مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، الهند .  محرم 1430هـ = يناير  2009م ، العـدد : 1  ، السنـة : 33

 

 الفكر الإسلامي

الفرق بين استقبال القبلة وعبادة الآلهة

الحلقة (1)

بقلم :   الإمام محمد قاسم النانوتوي المتوفى 1297هـ/1880م

                                                                                                                              رئيس الطائفة المؤسسة لجامعة ديوبند

                                                                                                                   تعريب : الأستاذ محمد ساجد القاسمي

أستاذ بالجامعة الإسلامية : دارالعلوم ، ديوبند ، الهند

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من تبعهم إلى يوم الدين.

 

خلفية تأليف الكتاب

       أما بعد: فيقول العبد العاصي محمد قاسم لقراء الكتاب: إنه ورد الباندت "ديا نند سرسوتي"([i]) بمدينة "روركي" في أواخر رجب عام1295هـ، ووجّه اعتراضات إلى الإسلام على رؤوس الأشهاد. فبناءً على طلب من بعض معارفي وأحبائي، وغيرةًعلى الإسلام وصلت إليها في أوائل شعبان،ومكثت فيهابضعة عشر يومًا رغبةً في المناظرة؛ وقد أحببت أن أسمع الاعتراضات من الباندت نفسه، وأجيب عنها على رؤوس الأشهاد. غير أنه لم يجرُؤ على أن ينزل إلى ساحة المناظرة؛ فافتنّ في المكر، وتلطف في الحيل التي لم تخطر على بال تفاديًا من المناظرة. إنه اعترض في الجمع الغفير من الناس، فلما رأى أنه قدحان افتضاحه اشترط ألايكون في مجلس المناظرة أكثرمن خمسين رجلا، فلما سئل عن السبب قال: خشيةَ الفتنة و الاضطراب. فلما ذكرنا له المناظرات([ii]) التي عُقدت في الماضي وتمت فعالياتها و مداولاتها بهدوء وطمانينة، وذكرنا الاستعدادات التي تتخذها الحكومة، لم يحر جوابًا. وإنما أصرَ على دعواه دونما دليل فرارًا من المناظرة.

       وكان يعرف أنه سيُظِلُّ رمضان، فيظن أنه إن انقضت أيام فإنهم يغادرون ألبتة؛ فالتمسناه، وعيّرناه، وناقشناه، وراسلناه، ولكنه أبى كلَّ الإباء. وأخيرًا رضي بحضور مأتي رجلٍ في مجلس المناظرة دون الجمع الغفيرمن الناس، وذلك بعد جهود مكثفة بذلناها في إرضائه، كما لم يرضَ بعقد المناظرة إلا في منزله الضيق، وحدّد موعد المناظرة السادسةَ مساءً بدلاً من الصباح، فلما شكوناه قلةَ الوقت وسّع إلى التاسعة ليلاً.  كان غرضه من وراء ذلك إزعاجنا؛ لأنّ محط رحالنا كان بعيدًا عن منزله بنحو ميل ونصف، فإن نفرغ من المناظرة في التاسعة نصل إلى محط رحالنا في العاشرة، ثم صلاة العشاء تستغرق ساعة.

       فحينئذ فلا المطاعم مفتوحة؛ فنشتري الطعام ولا فينا قوة فنُعده؛ ثم إنّ الفصل فصل الأمطار، فإن نزل المطركان ذلك أدهى وأمرّ.

       جملة القول أنه كان غرضه أن نضيق به ذرعًا فنتركَه وشأنه ونرتحل عنه، فيفرح هو ويفخر. لم يكن في الوقت المحدد سعة لتوسط صلاة المغرب واتخاذ هذه الحيلة. غيرأننا لما وافقنا على ذلك كله باسم الله وبركته كان من شرائط المناظرة أنه صدر الأمر الحكومي  بأن لا تعقد المناظرة في منزله بل و لا في حدود المعسكر ومدينة "روركي"، وإنما تعقد خارجهما.([iii])

 

الباندت يلوذ بالفرار:

       فطلبنا منه أن يتفضل إلى ساحة مصلى العيد، فأوجس خيفةً من افتضاحه وانكشاف سوءته، فلم يجد بدًا من الإنكار والإباء، فاضطررنا أن نطلب منه بأن يرسل إلينا اعتراضاته،حتى نجيب عنها في جماهير من الناس، وإن شاء فليحضر حتى أناظره تحريريا. ففضلا عن أن يرد أخذ عربته وولى هاربًا ولم يعقب.

 

يلقي الشيخ محمد قاسم النانوتوي كلمته:

       فقررنا اضطرارًا بأن نرد على الاعتراضات التي سمعناها من أفواه الناس، في جماهير من الناس، ولما كان الرد عليها لاتكفيه جلسة؛ لأني كنت أريد أن ألقي كلمة في التوحيد والنبوة وأساسيات الدين، وكان ازدحام الناس ونزول المطر وتوحل الطرق وإظلال رمضان لايسمح لي بالمكث كثيرًا، فألقيت كلمة في الرد على أعقد الاعتراضات وأصعبها في جلسة،كما ألقيت كلمة في التوحيد والنبوة. ثم غادرت "روركي" في الثالث والعشرين من شعبان، ومكثت في "منغلور" يومًا وفي "ديوبند" يومين أو ثلاثة حتي وصلت مسقط رأسي "نانوته" في السابع والعشرين منه.

 

ابتداء تأليف الكتاب:

       فلماوصلت "نانوته" أردت أن أكتب الرد على الاعتراضات التي أثارها الباندت باسم الله وبركته، وأقدمها إلى القراء حتى أنال صالح دعواتهم، وأفوز برحمة الله وغفرانه، فحقق الله ما أردتُّ، وألهمني ما رددت به على اعتراضاته. والآن أذكر الاعتراض الأول وأرد عليه.

 

الاعتراض الأول: استقبال الكعبة هوعبادة الآلهة:

       يدعو المسلمون الهندوس عبادالأصنام، وهم أنفسهم يسجدون بيتا – الكعبة – فيه أحجار كثيرة، فنجيب المسلمين بما يجيبوننا؛ فالمسلمون ليسوا بأقل من عُبَّاد الأصنام.

 

الردالأول:أسفًا على عقله:

       أسفًا على أسف! إن فضائل الباندت ومواهبه مشهورة في الهندوس،حتى لقّبوه بـ"سرسوتي" – إلـٰـهة  العلوم والفنون([iv])– .بالرغم من هذا يسوي بين الأرض والسماء واستقبال الكعبة وعبادة الآلهة، فإن كان لايعرف الفرق بين مثل هذه الأمور فما معنى مواهبه المشهورة؟ وإن كان شأنه هذا عن عمد  فلا أقول شيئا، وإنما يعرف العقلاء هذا كلَّ المعرفة.

       فإيضاحًا لواقع الأمر أذكر في الصفحات الآتية أمورًا مما يعرف به الفرق بين استقبال الكعبة و عبادة الآلهة؛ لعل ذافهم ونصفة يعترف، ويطلع على سخافة رأ الباندت، فيفكر في الآخرة.

 

معنى استقبال الكعبة وعبادة الآلهة:

       الأول: لفظة "استقبال الكعبة" ولفظة "عبادة الآلهة" هما اللتان تدلان على أنَّ التوجه إلى الكعبة ليس له أي علاقة مع عبادة الآلهة. فاللفظة الأولى وهي استقبال الكعبة إنما تعني التوجه إلى الكعبة. أماعبادة الآلهة فهي عبارة عن اتخاذ الأصنام آلهة([v]). فلو كان المسلمون يدّعون عبادة الكعبة لكان اعتراض الباندت صوابًا، فاسئلوا من شئتم من المسلمين، فإنه لايعرف معنى عبادة الكعبة.

 

لايشترط النية في استقبال الكعبة:

       الثاني: يجب التوجه إلى الكعبة في الصلاة عندالمسلمين، ولايشترط فيه النية فضلاً عن نية عبادتها، إنما يجب نية عبادة الله، فإن لم تكن نية عبادته لاتصح الصلاة عند المسلمين؛ مما يتضح أن المسلمين يعبدون الله ولايعبدون الكعبة. أما عبادة الأصنام فيشترط فيها نية عبادتها، فإن كان يشك فيما أقول، فليسئل من يسكن في الهند من آلاف مؤلفة من عباد الأصنام؛ غير أن العقلاء ليس لهم حاجة إلى السؤال عن هذا ولا الإجابة عنه ؛ لأنه واضح بين.

       الثالث: ليس في الصلاة من أولها إلى آخرها كلمة تشعر بتعظيم الكعبة، وإنما كل كلمة من كلماتها وكل عمل من أعمالها تشعر بتعظيم الله.

       فأولا يستوي المصلي قائما، ثم يكبرالله، وهذه هي تكبيرة الإحرام، وهي تنبئ عن عظمة الله وكبريائه... ثم يقرأ "سبحانك اللهم الخ" ففيه تسبيح الله  وتحميده وذكربركة اسمه وعلوشأنه وتوحيده. ثم يستعيذ بالله من شرالشيطان وفتنته. ثم يسمي الله، فيستعين به. ثم يقرأ سورة الفاتحة، وهي تشتمل على حمد الله وربوبيته الشاملة، ورحمته العامة والخاصة، ومالكيته واختياره في الجزاء والعقاب؛ ثم يسئله هدايته.

       ثم يقرأ ما يتيسرمن القرآن؛ حتى يظهر مما يقرأه الإمام والمنفرد من مرسوم الله أنه طوع أمره ورهين إشارته، ولذلك يركع بعده ويسجد؛ كيلا تكون قراءته وسماعه لمرسوم الله كقراءة قصة أو كتاب من كتب اللغة.

       معنى ذلك أنه يركع أولا، والركوع عبارة عن الانحناء واضعا يديه على ركبتيه. فيظهر بهذه الهيئة حقارة نفسه، ثم يقول: "سبحان ربي العظيم" ثم يستوي قائما، قائلا: "سمع الله لمن حمده" ثم يسجد، و السجود عبارة عن وضع الركبتين والكفين و الجبهة على الأرض. فيظهر بهذه الهيئة ضآلة نفسه وعجزه وذله ثم يقول: "سبحان ربي الأعلى" فإذا انتقل إلى الركوع والسجود ورفع رأسه منه قال: "الله أكبر"، وقد ذكرمعناه.

       ثم يقوم قائلا: الله أكبر، ويفعل مافعل في الركعة الأولى، ثم يقعد و يتشهد، و معنى التشهد أن العبادات القلبية والبدنية والمالية بحذافيرها لله تعالى.

       ثم يصلي على محمد صلى الله عليه وسلم و يسلم عليه ويدعوله بالرحمة والبركة عرفانًا لجميله، كما يدعو لعباد الله الصالحين ولوالديه وللمسلمين جميعا بالمغفرة والهداية، ثم ينهي صلاته ملتفتا إلى يمينه ويساره قائلا: السلام عليكم ورحمة الله.

       فإن كان يريد أن يطيل الصلاة يقوم بعد ما يتشهد قائلا: الله أكبر، ويفعل ما فعل في الركعتين الأوليين، ثم يجلس ويتشهد ويصلي ويدعو وينهي صلاته مسلما على يمينه ويساره. وهذا السلام يشير إلى أن المصلي كان في جناب الله  خارج هذا العالم، فلما عاد إلى هذا العالم سلم على أهله متّبعا أدب القادمين.

       ثم يسأل الله رافعا يديه عاجزا متضرعا مبتهلا أن يحقق أمانيه ويقضي حاجاته، وينهي دعاءه حامدًا لله ومثنيا عليه ومسبّحا ومكبرا و موحدا.

       الغرض من وراء ذكر الصلاة بشكل موجز، أنها من أولها إلى آخرها تشتمل على إظهار عظمة الله وكبريائه والإقرار بضآلة نفسه وعجزه و ذله أمامه؛ ولاتذكر فيها الكعبة أصلا. وأما عبادة الأصنام فهي من أولها إلى آخرها تشتمل على عظمة الأصنام والتملق منها والاعتراف بالذل والعجز أمامها.

       فعبادة الأصنام فيها تعظيم الأحجار والأوثان التي يسميها عبادها "مهاديو" و"وشنو"  و في "غايتري" تعظيم الشمس وإظهار العجز والذل أمام الأحجار.

       فأين عبادة الآلهة من الصلاة؟ وأين الأرض من السماء؟ إلا أن دقة ملاحظة الباندت وذكاءه كيف سوى بين الصلاة وعبادة الآلهة؟!

*  *  *



الهوامش

(1) سوامي ديانند سرسوتي أحد رجال الفكر في الديانة الهندوسية المشهورين، و صاحب المؤلفات المشهورة، ومؤسس حركة "آريه سماج". جرت مناظرات ومحاورات بينه وبين العديد من علماء المسلمين لاسيما الشيخ محمد قاسم النانوتوي. ولد في قرية "موروي" من أعمال "أحمدآباد" بولاية "غوجرات" في الهند، عام 1824م، واشتهر بـ "سوامي ديانند". ترك عبادة الأصنام، وقرأ "فيدا" أحد الكتب المقدسة لدى الهندوس على "سوامي درجانند" وطوّف في بلاد الهند كلها لنشر الديانة الهندوسية. أسس حركة "آريه سماج" عام 1874م، وقضى ما بقي من أيام حياته في ترقيتها وتطويرها. مات في30/ أكتوبر عام1883م

(2) هي المناظرات التي جرت  في "مهرجان معرفة الذات الإلهية" المنعقد في "تشاندا فور" بمديرية "شاه جهان فور" في ولاية أترابراديش الهندية، والتي وجه فيها القساوسة والباندت نفسه اعتراضات لاذعة إلى الإسلام، وكان كل ذلك بمحضر من جماهير الناس، وبمرأى ومسمع من آلاف من المسلمين، غير أن المسلمين لازموا الصمت، ولم يحدث اضطراب ولافتنة۔

(3) كان الحكام الإنجليز يؤيدون الباندت في خطته المعادية للإسلام تأييدَا، يقدر مداه من هذا المرسوم الحكومي الذي منع فيه عقد مجلس المناظرة في حدود المعسكر، وقد كان الباندت نفسه شرط عقدها في منزله، غير أن الحكام منعوا حينما حان الموعد .

(4) اشتهر الباندت بلقب "سرسوتي" وأصبح هذا اللقب جزءا لايتجزى من اسمه، وهواسم إلـٰـهة من إلهات الهندوس، وكانت زوجة "برهما" ويزعم الهندوس أنها مبتكرة العلوم والفنون، وأنها العقل الكامل. اختار الباندت لنفسه هذا اللقب، ومن المؤسف أن الباندت رغم كونه عقلا كاملا يتكلم بهراء ويِثرثر ثرثرةً فارغةً۔

(5) وجه الباندت أحد عشر اعتراضًا إلى الإسلام في مدينة "روركي" وقد رد الشيخ محمد قاسم النانوتوي على عشرة منها في كتابه "ردود على ما وجه من الاعتراضات إلى الإسلام" أما الاعتراض الحادي عشر الذي سوى فيه بين استقبال القبلة وعبادة الآلهة فقد رد الشيخ عليه في هذا الكتاب ردين: أحدهما سهل قريب التناول، ثانيهما علمي صعب ۔