مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، شعبان 1430 هـ = أغسطس 2009 م ، العدد : 8 ، السنة : 33

محليات

منظّماتٌ هندوسيّة تعمل جاهدةً على تحويل الهند دولةً هندوسيّةً محضةً بتعاون من"إسرائيل"

 

بقلم :  محمد معصوم المراد آبادي ، رئيس تحرير "خبر جديد" الأردية اليومية، دهلي الجديدة

تعريب :  م. ر. القاسمي البجنوري

 

ورقة الاتّهام ذات 4000 صفحة التي وُجِّهتْ إلى المتورّطين في التفجيرات التي شهدتْها مدينة "ماليغاؤں" إنما تفاصيلُها قد أطارتْ لبَّ الشعب الهنديّ؛ ذلك أن منظّمة "أبهينو بهارت" الهندوسيّة المتطرّفة التي قامت بتنفيذ هذه العمليّة الوحشيّة لم تكن تستهدف إلحاق الضرر بأرواح المسلمين وممتلكاتهم فحسب؛ وإنما كانت كذلك تعمل على تنفيذِ مشروعٍ خطيرٍ فيما يتعلق بتحويل الهند دولةً هندوسيّةً موحّدةً. ومما يثير بالغ القلق أنه لإنجاز هذا المشروع لم يُطْلَبْ من دولة إسرائيل السّلاح فقط؛ وإنما جرى استعدادٌ لإقامة المقرّ الرئيس للحكومة الانتقالية للدولة الهندوسيّة الموحّدة في العاصمة الإسرائيليّة: "تل أبيب".

       أفاد أحد ضبّاط "كتيبة مكافحة الإرهاب" (A.T.S) التي قدّمتْ ورقةَ الاتهام إلى المحكمة المعروفة بـ"مكوكا" الكائنة بمدينة "ممباي" أن الحوار المُسَجَّل الذي قد جرى بين كلّ من المستر العقيد "بروهت" والمستر العقيد "مهنت ديانند باندي" يفيد بأن إسرائيل لم تكن مطِّلعةً فقط على هذا المشروع للعقيد "بروهت"؛ بل كانت قد ترغب في تنفيذه في الهند أيضًا. من هنا سارعتْ إسرائيل إلى الاستجابة لمطالبتَين من المطالب الأربعة التي وُجِّهتْ من قبل أعضاء منظّمة "أبهينوبهارت" الهندوسيّة إليها، وكانت الأولى منها تنصّ على أن يتمّ تقديم الأسلحة لأعضاء المنظّمة من قبل إسرائيل إلى جانب القيام بتدريبهم، فيما كانت المطالبة الثانية تعني أن يتمّ قبول أعضاء المنظّمة في دولة إسرائيل كلاجئين سياسيّين.

       إن السفارة الإسرائيليّة بالعاصمة الهنديّة: دهلي الجديدة، وإن كانت أبدت براءةً من هذه القضية؛ لكن المعلومات الخطيرة التي اطّلعت عليها (A.T.S) من خلال "الليب تاب" (Laptop) للعقيد "ديانند باندي" إنما هي تؤكد في وضوح أن هناك أواصرَ وطيدةً عريقةً فيما بين القوى الفاشيّة النشيطة في البلاد وبين القوى الصهيونيّة؛ فمن هذا المنطَلق ظلّت ولاتزال تدافع "أسرة سانغ" الهندوسيّة المتطرفة عما تقوم به من تكريسِ وإدامةِ العلاقات بين الهند وإسرائيل.

       إن رفع اللثام عن ضلوع الإرهابيّين الهندوس في الانفجارات التي حصلتْ في مدينة "ماليغاؤں" لم يكن يقلّ افتضاحًا، حتى أن القضية أخذت منعطفًا خطيرًا من أجل تورّط إسرائيل التي هي أعدى أعداء الإسلام فيها. وإن ازدهار علاقات "أسرة سانغ" مع أكبر قوّةٍ غاصبةٍ غاشمةٍ في العالم لايقلّ عن الضربة القاسية بالنسبة للأمن والتنسيق والاتحاد للبلاد؛ فلأجل ذلك قد مسّت الحاجة إلى أن يتمّ البحث عن جميع العوامل من وراء هذا التحالف الفاسد، وتقويضُ دعائمه كليًّا.

       الموادّ التي اكتُشفتْ من "الليب تاب" للعقيد "ديانند باندي" والتي تتضمنها ورقةُ الاتّهام الموجَّهة من قبل (A.T.S) في ولاية "مهاراشترا" جاء فيها تصريحٌ من قبل العقيد "بروهت" مفاده: إني قد تمكّنتُ من الاتصال بإسرائيل، وذهب أحد نُقَبائنا إليها؛ فقد تلقّينا من قبلها ردَّ فعلٍ إيجابيًّا جدًا. وصرّح الرجل بأن إسرائيل قد طالَبَتْنا بأن نقوم بأيّ صنيعٍ بطوليٍّ. وقالت: سوف نحن ننتظر إلى الأشهر الستة المقبلة بفارغ الصبر. وتقدّمنا إلى إسرائيل بأربعة مطالب. 1- لابدّ من مواصلةِ التدريب وتصدير الأسلحة إلينا. 2- ليتمّ لنا السماحُ بإقامة مقرّ في عاصمة "تل أبيب". 3- ليتمّ قبول أعضائنا كلاجئين سياسيّين هناك. 4- لتؤيدنا إسرائيل في الأمم المتحدة حتى تعترف بالهند دولةً هندوسيّةً موحّدةً. وحسب ما قال العقيد "بروهت": إن إسرائيل قد خضعتْ لمطالبتَين من مَطَالبنا الأربعة؛ لكنها تأبى أن ترفرف العلم الأصفر الفاقع (اللون الذي يُعتبر شعارًا دينيًّا لدينا) على مقرّنا في عاصمة "تل أبيب"؛ ذلك أنها لاتريد أن تعكّر صفو العلاقات مع الهند، على أنها لاتستعدّ لأن تساندنا على رصيف عالميّ لحدّ الآن.

       ولايغيبنّ عن البال أن هذه التفاصيل كلَّها بشأن العلاقات بين منظّمة "أبهينوبهارت" ودولةِ إسرائيل قد اطّلعت عليها (A.T.S) عن طريق "الليب تاب" المتَّهم بالتُّهم الخطيرة للعقيد "ديانند باندي" الذي قد سبق أن تجمّلتْ بقصصه الكثيرةِ صفحاتُ الصحف؛ فمن هنا كان قد استغاث المستر "باندي" برجال الشرطة باكيًا وهو يقول: لِتُطْلقوا أنتم عليّ الرصاص؛ ولكنه ليس لكم أن تمسّوا "الليب تاب" هذا!؛ ذلك أن "الليب تاب" لم يكن يتضمّن سرائرحياته الملوَّنة والصُّوَر السافرة للفتيات فحسب؛ وإنما كان كذلك يحتضن وثائق مذهلةً للعقل في شأن تفجيرات مدينة "ماليغاؤں". الأمر الذي يجعل الإنسان يعضّ على أنامله ذعرًا وهلعًا.

       إن (A.T.S) قد وصفتْ ضابطَ القوّات السابق العقيد "برساد بروهت" في ورقة الاتّهام التي تقع في 4000 صفحةٍ بأنه كان متوليًا كبرَ هذه المؤامرة؛ فقد جاء فيها: إن العقيد "بروهت" قد قام بتوفيرِ شحنةٍ ناسفةٍ للتفجيرات، كما اتُّهِمَتْ السيّدة "سادهوي برغيا سينغ تهاكر" العضو البارز "لأسرة سانغ" بالضلوع في التفجيرات كمجرمٍ هامٍّ؛ لأنها هي التي قد قامت باختيار الأفراد لإلقاء شحنة ناسفة في المناطق المسلمة بمدينة "ماليغاؤں".

       أفادت ورقةُ الاتّهام الضخمة التي تم تقديمها إلى محكمة "مكوكا" الخاصّة: أن العقيد "بروهت" قد سبق له أن قام بتأليف منظمةٍ باسم "أبهينوبهارت" عام 2007، كانت تستهدف إقامة دولة هندوسيّة موحّدة. وحسب ما صرحت الوثائق: قد أحرز الرجل 2100000 روبية من أجل نشر نظريّته المتطرّفة؛ فقد بدئ عقد سلسلةٍ من الاجتماعات لإنجاز هذا المشروع ابتداءً من يناير 2008م التي جرتْ في كلّ من مدينة "فريدآباد" و"بهوفال" و"كولكاتا" و"جبل فور" و"إندور" و"ناسك".

       وقد سَجَّلت (A.T.S) في ورقة الاتّهام أسماء 11 شخصًا بمن فيهم 8 تمّ إلقاء القبض عليهم و3 قد تمكّنوا من الفرار. وقالت ورقة الاتّهام: إن السيّدة "سادهوي برغياسينغ تهاكر" قد حضرتْ بمجرمَين هاربَين: "رام جي" و"سنديب دانغ" خلال الاجتماع الذي تمّ عقده يوم 11/ يونيو 2008م في قاعة مضيف دوريّات المسؤولين (Circuit House) بمدينة "إندور"، وأتاحت لهما أن يجتمعا بمساعدِهما العقيد "ديانند باندي". وأضافت الوثائق أن المدعوّ بـ"راكيش دهوادي" الخبير في صناعة الأسلحة قد سبق له أن قام بتدريب كلّ من "رام جي" و"سنديب دانغ" إلى جانب مجرمٍ آخر مدعوٍّ بـ"بروين ملك" الذي نجح في الفرار بشأن إعداد الشحنة الناسفة بمدينة "بونا". والحق أن هذه الشريحة المنظَّمة المكوَّنة من كبار الجناة إنما كانت نشيطةً منذ عام 2003م تحت قيادة العقيد "بروهت"، حتى تمكّنت أخيرًا من القيام بتفجيرات مدينة "ماليغاؤں".

       تأسست منظّمة "أبهينوبهارت" لأول مرة عام 1893م، وقد قادها آنذاك زعيم منظّمة "آر، ايس، ايس" الهندوسيّة المستر "ويرساوركر"، وهو الذي قد ابتكر مصطلح "هندوتو" عام 1923، ثم حُلَّت منظّمة "أبهينوبهارت" عام 1952م؛ لكنها أعيد إنشاؤها مجدّدًا عام 2006م، وذلك بهدف مواجهة النشاطات المعادية للهندوسيّة. وجديرٌ بالذكر أن المنظّمة انتعشتْ من جديد على يد السيّدة "هماني ساوركر" التي هي بنتُ أخٍ للمدعوّ بـ"ناتهو رام غودسي" الذي كان قد باشر اغتيالَ الراحل المستر "غاندي" وزوجةٌ لابن المستر "ويرساوركر". ومما يثير الاستعجاب أن ورقة الاتّهام التي قدّمتها (A.T.S) إلى المحكمة لاتذكر بشكلٍ اسمَ "هماني ساوركر" كما لم تشر إلى الكليّة العسكريّة بـ"بهونساليه" التي تقوم بإدارتها منظّمة "آر، ايس، ايس" الهندوسيّة وكان قد تمّ فيها تدريبُ الإرهابيّين.

       ومنظّمة "أبهينوبهارت" إنما حدّدتْ في مقدمة مبادئها: "استقلال الهند" و"الحفاظ على الهند" كأهدافٍ لها، كما أن المنظّمة كانت تودّ أن تتبنّى "علمًا أصفر" كرَايةٍ لها يتضمّن طرفًا ذهبيًّا ويتوسّطه قنديلٌ ذهبيٌّ.

       أفادت (A.T.S) في "ولاية مهاراشترا" أن العقيد "بروهت" قد سبق له أن أرسل رجلاً له مصحوبًا برسالةٍ موجَّهةٍ من قبل منظّمة "أبهينوبهارت" إلى السفارة الإسرائيليّة بدهلي الجديدة في نهاية 2006م وفي غرّة 2007م، تضمّنتْ مطالبةَ إسرائيل بالدعم. وحسب ما أفادت المصادر: إن الرجل الذي قد حمل رسالةَ "بروهت" إلى السفارة الإسرائيليّة، يُعتبر في القضية التي قام برفعها رجالُ (A.T.S) إلى المحكمة كشاهدٍ ذي أهميّة. ومن جانبها قد أبدت السفارة الإسرائيليّة عدم معرفتها بهذه الأمور كلّها قائلةً: إن السفارة تعلن أنها لاتمتّ إلى هذه المجموعة بأيّ صلةٍ؛ ذلك أنها – السفارة – تعادي الإرهاب بكلّ أنواعه وأشكاله. وهذا التصريح قد أدلىٰ به نائب السفارة المستر "إيلي بيلوت سركوسكي" في مقابلةٍ أجرتها معه صحيفة Mail Today الإنجليزية اليومية، بيدَ أن السفارة مارفضتْ استلام أيّ رسالةٍ بهذا الصدد؛ ذلك أن السفارة – على ما صرّحتْ – قد تَرِدُها رسائلُ من كلّ نوع، والمهمّ هو الردود التي تكتبها السفارة عليها.

       وجديرٌ بالدراسة أنه لم يتمّ تسجيل دعوى الخروج على البلاد ضدّ العقيد "بروهت" بعدُ، رغم كونه متورّطاً في النشاطات المعادية للبلاد أثناء توليه الوظيفةَ العسكريّة الهنديّة. ولم يعد يخفى على أحد أن منظّمة "أبهنيوبهارت" الهندوسيّة المتطرّفة قد تفرّعتْ في الواقع من "أسرة سانغ" الهندوسيّة. وإلى أيّ حدٍّ أقدمتْ المنظّمة على تحويل الهند دولةً هندوسيّةً موحّدةً يمكن تقدير ذلك من خلال ورقة الاتّهام الموجَّهة من قبل (A.T.S) كما أن منظّمة "آر، ايس، ايس" إنما تستهدف أساسًا إقامة دولة هندوسيّة موحّدة مما جعلها نشيطةً منذ عام 1920م. هذا، والأواصر بين "إسرائيل" و"أسرة سانغ" الهندوسيّة هي الأخرى ليست حديثةً؛ ذلك أن القاسم المشترك فيما بين أهدافهما هو أنهما ظلَّتا تعملان بمؤامراتٍ مدروسةٍ، وتبذلان مجهوداتٍ عمليةٍ في سبيل القضاء على المسلمين، وإنّ ما ظلّتْ تمارسه إسرائيل من الاعتداء على الفلسطينيّين الأبرياء العزّل، لاتزال تقوم بمثل ذلك "أسرة سانغ" بشأن المسلمين في الهند، غير أنه هي المرة الأولى في تاريخ الهند التي اجتمعتْ فيها مؤشراتٌ بهذا الشكل ترفع اللثام عن مؤامرات "أسرة سانغ" البشعة الخطيرة التي اتُّخذتْ ضدّها تدابير قضائية في أعقاب إلقاء القبض على المتورّطين في تفجيرات مدينة "ماليغاؤں".

       التحالف الذي يعقده هؤلآء العناصر المتطرّفة المعادية للبلاد والمسلمين مع دولة إسرائيل المحتلّة لأرض فلسطين من شأنه أن يهدّد الأساس العلمانيّ للبلاد إلى جانب الإضرار باتحاد وائتلاف البلاد. وحسب ما تقرَّر في الآداب الدبلوماسيّة: إذا كانت هناك سفارةٌ تقوم بالنشاطات اللاشرعيّة الهدّامة لدى البلاد المستضيفة، فلا يكون الإجراء ضدّها أقلّ من أن يتمّ تهجيرُ ذلك الرجل الدبلوماسيّ الذي يعمل لديها – السفارة – .

       والآن نحن ننتظر ما إذا كانت الحكومة الهنديّة تتخذ إجراءاتٍ مّا ضدّ السفارة الإسرائيلية بعدما تمّ كشف اللثام عن تورّط السفارة في نسج المؤامرة ضدّ البلاد. فإن لم تُعِرْ الحكومةُ الهنديّةُ هذا الجانب عنايةً مّا عاجلةً؛ فلا يُستبعد أن تتمكّن دولة إسرائيل من الاتصال بشريـحةٍ من نوعٍ آخر عاملةٍ على نسج المؤامرة لأجل الفتك بالهند؛ فالحاجة ماسّةٌ إلى أن تأخذ الحكومة القضيّةَ بأبعادها؛ لكي يتمّ العثور على أن إسرائيل كيف وكم تلحق الضرر بالهند صادرةً عن عقليتها الشريرة.

(صحيفة "خبردار جديد" الأرديّة الأسبوعيّة الصادرة بدهلي الجديدة، العدد: 22، السنة:18)