرية الخاصة".كتاب الملل و النحل للامام الشهرستاني : ج:1، ص : 79 ــ 80.

(79) أحمد بن خليل (164 ــ 241ه = 780 ــ 855 م). أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد إدريس بن عبدالله حيان ابن عبدالله بن أنس بن عوف قاسط مازن بن شيبان الشيباني، المسروزي، البغدادي (ابوعبدالله).توفي بغداد.ابن النديم : الفهرست:1 / 229.

(80) فتاوي ابن تيمية: ج : 7 ، ص : 88 ــ 89.

(81) المرجع السابق ص : 89

(82) الصاحبى في فقه اللغة و سنن العرب في كلامها: أبوالحسين أحمد ابن فارس : ص : 197 ــ 198

(83) المحصول : للإمام الرازي : ج : 1 ،ص : 326

(84) راجع التوضيح على هامش التلويح ج : 1 : ص : 82.

فهرس المصادر والمراجع

1-           القرآن الكريم.

2-            إحكام الأحكام في الأحكام: الآمدي، علي بن ابن علي، مصر، دار الكتب الخديوية .

3-           أحكام الفصول في أحكام الأصول: الباجي، سليمان بن خلف بن سعد، تحقيق: د. عبد الله محمد الجبوري.

4-           الأحكام في أصول الأحكام: ابن حزم، علي بن أحمد بن سعيد، مصر، مطبعة الإمام.

5-           إرشاد الساري شرح صحيح البخاري: محمد، بيروت، دار صادر، 1304هـ.

6-           أساس البلاغة: الزمخشري، أبوالقاسم محمود بن عمر، بيروت، لبنان، دارصادر: 1385هـ/1965م.

7-           أسد الغابة في معرفة الصحابة: ابن الأثير، مبارك بن محمد بن محمد، رياض، المكتبة الإسلامية.

8-           الإشارة إلى الإيجاز بعض أنواع المجاز: ابن سلام، أبومحمد عز الدين عبد العزيز، بشاور، باكستان: مكتبة توحيد وسنة: محله جنكي.

9-           إعراب القرآن وصرفه وبيانه: محمود صافي، ايران: انتشارات مدين، مطبعة النهضة، قم 1411هـ/1990م.

10-       الأعلام: الزركلي، خير الدين، بيروت، لبنان: قاموس التراجم دارالعلوم للملايين.

11-       أنوار التنزيل وأسرار التأويل: البيضاوي، عبد الله بن عمر بن محمد، بيروت: دارالفكر.

12-       أيضاح المكنون: البغدادي، بغداد: مكتبة المثنى.

13-       البحر المحيط: أبوالحيان الأندلسي، بيروت: دارالفكر 1329هـ.

14-       بداية المجتهد ونهاية المقتصد: ابن رشد، محمد بن أحمد بن محمد، بيروت، لبنان: دارالمعرفة .

15-       البرهان في علوم القرآن: الزركشي، بدرالدين عمر بن عبد الله، تحقيق: محمد أبوالفضل إبراهيم، القاهرة: دارالتراث.

16-       البلاغة فنونها وأفنانها .

17-       بغية الوعاة: السيوطي، العلامة عبد الرحمن جلال الدين، تحقيق: محمد أبوالفضل إبراهيم، مصر، مطبعة عيسى الباني الحلبي وشركاءه.

18-       تاج العروس: الزبيدي، سيد محمد مرتضى، دارالفكر.

19-       التحصيل من المحصول: الآمدي، سراج الدين محمود بن أبي بكر تحقيق: د. عبد الحميد علي، أبوزيد، بيروت: مؤسسة الرسالة 1408هـ = 1988م.

20-       التلويح على التوضيح لمتن التنقيح: صدر الشريعة، أحمد بن عبيد الله بن إبراهيم، بيروت، لبنان: دراالكتب العلمية .

21-       جامع البيان في تفسير القرآن: ابن جرير، أبوجعفر محمد الطبري، بيروت: دارالفكر، 1398هـ= 1978م.

22-       الجامع الصحيح: البخاري، عبد الله بن إسماعيل، القاهرة، مطبعة بولاق، 1296هـ.

23-       الجامع لأحكام القرآن: القرطلبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري، بيروت: دار إحياء التراث العربي.

24-       جمهرة اللغة: ابن دريد، أبوبكر محمد بن الحسن، بيروت، لبنان، دارصادر.

25-    ديوان امرئ القيس: امرؤالقيس، ابن حجر بن الحارث بن عمر بن حجر، تحقيق: الأستاذ مصطفى عبد الشافي، بيروت، لبنان، دارالكتب العلمية، 1402هـ/1982م.

26-       ديوان بحتري: بحتري، أبو عباد الوليد بن عبيد، بيروت: دارصادر، 1381هـ/1962م.

27-       ديوان الحماسة: أبوتمام، أوس بن طائي، لاهور، المكتبة السلفية.

28-       السراج المنير: الخطيب الشربيتي، بيروت، لبنان: دارالمعرفة.

29-       تفسير أبي السعود: أبوالسعود، محمد بن محمد العمادي، بيروت، لبنان: دارإحياء التراث العربي.

30-       شرح مختصر الروضة: الطوفي، سليمان بن عبد القوي، تحقيق: عبد الله بن عبد الحسن التركي، بيروت، لبنان: مؤسسة الرسالة.

31-       شرح مختصر عضدي _ خ: ابن حاجب، عثمان بن عمر بن ابن بكر، مخطوطة عدد مسلسل: 13هـ - جامعة بشاور، باكستان، مكتبة الكلية الإسلامية .

32-       الصاحبي: ابن فارس، ابن زكريا محمد (أبوالحسن) بيروت: مؤسسة أ- بدران 1382هـ.

33-       الطراز: العلوي، السعودية.

34-       العبر: الحافظ الذهبي، تحقيق: د. صلاح الدين، المنجد، كويت: التراث العربي.

35-       كتاب العين: الخليل، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي، تحقيق: د – مهدي المخزومي، وغيره، إيران قم: دار الهجرة 1405هـ.

36-       فتح القدير: الشوكاني، محمد بن علي بن محمد.

37-       افرق بين الفرق: عبد القاهر بن طاهر بن محمد، تحقيق: محي الدين، مكتبة المكرمة، دارالباز.

38-       الفصل في الملل والأهواء والنحل: ابن حزم، علي بن أحمد بن سعيد، مطبعة التمدن، 1321هـ.

39-       الفهرست: ابن نديم، بيروت، لبنان، مكتبة خياط، شارع بلس.

40-       كتاب الفوائد: ابن القيم الجوزية، محمد بن بدر، مصر، 1327هـ.

41-       كشف الظنون: حاجي خليفة، بغداد: منشورات مكتبة المثنى.

42-       لسان العرب ابن منظور، أبوالفضل جمال الدين محمد بن مكرم، بيروت، لبنان، دارصادر، 1388هـ/1961م.

43-       لسان الميزان: ابن حجر، الحافظ شهاب الدين أبوالفضل بيروت، لبنان: مؤسسة الأعلمي .

44-       اللمع في العربية: ابن جني، أبوالفتح، عثمان، تحقيق: د. حسين محمد محمد شرف، جامعة القاهرة، كلية دارالعلوم، 1399هـ/1979م.

45-       المثل السائر في الأدب الكاتب والشاعر: ابن الأثير، مطبعة مصطفى الباب الحلبي 1358هـ.

46-       مجاز القرآن: أبوعبيدة، معمر بن المثنى، تحقيق: محمد فؤاد سزكين، مؤسسة الرسالة.

47-       مرآة الجنان: اليافعي، حيدر آباد، باكستان، 1334هـ.

48-       المزهر في علوم اللغة وأنواعها: السيوطي، تحقيق: محمد جاد المولى بك وغيره، بيروت، المكتبة العصرية.

49-       تفسير المظهري: قاضي ثناء الله، دهلي، هندوستان: ادارة إشاعة العلوم، ندوة المصنفين الكائنة بدهلي.

50-       معجم الأدباء: ياقوت الحموي، بيروت، لنبان: دارإحياء التراث العربي.

51-       معجم مقاييس اللغة: أبوالحسين، أحمد بن فارس بن زكريا، مكتبة الأعلام الإسلامي 1404هـ.

52-       معجم المؤلفين: عمر رضا كحاله، دمشق: المكتبة العربية 1376هـ/1957م.

53-       المعجم الوسيط: إبراهيم مصطفى وغيره، تحقيق عبد السلام هارون، طهران: المكتبة العلمية.

54-       نظم الدرر: البقاعي، برهان الدين أبوالحسن إبراهيم، مكة المكرمة: المكتبة التجارية.

55-       نفح الطيب: المقرئ، أحمد بن محمد التلمساني، بيروت، لبنان: دارالكتاب العربي.

56-       الوفيات: أبوالمعاني، تقي الدين محمد بن رافع، عراق: مؤسسة الرسالة.

57-       وفيات الأعيان: ابن خلكان، أبوالعباس شمس الدين أحمد، مصر القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1948م.

*  *  *

 

 

ربيع الثاني – جمادى الأولى 1429هـ = أبريل – مايو  2008م