مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، رجب 1430 هـ = يوليو 2009 م ، العدد : 7 ، السنة : 33

إصدارات حديثة

قاموس الفقه (باللغة الأرديّة)

تأليف : فضيلة الشيخ خالد سيف الله الرحماني

أمين عام مجمع الفقه الإسلامي بالهند

ومؤسس ومدير المعهد العالي الإسلامي/ حيدر آباد بالهند

 

                                                                         

 

هذا الكتابُ القيِّمُ وَضَعَه العالم الفقيه المتمكّن أخونا الفاضل فضيلة الشيخ خالد سيف الله الرحمانيّ، يقع في خمسة مُجَلَّدات، وكلُّ مُجَلَّد في نحو 600 صفحة بالقطع المتوسط. والكتابُ فريدٌ في موضوعه، لم يسبقه كتابٌ بالأرديّة. يتناول كُلَّ مُصْطَلَح فقهيّ ببيانه لغةً، واصطلاحاً، وفق الترتيب الألفبائي، كما يذكر الأحكام الفقهية والمصالح الشرعية ضمن كل مُصْطَلحٍ يراه يحتاج إلى مزيد من الشرح والإيضاح. وذلك بإيجاز حينًا وتفصيل حينًا آخر، حسب أهميّة الكلمة/ المصطلح لدى الشرع وحسب حاجة الناس إلى تطبيق الأحكام المتصلة بها على حياتهم أو في المجتمع حولهم.

       كما اهْتَمَّ بتفنيد اعتراضات وشبهات المعاندين، وذكر المذاهب الفقهيّة الأربعة نقلاً عن مصادرها الأصليّة، وعُنِيَ بحلّ القضايا المستجدة والمباحث ذات الأهمية المبدئيّة، والإحالة على المصادر الموثوق بها لدى العلماء والفقهاء.

       وإذا ارتأى كلمةً تحتلّ أهميَّةً خاصَّةً في الفقه أو أصول الفقه بشكل من الأشكال لم يكتفِ بشرحها وإيضاحها لغةً واصطلاحًا فقهيًّا، وإنما استوعب تحتها جميعَ المباحث الفقهيّة التي تمسّ حياةَ الناس، حتى كَتَبَ لدى شرح بعض الكلمات/ المُصْطَلَحات مقالةً وافيةً تغني عن التطواف على كثير من الكتب، وإذا كان هناك خلاف بين الفقهاء ذكره مشفوعًا مع ذكر الدلائل والإشارة إلى المصادر؛ ولكن التفصيلات الجزئيّة إنّما ذكرها حسبَ المذهب الحنفيّ الذي يتبعه المؤلف ومعظم الشعب المسلم في شبه القارة الهنديّة .

       مثلاً: قال ضمن كلمة "الله": إن معظم العلماء والمُحَقِّقِين وكبار المُفَسِّرين قالوا: إن لفظة "الله" علم ذاتي للبارئ تعالى.

       ثم أشار إلى ما إذا كانت الكلمة جامدة؛ فهي كلمة مستقلّة؛ أو هي مشتقة؟ يميل الرازي إلى كونها جامدة؛ غير أن معظم علماء الأصول والفقهاء ذهبوا إلى كونها مشتقة، ثم اختلفوا في المادة التي اشْتُقَّتْ منها. وأشبع البحثَ في هذا الصدد، حتى ذكر جميع أسماء الله الحسنى ومعانيها ودلالاتها وتَطَرَّقَ إلى بحث ما إذا كانت الأسماءُ الإلهيَّةُ توقيفيَّةً؛ ولكن هناك علماء ثقات لايقولون بهذا.

       ثم تَطَرَّقَ إلى دراسة وذكر الأحكام الشرعيّة في شأن الألفاظ التي تتداولها اللغات أو الديانات الأخرى، ومتى يُكْرَه ذكر الله، وهل يجوز الحلف بالأسماء الإلهيّة بدل "الله" حتى انتهى إلى ذكر الأحكام التجويديّة المتعلقة بـ"الله".

       وهكذا حَرَّرَ مقالات وبحوثاً مستقلةً مُسْتَوْعِبَةً حول كثير من الكلمات/ المصطلحات، بحيثُ لو أُفْرِدَتْ وطُبِعَتْ منزوعة من الكتاب لكانت رسائل بل كتبًا مستقلة تغني عن مئات من الكتب حول المباحث التي تناولتها .

       أمثال "أحمد" – صلى الله عليه وسلم – و"الإجارة" و"الاجتهاد" و"الإجماع" و"الإفتاء" و"الإمارة" و"التأمين" و"التقليد" و"التلقيح" و"ثبوت النسب" و"الثقة" و"الثمر" و"الثمن" و"الجُرْم" و"الجمعة" و"الجهاد" و"الحجّ" و"الحدود" و"الحديث" و"المسح على الخفين" و"الخلع" و"الدار" و"الدية" و"الربا" و"الزكاة" و"الصلاة" و"القياس" و"القبلة" و"القصاص" و"القضاء" و"المدينة المنورة" و"المرض" و"المضاربة" و"الميراث" و"النذر" و"النكاح" و"الوقف" و"اليمين"؛ وغير ذلك؛ حيث لم يغادر في هذه المصطلحات وغيرها شاردة ولا واردة إلاّ أحصاها، بشكل أراح القارئ والدارس والكاتب والعالم والمتعلم من عناء البحث والاستقصاء واللجوء إلى تصفّح مئات من الكتب المطوّلة التي قد لايجدها كلُّ مهتمّ بها لديه أو لدى ما حوله من المكتبات. وإن وجدها فلا يجد هذه الأبحاث فيها في مكان واحد وإنما يجدها مُشَتَّتةً في أمكنة شتى في كتب شتى.

       وأروعُ شيء في هذا الكتاب سهولةُ العبارة، وروعةُ الكتابة، والأسلوبُ الخفيف الذي لايَصْعُب على عامّة القراء، ولايملّه حتى المثقفون والعلماء، والترتيبُ الجميل الذي اعتمده في إيراد المباحث، والحديث عن القضايا، وبيان الأحكام، وطرح الآراء الفقهيّة، ووضع الحلول للمسائل التي استجدّت وتستجدّ بتقدم العلم وتطوّر التكنولوجيا وازدهار الحضارة المعاصرة التي لاتزال تُسَجِّل الانتصار إثر الانتصار.

       ولم يكن ليتيسر ذلك للمؤلف الفاضل لولا تمكُّنُه من علوم الشريعة، وتعمُّقُه في الكتاب والسنّة، وتوسُّعُه في فهم دقيق في دراسة الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى رحمة واسعة، مع إلمام لائق بالمذاهب الفقهيّة الأخرى، واطلاع واسع على الحالات الحاضرة، وقراءة دقيقة للمتطلبات المعاصرة وما طرحته من قضايا لا نهاية لها.

       من هنا أثنى على كتابه هذا معظم كبار العلماء والمفكرين والفقهاء في الهند وباكستان وعلى رأسهم سماحة الشيخ السيد أبي الحسن علي الندوي رحمه الله (1333-1420هـ = 1914-1999م) والعالم الجليل والفقيه البارع فضيلة الشيخ المفتي محمد تقي العثماني الباكستاني حفظه الله. وأجمعوا على أن هذا المُؤَلَّف القيم مما لايضطلع بإعداده إلاّ المؤسسات الحكومية، والمجامع العلميّة الكبيرة، ولكن المؤلف الفاضل بتوفيق ربّه أخرجه بجهده الفرديّ الذي ظلّ يبذله في انهماك عبر نحو 25 عامًا، فجاء ناضجًا مختمرًا، يستخرج الدعاء من ألسنة آلاف من العلماء والمتعلمين الذين استغنوا به عن غيره من مئات الكتب في الموضوع.

       ثمّ إنه أَلَّفَه ليس مُتَفَرِّغًا له، وإنما اشتغل به وهو مُوَزَّع الهموم بين أشغال علميّة دعويّة فكرية تعليميّة وتربويّة وكتابيّة كثيرة ؛ لأنه من العلماء الفقهاء الأجلاّء الذين لهم في كل دقيقة عمل ولكل عمل وقت مُحَدَّد، فهم يعيشون ليلهم ونهارهم مزدحمةً عليهم الأعمال الرتيبة والأشغال غير الرتيبة؛ لأنهم لقدراتهم العلميّة وإفاديتهم الكثيرة للأمة مُضْطَرُّوْن أن تكون حياتهم كثيرة الهوى شتيتة النوى والمسالك؛ من ثم تخلّلت تأليفَ الكتاب فتراتٌ قصيرة أو طويلةٌ حسب إلحاح الأعمال الأخرى عليه؛ حيث صدرت خلال فترة تأليفه تاليفاتٌ أخرى له كبيرة أو صغيرة رآها لابدّ من صدورها في وقتها، أو حالت دونه – دون تأليف هذا الكتاب – أشغال الندوات الفقهيّة، وأعمال المؤتمرات العلمية والدعويّة، والقضايا الإسلاميّة التي مسّت حياةَ الشعب المسلم الهندي ودعته إلى المساهمة في التوصل إلى حلّها العاجل مع العلماء والقادة المسلمين البارزين الآخرين الذين ينظر إليهم المسلمون في الهند لدى كل وقت عصيب .

       والمُؤَلِّف صدرت بقلمه أو تنتظر الطبع أكثر من ثلاثين كتابًا، تستوعب أكثر من 10 آلاف صفحة، تتناول كلاًّ من موضوعات الفقه، وعلوم القرآن والحديث، والفرق والديانات، والسير والتراجم، والدعوة والتبليغ .

       وهي كما يلي:

 

الفقــــــــه

1-     القضايا الفقهيّة المستجدة (5 أجزاء في نحو ألفي صفحة)

2-     الحلال والحرام (500 صفحة)

3-     كتاب الفتاوى (6 أجزاء في نحو 3 آلاف صفحة)

4-     نظام العُشْر والزكاة في الإسلام (نحو مئتي صفحة)

5-     الطلاق والتفريق (180 صفحة)

6-     العصر الحديث والقضايا الحديثة (300 صفحة)

7-     المرأة والقضايا الإداريّة (400 صفحة)

8-     مكانة المسجد في الشريعة (60 صفحة)

9-     قاموس الفقه (5 أجزاء نحو 3000 صفحة)

10-                أصول الفقه الميسرة (60 صفحة)

11-                مجموع المحاضرات حول أصول الفقه (400 صفحة) غير مطبوع

12-                التحقيق والتعليق: مختارات النوازل (500 صفحة)

 

علوم القرآن

13-                القرآن كتاب مُوْحًى من الله (40 صفحة)

14-                34 آية من القرآن الكريم (60 صفحة)

15-                فقه القرآن (300 صفحة) غير مطبوع

 

علوم الحديث

16-                أصول الحديث الميسرة (60 صفحة)

17-                علوم الحديث (300 صفحة) ينتظر الطبع

18-                تكملة آثار السنن (300 صفحة) "    "

 

الفرق والديانات

19-                طريق الاعتدال (300 صفحة)

20-                البدع والخرافات المتبعة اليوم في منظور الفقهاء (200 صفحة)

21-                اليهودية والمسيحية: دراسة (200 صفحة) غير مطبوع

22-                الأحوال الشخصيّة الإسلاميّة: نظرة خاطفة (200 صفحة)

23-                الحقائق وسوء الفهم (300 صفحة)

24-                المرأة في ظلّ الإسلام (200 صفحة)

 

السير والتراجم

25-                مختصر سيرة ابن هشام (300 صفحة)

26-                خطبات (محاضرات) بنكلور الثانية (رسول الإنسانية) (200 صفحة)

27-                معالم من حياة محمد صلى الله عليه وسلم (300 صفحة) ينتظر الطبع

28-                حياة القاضي مجاهد الإسلام القاسمي رحمه الله (300 صفحة)

29-                الذين كانوا يبيعون دواء القلوب (400 صفحة) غير مطبوع

 

الدعوة والتذكير

30-                معالم من الوعظ (300 صفحة)

31-                القضايا الاجتماعيّة المعاصرة (300 صفحة)

32-                التعليم الديني والعصري: قضايا وحلول (300 صفحة)

33-                الدينيات الميسرة (100 صفحة)

34-                السراج المنير (250 صفحة)

 

تعريفٌ بالمُؤَلِّف :

       الشيخ خالد سيف الله الرحماني، أحد العلماء الفقهاء والكُتَّاب والمُؤَلِّفين الأرديين، الذين يجمعون بين التعمق في العلوم الشرعيّة، والبصر بالقضايا المعاصرة والملابسات الحاضرة، ويحملون إلى ذلك قلمًا سيّالاً باللغة الأرديّة، وكتاباتُهم تتّسم بالصبغة الأدبية والروعة الكتابيّة. والشيخُ في هذه الناحية يمتاز عن معظم العلماء الفقهاء في الهند؛ فمُؤَلَّفَاتُه كلّها وكتاباتها جميعها عليها مسحة من الأدب الرائع السهل، تجذب القارئ لقراءتها، فالاستفادة منها، والانتهاء من قراءتها دون أن يتسرّب إليه مللٌ خلال القراءة مهما كانت طويلة.

       ويمتاز الشيخ عن غيره من الأقران أنّه نبغ مُبَكِّرًا نبوغًا لاينبغه العالم والمُثَقَّف في الأغلب؛ فهو بدأ يكتب بنضوج ولم يتجاوز العقدَ الثانيَ من عمره، بحيث لو قرأ أحدٌ كتاباته المُبَكِّرة، وكتاباته اليوم وهو في 54 من عمره فقط، لما وجد فرقًا بينهما. وذاك شيء لايتيسّر إلاّ لمن يريد به الله خيرًا من نوع خاصّ، وسعادةً يقدِّرها له وحده، وهو جلّ وعلا على ما يشاء قدير.

       ويرجع ذلك أيضًا إلى أنه ينحدر من سلالة كريمة خصّها الله عَزَّ وجلّ بالعلم والصلاح والتقوى والوعي الإسلامي والروح الدينيّة العامّة التي تشمل الحياة، فتُصْلِح كل ما فسد منها، وتجعلها تستقيم على الصراط المستقيم؛ فقد كان جدّه الشيخ عبد الأحد (1298-1326هـ = 1880-1947م) من خريجي دارالعلوم/ ديوبند القدامي من تلاميذ صقر الإسلام في الديار الهندية الشيخ محمود حسن الديوبندي (1268-1339هـ = 1851-1920م) والعلامة المحدّث النابغ محمد أنور شاه الكشميري شيخ الحديث الأسبق بدارالعلوم/ ديوبند (1292-1352هـ = 1875-1933م)، وعمُّه هو عالم الهند الكبير وفقيهها الفقيد النظير القاضي مجاهد الإسلام القاسمي رحمه الله (1355-1423هـ = 1936 - 2002م) مؤسس مجمع الفقه الإسلامي بالهند ورئيس هيئة الأحوال الشخصية لمسلمي الهند، وكانت مصاهرتُه في أسرة منحدرة من سلالة الشيخ الملاّ سيد محمد علي الذي كان من كبار رجال حركة الإمام أحمد بن عرفان الشهيد رحمه الله (1201-1246هـ = 1786-1831م) وقد نزح إلى بيهار فيما بعد معركة "بالاكوت" الشهيرة التي استشهد فيها الإمام أحمد، وزميله الشيخ إسماعيل الشهيد حفيد الإمام الشاه ولي الله الدهلوي رحمه الله (1114-1176هـ = 1703-1762م).

       وكانت أسرة خوؤلته مُتَشَبِّعةً في التزكية والإحسان بصحبة العالم التقي الصالح المربي الشيخ "بشارة كريم" (1294-1354هـ = 1877-1935م) الذي أجرى الله على يديه الخير الكثير، وصحّت في صحبته وبفضل تربيته توبةُ كثير من عباد الله.

       والذي أودّ أن أسجّله بهذه المناسبة أن الشيخ يتّسم بالصلاح الذي يتفجّر من داخله ولا يتلبّس به ككثير من العلماء، ويزيِّنه حيث ما حلّ وسار التواضعُ الطبيعيّ، والجدّ والوقار، والبساطة في جميع شؤون الحياة؛ فلا يمتاز عن أحد بتكبير العمامة، وتشميخ القلنسوة، وبتجميل الجبّة، وإطالة القميص. ينطق في انكسار، ويجالس في إنكار الذات، ويلاقي في طلاقة وجه، ويُدَرِّس في بلاغة وإيجاز وتنسيق، ويخطب في تقريب للموضوع، وعن سعةِ دراسة، واستيعاب لكل مادة يتحدّث عنها، ويكتب في فصاحة العبارة، ووضوح الإشارة، وعذوبة اللغة، وسهولة العرض، وحلاوة الأسلوب، والروعة الأدبيّة، وتَعَرُّضٍ لكل موضوع ساخن، ولاسيّما كل ما يمسّ الإسلام والمسلمين، ويهمّ الأمة الإسلاميَّةَ، ويتطلّع الناس إلى متابعته والاطّلاع على الحديث الأحدث في شأنه، والحكم الشرعيّ ومقتضى الحاضر فيما يتعلّق به. وذلك كله مما يُضْفِي مسحةَ القبول والبركة على كتابة كاتب، وتأليف مُؤَلِّف .

       وكان والده الشيخ زين العابدين الشقيق الأكبر للقاضي مجاهد الإسلام القاسمي، أحد العلماء المؤهلين، إلى جانب كونه طبيبًا بالطبّ اليوناني العربي الذي تعلّمه في مدينة "لكهنؤ" عاصمة ولاية "أترابراديش" ولكونه مصابًا ببعض الأمراض منذ أوائل عمره، والضعف الناتج منها، لم يتمكن من التخرج في الجامعة الإسلامية دارالعلوم/ ديوبند؛ لكنه تعلّم على والده وغيره من العلماء في بلدته "جَالَه" وغيرها، وخلّف بعض الرسائل العلمية التي تدلّ على إتقانه لصناعة الكتابة والتأليف وعلوّ كعبه في العلوم الدينية، أمثال: "الدين الإبراهيميّ" وسيرة المصطفى" وقد صدرت في وقتها مطبوعةً، كما ألّف مجموعةً من طائفة مختارة من الأحاديث الشريفة وترجمها إلى الأرديّة وشرحها بها، باسم "مكارم الحديث" تقع في نحو 300 صفحة، ولم يتم طبعُها، وكان يتذوّق اللغةَ العربية وآدابها، إلى جانب ذكاء وفطنة تمتاز بهما هذه الأسرة الكريمة.

       وقد وُلِدَ الشيخ خالد سيف الله الرحماني في هذا البيت الكريم ذي الإرث الديني العلميّ والصلاح والتديّن في 4/ جمادى الأولى 1376هـ (4/ نوفمبر 1956م) وكان اسمه التاريخي "نورخورشيد". وذلك بحيّ "القاضي" ببلدة جَالَهْ (Jalah) بمديرية "دربنجه" بولاية "بيهار" بالهند.

       وتلقّى مبادئ القراءة العامّة وقرأ القرآنَ الكريم ومبادئ الأردية على جدّته من الأب ووالدته وزوج عمّته الشيخ وجيه أحمد، ومبادئ الفارسيّة والعربية على والده الشيخ زين العابدين، وتلقّى التعليم الابتدائي في مدرسة "قاسم العلوم الحسينية" بقرية دوكهرا (Doghra) الملاصقة لبلدته "جاله" والتعليم الثانوي والعالي بالجامعة الرحمانية بمدينة "مونجير" (Munger) بولاية "بيهار" حيث اجتاز دورة الحديث الشريف.

       ثم التحق بالجامعة الإسلاميّة الأمّ دارالعلوم/ ديوبند، واجتاز دورة الحديث الشريف مُجَدَّدًا، وقرأ دواوين الحديث الشهيرة على مشايخها وعلمائها الأجلاء أمثال الشيخ شريف حسن الديوبندي رحمه الله (1339-1397هـ= 1920-1977م) والشيخ الصالح المربي العالم المتمكن المفتي محمود حسن الكنكوهي رحمه الله (1325 - 1417هـ = 1907- 1996م) والشيخ محمد حسين البيهاري رحمه الله (1321-1412هـ = 1903-1992م) والشيخ معراج الحق الديوبندي رحمه الله (المتوفى 1412هـ/ 1991م) والشيخ نصير أحمد خان حفظه الله (المولود في 1331هـ/1918م) والشيخ المفتي نظام الدين رحمه الله (المتوفى 1420هـ/2000م) والشيخ السيد أنظر شاه الكشميري رحمه الله (1347-1429هـ = 1928-2008م) ابن العلامة المحدث الكبير محمد أنور شاه الكشميري رحمه الله (1292-1352هـ = 1875-1933م) والشيخ محمد نعيم الديوبندي رحمه الله (1337-1428هـ = 1919-2007م) والشيخ محمد سالم القاسمي حفظه الله (المولود في يناير 1926م/ جمادى الثانية 1344هـ) ابن العالم الهندي الكبير الشيخ المقرئ محمد طيب رحمه الله (1315-1403هـ = 1897-1983م) رئيس الجامعة الإسلاميّة دارالعلوم/ ديوبند سابقًا.

       وبعد ما تخرج في الجامعة انتسب إلى الإمارة الشرعيّة بولاية بيهار وأريسه وجهاركهند؛ حيث أقام بمقرها بقطاع "فلواري شريف" (Phulwari sharif) بمدينة "بتنه" عاصمة ولاية "بيهار" وتدرب على القضاء والإفتاء وتخرج عالمًا متعمقًا في هذا الفنّ الشرعيّ الشريف مما أتاح له فرصة ذهبية طويلة للاستفادة من عمّه العظيم العالم والفقيه الهندي الأكبر في عصره الشيخ مجاهد الإسلام القاسمي رحمه الله.

       أما حياتُه كمدرس فقد عاشها بدءًا من مدينة "حيدر آباد" التأريخية؛ حيث دعاه عالم حيدرآباد المعروف وخطيبها الظريف وواعظها الممتلك للقلوب الشيخ محمد حميد الدين الحسامي عاقل أمير الامارة الملية الإسلامية بولاية "آندهربراديش" في شوال 1397هـ/ أكتوبر 1976م للتدريس بمدرسته "دارالعلوم/ حيدر آباد" فبرز عما قليل كمدرس مُحَبَّب إلى الطلاب؛ ولكنه لم يستأنس بهذه المدرسة لسبب أو آخر فاستسمحه بأن ينتقل إلى مدرسة أخرى في المدينة كانت قد تأسست حديثًا وهي "دارالعلوم سبيل السلام" التي أقيمت بسعي من صديقه الفاضل الكاتب الإسلامي الممتاز الشيخ محمد رضوان القاسمي (المتوفى 1425هـ/2004م). وذلك على طلب من رئيس هذه المدرسة الحاج السيّد ضياء الرحمن، فاشتغل بها مدرسًا ابتداءً من شعبان 1398هـ/ يونيو 1978م. ومنذ شوال 1399هـ/ أغسطس 1979م عُيَّن رئيسًا لهيئة التدريس فيها، ومكث بها 22 عامًا أي إلى شعبان 1420هـ/ أكتوبر 1999م دَرَّس خلالها أمّهات الكتب في الحديث والفقه والتفسير، إلى جانب مساهمته لأخيه الشيخ محمد رضوان القاسمي في شؤون الإدارة والنهوض بالمدرسة وتطويرها على جميع المستويات.

       وعندما استقال من هذه المدرسة في شعبان 1420هـ / أكتوبر 1999م أنشأ لتدريب المتخرجين في المدارس والجامعات الإسلامية على القضاء والافتاء وعلوم التخصص في الشريعة الإسلامية معهدًا هامًّا باسم "المعهد العالي الإسلامي" بمدينة "حيدر آباد" نفسها. وكان ذلك منبرًا فعّالاً لتخرُّج الكوادر من المؤهلين الأكفاء الشباب الذين لم يتعمقوا في علوم الشريعة فحسب؛ بل تخرجوا كتابًا ومؤلفين ذوي قدرة على التفكير في قضايا الأمة والاهتمام بحلّها علميًّا وشرعيًّا وكتابيًّا. ولاسيّما لأن الشيخ الرحماني/ حفظه الله، إلى جانب ما أسلفناه من مؤهلاته العلميّة الكثيرة يملك موهبة خاصّة لتخريج الشباب وتأهيل المتخرجين، وصنع الرجال. وذلك حسنة كبيرة منّ الله بها عليه، لأن العلماء والمؤهلين ربّما لايقدرون على صناعة الرجال مهما كانوا هم بدورهم أكفاء مُؤَهَّلِين.

       والذي يجيد النثر في الأغلب لايجيد الشعر؛ ولكنه حفظه الله يقول الشعر – وإن كان مُقِلاَّ منه – فيجيده باللغة الأرديّة، يمتاز شعره كنثره بعذوبة وسلاسة. وقد قرأنا بعض أبياته في بعض الأغراض فأُعْجِبْنَا به كإعجابنا بنثره.

       وعندما تَوَفَّى الله عزّ وجلَّ الفقيه الهندي الأكبر الشيخ القاضي مجاهد الإسلام القاسمي رحمه الله في الليلة المتخللة بين 20-21/ محرم 1423هـ الموافق 4-5/ أبريل 2002م خَلَفَه في جميع أعماله العلميّة، ونظراته الفكريّة، وقيادته الفقهيّة، عن جدارة واستحقاق؛ فعُيِّنَ أمينًا عامًّا لمجمع الفقه الإسلامي بالهند؛ ولكنه في الواقع كلُّ شيء فيه، فهو الذي يدير دفته، ويهتمّ بتوفير الدعم الماله، ويشرف على إدارة مسيرته فيما يتعلق بعقد الندوات، وإقامة المؤتمرات، وتوحيد العلماء وكسب تعاونهم، وجمعهم على رصيفه رغم اختلاف وجهات النظر. وتلك أيضًا مزية له حفظه الله حيث يكسب القلوب المختلفة التي تخفق بهموم شتّى، ويجمعها بالقاسم المشترك المتمثل في قضايا الأمة الساخنة وشؤونها المصيريّة.

       ولئن كان لايزال أقصر قامةً من عمه العظيم الشيخ مجاهد الإسلام القاسميّ فلا بأس؛ فإن القامة لا تَفْرَعُ بين عشيّة وضحاها؛ وإنما تكبر شيئًا فشيئًا إذا استخدمها صاحبها بمسيرته المتصله على درب العلم والفضل، والتحرك والعمل، وحالفه التوفيق، وباركته السعادة، ورُزِق من الله مقومات لابدّ منها، من العلم الغزير، وثقوب النظر، والذكاء اللائق، ولياقة الطرح الشائق لقضايا الأمة، والبيان المشرق الأخّاذ الذي يملك القلوب، إلى جانب صلاح الباطن، ونزاهة النفس، والتواضع الساحر، والبساطة التي تجعل المرأ مُحَبَّبًا لدى كل أحد حتى يظنّ الكلُّ أنّه منهم. وذلك كلّه يجمعه الشيخ بفضل الله، ويتعامل معه، ويصدر عنه، مما نحت منه شخصيّةً علميَّةً فقهيَّةً فكريّة كتابيَّةً خطابيَّةً، كان ينتظرها الشعب المسلم إثر وفاة الشيخ القاضي مجاهد الإسلام القاسميّ، فوَجَدها مُتَمَثِّلَةً فيه. وإنّه منهمكٌ في أداء الدور، وحريصٌ على العطاء، ومُوَفَّق للعمل والأداء، كان الله معه وسَدَّد خطاه دائمًا على الصراط المستقيم .

 

*  *  *