مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، ربيع الثاني 1430 هـ = أبريل 2009 م ، العدد : 4 ، السنة : 33

إشراقة

السماح بالمحظور وحظر المسموح في بلادنا

 

 

 

عندما كان "بيل كلنتون" سيِّد "البيت الأبيض" يعمل رئيسًا لأمريكا، عَمَّتْ أخبارُ فضيحته الجنسيّة المُتَمَثِّلَة في غرامها بالسيِّدة الأمريكيَّة "مونيكا لويسكي" وإقامته فعلاً معها العلاقةَ الجنسيَّةَ. وظلَّت وسائلُ الإعلام الغربيَّةُ، التي تحبّ أن تشيع الفاحشةُ في المجتمع البشريّ، تتحدّث عن تفاصيلها والشهادات التي أكّدت وقوعَها بشكل جعلَ سيِّد "البيت الأبيض" لايسعه أن ينكر "فعلتَه السوداء" هذه. ثمّ نَشَرَتْ وسائلُ الإعلام الغربيّة – وحَذَتْ حذوَها الشرقيَّةُ حذوَ التلميذ البارّ لسيِّده الأستاذ – "تُطَهُّره" من هذه المعصية كلِّيًّا؛ حيث اعتذر إلى سيِّده البابا – المسيحيّ – واستغفره؛ فغَفَرَ له؛ فلم تبقَ عليه مسحةٌ من المعصية توجب حسابَه وعقابَه في الآخرة. وبما أنّه صار مضمونَ المصير بالنسبة إلى الآخرة، فعاد فوق الانتقاد والملام لدى المجتمع المسيحيّ في هذه الدنيا أيضًا!.

       وكذلك كانت قد اشتهرت على المستوى العالميّ قصّةُ غرام الأميرة "ديانا" البريطانيّة، وجمالها الفاتن، ودلالها الساحر، وسلوكها الرقيق الآسر للشباب المحبّ للجمال الأنثوي "المثالي"، الذي كان يُمَيِّزها عن غيرها من الفتيات الحسناوات الغربيَّات، الأمرُ الذي أَدَّى بها إلى الموت المفاجئ الأليم الناتج في الظاهر عن اصطدام السيّارة التي كانت تقلها مع عشيقها أو محبّها المصريّ. وظل ذلك كلّه حديث النوادي والمجالس والصحف والمجلات الحرّة ومحطّات الإذاعة والتلفاز شهورًا طويلة.

       واستغلّ الكُتَّابُ الغربيّون الحريصون على استغلال هذه المناسبات الغراميّة التي يتسارع الشباب اللاهي العاطل المهمل – الذي لايهمّه غرض نبيل ومطلب شريف ورغبة في الدراسة أو بحث عن شغل مثمر، وقد كثر عددهم في الغرب المُتَقَدِّم المُتَهَذِّب المُتَنَوِّر المُتَحَضِّر! – إلى العناية بها والبحث عن دواعيها؛ فألّفوا بلغاتهم ولاسيّما اللغة الإنجلزيّة حول الموضوع روايات وقصصًا قصيرة تَهَافَتَ عليها قراؤهم تهافتَ الفراش على النور، وعلمت بها المكتبات التجاريّة في العالم العربي، فاستأجرت أقلامًا تُتَرْجِمها إلى العربيَّة؛ فتمَّ ذلك، وتنافست هذه المكتبات في إصدارها وتوزيعها، فبادر الشباب العربيّ يقتنيها ويقرؤها، جريًا وراءَ الشباب الغربيّ باعتباره إيّاه نموذجًا يُحْتَذَى.

وخلالَ تلك الأيّام زارنا إخوان هنود يعملون في شتى الدول العربيّة، فأفادونا بأنّ أمثالَ هذه الكتب القصصيَّة والروائيَّة والمجلاّت الهابطة التي تُفْسِد على الشباب أخلاقَه وتهدم قيمَه وتُجَرِّده من كل ما لديه من موروث ثقافيّ وتراث حضاريّ وتقليد دينيّ عريق، توجد دونما رقيب أو مانع قانوني في جميع المدن والقرى الجامعة لدى كلِّ مكتبة وكل من وكالات الصحف والمجلاّت ولاسيّما في الأمكنة التي يكثر فيها تَجَمْهُرُ النّاس، من مواقف الحافلات، والمحلات التجاريّة، ومُجَمَّعَات التسوّق الحديثة الطراز، التي راجت أخيرًا؛ وأن الشبابَ ينجذب إليها انجذاب القطع الحديديّة إلى المغناطيس.

       على عكس الكتب الدينيّة الإسلاميّة، التي تشتدّ الرقابةُ على دخولها إلى داخل هذه الدول، ولايُسْمَحُ بمرورها إليها إلاّ بعد إجراء دراسة وتمحيص شديد حول مُحْتَوَيَاتها، عندما يُبْدِي المُرَاقِبُون رأيَهم حوَلها بأنّها "لابأسَ بها" وأنها تتفق وسياسةَ الدّول أو لاتمسّها بضرر من قريب أو بعيد!.

       وكأنَّ كتبَ الموضوعات الإسلاميَّة هي التي تُشَكِّل خطرًا على العباد والبلاد، أما الكتبُ الماجنةُ والمجلاّتُ الهابطة، التي تزرع في الشباب الفسادَ الخلقيّ والفتن الغربيّة، وتقتلع من قلبه أصولَ الخلق الإسلاميّ، وتستأصل منه كلَّ فضيلة وتُثَبِّتُ فيه كلَّ رذيلة، فهي مما يبنى البلادَ ويُصْلِح العبادَ! وكأنّ القادةَ والساسةَ في هذه الدول لاتهمّهم قضيةُ الدين والعقيدة والأخلاق والقيم، وإنما يهمُّهم "التحضّر" و"التقدّميّة" ومحاكاةُ الغرب ودفع تهمة "التشدّد" و"التزمّت" و"الانطوائيّة" و"التطرف" ونيل شهادة "الاعتدال" و"التنوّر" و"الانقياد" من قبل الغرب والاعتراف منه بأنّ ساحتَهم بريئة من كلّ "تهمة" من الثبات على الدين وأحكامه وآدابه ومُثُله؛ فهي جديرة بالثقة لديه !.

       إنّ اللااعتدال والتعسف والعصبيّة ضدّ الدين وضيق الأفق تجاه كلّ شيء يتّصل بالإسلام وثوابته ومبادئه، تُشَكِّل أكبر خطر على العالم العربي، ويؤكّد أن الحكام والقادة – إلاّ ماشاء ربّك – صاروا الطابورَ الخامسَ الذي يخدم مصالح الأعداء داخل الصفّ؛ فالعالم العربيّ وكذلك العالم الإسلامي ليس مغزوًّا من الخارج بمثل ما هو مغزوّ من الداخل من قبل هؤلاء القادة والحكّام الذين يتكلمون بلغتنا، ويتقمّصون جلودَنا؛ ولكنّهم صاروا خَدَمًا أوفياءَ للغرب وحضارته؛ ولذلك يحسبون كلَّ صحية عليهم من قبل الثقافة والحضارة الإسلاميّة ويباركون كل استعمار ثقافيّ وعسكريّ وسياسيّ واقتصاديّ – وناهيك عن فكريّ – يداهم بلادهم من الغرب الذي يعلم أنّ الإسلام هو عدوّه اللدود في سبيل ما هو متصدّ له من نشر الفوضى الخلقيّة والإباحيّة الجنسيّة في العالم وتحويل المجتمع البشريّ مُتبنِّيا للبهميّة بكل أبعادها.

       إنّ العالم اليوم أصبح معسكرين: إسلاميّ بكل نزاهته وإنسانيته ونبله وعفافه وقيمه ومبادئه ودعوته القويّة إلى إبقاء الإنسان على إنسانيته ومحاربته لكل محاولة لتجريده منها؛ وغير إسلاميّ بحضارته الغربيّة المُتَعَفِّنة بسوءاته التي لاتُحْصَىٰ، يحاول جاهدًا أن يُعَمِّمَ في المجتمع الإنساني جميعَ المفاسد التي تحوّله بهيمةً لاتعرف معنى للأخلاق والمثل الإنسانيّة، وتحارب كل من يقف في طريقه ليمنعه من نشر المفاسد، وهو – الواقف في طريقه – وحده المسلمون ودينهم الإسلام ليس إلاّ. دعوةُ الغرب لتحرير المرأة إنّما تعني تحويلَها سلعةً رخيصةً في كل مكان: في الشارع، في السوق، في المتجر، في مجال الدعاية، في وسائل الإعلام، في الصحف والمجلات، في المكتب، في المصنع، في المطار، في المحطة، في موقف السيّارات والباصات، في المدرسة، في الجامعة، في الفصول الدراسيّة، في البرلمان، في الشرطة والجيش، في جبهات القتال، حتى في السجون والمعتقلات؛ ليشبع أبناؤه –الغرب – جنسيًّا منها – المرأة – في كلّ مكان، و ليجني الإنسانُ، كما جَنَى الغربُ، خسارةَ الدنيا والآخرة، ليتحتّم استحقاقُه دخولَ النار، يعد ما تمتّع بنعيم الدنيا "قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قِلِيْلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحـٰـبِ النَّار" (الزمر/8).

       محاولةُ كسب رضا الغرب بنبذ الدين والأخلاق وإملاءات العقيدة، محاولةٌ بائسة يائسة طائشة؛ لأن الغرب لن يرضى منّا مهما نبذنا ثقافتنا وحضارتنا. إنهم لن يرضوا عنّا حتى نتّبع دينهم، وننبذ ديننا. ومن أصدق من الله قيلاً؟:

       "وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَىٰ حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ" (البقرة/120)

       أعتقد أنّ القادة والحكّامَ لدينا عادوا يحسبون أنّ تقليد الغرب والسماحَ بغزو حضارته وثقافته بلادَنا، يخلِّدهم في نعيمهم ويديمهم على كراسيّهم. إنّ كثيرًا من الاعتداءات التي تذوقها شعوبُنا العربية والإسلاميّة في داخل بلادها من قبل القادة والحكّام إنما ترجع إلى شعورهم بأنّ مطالبتها –الشعوب – بالتمسّك بالدين والحريّة المطلقة في شأن العمل بأحكامه، والسماح للإسلام أن يمارس دورَه الفاعلَ في جميع قطاعات الحياة، قد يُعَرِّض كراسيَّهم للخطر، وقد تُسْحَب عاجلاً من تحتهم، فيفترشون الغبراءَ.

       منذ الثلاثين عامًا: منذ أن بدأتُ أكتب بشكل مستقل نتابع أوضاعَ بلادنا، فنجدها تنحسر عن الدين وأخلاقيّاته يومًا فيومًا؛ فهناك بلاد كانت تُعَدُّ أمس مُتَمَسِّكة بثوابت الدين؛ فالمرأة كانت لاتسوق فيها السيّارة، وكانت لاتتواجد في المكاتب والمتاجر مُوَظَّفَة ومديرة للمبيعات، وفي دوائر الحكومة، و صورُها العاريةُ أوشبهُ العارية كانت لاتُطْبَع في الصحف والمجلات، وكانت هي لاتُسْتَخْدَم في وسائل الإعلام إلاّ مُحْتَشِمَةً كلَّ الاحتشام، وكنّا نفتخر بأن بعض بلادنا لاتزال – ولله الحمد وحده – مُتَمَسِّكَة بكثير من أهداب الدين في هذا العصر الذي أصبح التمسّك بالدين ولاسيّما على مستوى الحكام والقادة سبّة عار؛ ولكنّه شيئًا فشيئًا تَغَيَّر كلُّ شيء؛ فأصبحتِ المرأةُ تلعب دورَها في جميع المجالات، وسُمِحَ لها بالتحرّك والظهور في كل القطاعات الحكوميّة وغير الحكوميّة في تلك البلاد. وربما احتجّ بعضُ المتدينين والعلماء ضدَّ هذه الظاهرة الكريهة التي لاتتفق وموقفَ هذه البلاد في الماضي، فأصبح صوتُهم نداءً في واد، ولم يكن له مجيب، بل ربّما عُوقِبَ القائمون بالاحتجاج والانتقاد.

       إنّ تقليدَ الغرب في حضارته المُتَعَفِّنة وعاداته السيِّئَة ودعوته للسفور والفجور وفتح الطريق أمام علاقات الحرام وممارسة الغرام وثوران العواطف الجنسيّة والغرائز البهيميّة، في تصاعد مستمرّ في بلادنا العربيّة والإسلاميّة. بل صارت بعضُ بلادنا نسخةً طبق الأصل من بلاد الغرب،بفرق كبير وهو أنّ قادة الغرب وحكّامه لايعاقبون شعوبَهم لدى مطالبتهم بإتاحة الفرصة الواسعة للعمل بما لديهم من الديانة الممسوخة والتقاليد الفاسدة والطقوس التي لاتُسْمِن ولاتُغْنِي من جوع فيما يتعلق بإصلاح الحال في الدنيا فضلاً عن المآل في الآخرة؛ ولكن قادتنا وحكامنا في بلادنا العربيّة والإسلاميّة يتقدّمون مع الأيّام أشواطاً بعيدةً نحو إغلاق المنافذ أمام العمل بالدين، ويحاولون جاهدين أن يوجدوا "إسلامًا معتدلاً" مع التعاون مع الغرب "ينفع" ولا "يضرّ" ويتماشى مع جميع أمراض الحضارة الغربيّة الفتّاكة؛ حيث إنه "إسلام نفسانيّ" يلبيّ أهواءَ النفس، ويُوَفِّي حاجات المادّة والمعدة لآخر الحدود. أمّا الإسلامُ الأصيلُ الشاملُ الكاملُ الذي نَزَلَ على سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعَمِلَ به أبوبكر وعمر وعثمان وعليّ وإخوانهم الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان، فهو إسلام يُقَيِّد الأهواءَ، ويحول دون المعاصي والآثام، ويتعارض مع سوءات الحضارة الغربيّة على طول الخطّ وعرضه، ويفرض حدودًا، ويضع قيودًا دون كثير من رغبات النفس الجامحة، ويمنع منعًا باتًّا عن جعل المرأة سلعةً تجاريّة يتمّ التلاعبُ بها عبر الأسواق والمتاجر وجميع الأمكنة المفتوحة، ويأمرها بأن تظلّ ربّةَ بيتٍ، مُحْتَشِمَةً، مُحْتَجِبَةً، وقورةً تُرَبِّي الرجالَ، وتُخَرِّجُ الأجيالَ على الدين والدعوة، وتُعَلِّم الأبطالَ، كيف يدافعون عن الدين والرسالة، ويُضَحُّون بكلِّ غال ورخيص في سبيله، وتُلَقِّنُهم كيف يُؤْثِرُوْن الآخرةَ على الدنيا، وكيف يُنْجِزون المآثرَ في سبيل الله، وكيف يستحضرون كلَّ وقت أنّ الدنيا خُلِقَتْ لهم وأنهم خلقوا للآخرة، وأنهم إنما أُوْجِدوا ليُرْضُوا اللهَ ورسولَه، مهما سَخِطَتِ الدنيا وسَخِطَ النَّاسُ كلُّهم من حولهم .

إِذَا نِلْتُ مِنْكَ الْوُدَّ فَالْكلُّ هَيِّنٌ

وكُلُّ الَّذِيْ فَوْقَ التُّرَابِ تُرَاب

 

       للمرأة في الإسلام كل الحريّة في التعلّم والتعليم والعمل في شتى مجالات الحياة؛ ولكن ملتزمة بحجاب وحشمة، ودون ظهور متاعًا رخيصًا في كل مكان تقع عليها الأنظار، وتنهشها الكلابُ البشريّة من كل جانب، ويشبع منها الشهوانيّون من النّاس شهواتهم.

       إنّ الإسلام لايحظر على المرأة التعلّم والتعليم، ولا العمل في الحدود التي حَدَّدَها؛ ولكنه يفرض عليها الحجابَ، ويمنعها من السفور، وينهاها عن الظهور في كلّ مكان، سافرةً كاسيةً عاريةً – فربّ كاسيةٍ عاريةٌ – داعيةً للنظر في جمالها، والتمتّع بدلالها وغناجها. إنّ تحرير المرأة الغربيّ إنّما يعني ذلك وحده لاغير، وإنما يدعو الغربُ إلى ذلك لكونه أصبح مدفوعًا بالشهوانيّة الجامحة، والنفسانيّة الشيطانيّة التي لم تعرفها حضارةٌ قبل حضارة الغرب.

       إرضاءُ الغرب بإسخاط الله لم ينفع فردًا أو جماعة في الماضي – ولذلك أمثلة حيّة شاخصة في تاريخ الأمس وما قبل الأمس – ولن ينفع أحدًا فيما يأتي، ومهما كان الغربُ قويًّا فإنّ الله أقوى من الغرب، ومهما كان الغرب متقدمًا، فإنّ الله أكثر تقدّمًا من كل الخلق والكون ومافيه.

       إننا نحتاج أن نؤمن من جديد أنّ اللهَ أقوى من كل قويّ في الكون، وأنه أقدر في كل وقت وبغير سبب أن يسلب القويَّ قوتَه والمتقدمَ تقدّمَه؛ وأنّ رضاه أغلى وأجدى وأحلى من رضا الخلق أجمع وأكتع وأبصع، ولن ينفعنا أحد إذا شاءَ ضرَّنا ولن يضرّنا أحد إذا أراد نفعَنا.

       اللّهُمَّ أرِنَا الحقَّ حقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَه وأرِنَا الباطلَ بَاطِلاً وَارْزُقْنَا اجتنابَه.

 

( تحريرًا في الساعة 12 من ضحى يوم الثلاثاء: 22/صفر  1430هـ = 18/فبراير 2009م ) .

 

أبو أسامة نور