مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، ذو القعدة 1430 هـ = نوفمبر 2009 م ، العدد : 11 ، السنة : 33

 دراسات إسلامية

اليهود والظواهر الغريبة

(1/3)

 

بقلم : الدكتور نعمان عبد الرزاق السامرائي

 

منذ أقدم العصور والبشر يترك مسقط رأسه ويهاجر إلى أماكن أخرى، وبعد جيل أو أكثر ينسى هؤلاء وطن الآباء، ولا يجدون شوقًا إليه ولا رغبةً في زيارته.

     هذه الموجات البشرية التي خرجت من شبه جزيرة العرب لتستوطن أطرافها، نسيت موطنها الأصلي كليًا. ومثلهم القبائل الجرمانية التي توجّهت إلى جنوبي أوروبا. وهؤلاء سكان أمريكا وأستراليا خير شاهد .

     ولكنّ أمةً واحدةً جاءت شاذّةً هم "اليهود" فعلى الرغم من أنهم جاؤوا "فلسطين" من بلاد أخرى، إلا أن نوعًا من "العشق الصوفي" ظل مشتعلاً في نفوس اليهود نحو هذه الأرض، وقد مضت قرون وقرون وهذا "العشق" لم يمت بل هو يتوهّج، فما الذي يذكي جذوة هذا الحب؟ هذا صبي اسمه "بروخوف" يتفق مع صبي آخر فيتركان مدينة (بولتافا) في روسيا ويتوجّهان مشيًا إلى "فلسطين"، ثم يعثر عليهما بعض معارفهما ويردهما إلى ذويهما.

     ثم لا يلبث الصبيّ أن يجمع بعض النقود ليكرِّر نفس العملية الفاشلة ويمر الزمن ويكبر الصبي وصبح ثوريًا ماركسيًا متعصِّبًا؛ ولكنه لا ينسى "فلسطين"، ولا تغيب عن قلبه(1) (لقد انضمّ مؤسس بولي صهيون (بروخوف) إلى صفوف الثوريين الاشتراكيين الديمقراطيين في روسيا، واعتنق بحماس القلسفة الماركسية؛ ولكنه طوال ذلك لم يغمض عينيه عن "فلسطين"، كنهاية المطاف للخلاص اليهودي، لم ير "فلسطين" قط، وكانت معلوماته عنها محدودةً جدًا... ومع ذلك فإن ذلك القطر ظل مركزًا لاهتمامه ونضاله طيلة حياته السياسية) فما سبب ذلك؟

     وهذه صبية وُلدت في وسط "روسيا"، هاجر أبوها إلى أمريكا؛ ثم لحقت به مع أمها وأختها، حتى ألقت عصاها في "نيويورك"، تدفع رشوةً هنا وهناك حتى تصل، كل ذلك قبل عام 1900م.

     وفي "نيويورك" تقف الصبية الماركسية لتخب باليهود حين يخرجون من الكنيس، حتى أن والدها ليشعر بالخجل ويُهدّدها إن هي وقفت على الصندوق وتكلمت ليسحبها من شعرها ثم ينزلها؛ لأنه كيهودي لا يحتمل مثل هذا العار.

     بعد مدة تنقطع عن الدراسة وتهاجر إلى "فلسطين" تاركةً عائلتها، وتنضم إلى مستعمرة زراعية في الجليل حيث الملاريا، والشرب من الزير، والاستنارة بمصباح النفط وعدم توفر حتى الدوش والسلك على الشباك .

     هذه الصبية الماركسية ما الذي اقتلعها من "أمريكا" ورماها في الجليل حيث المستنقعات والبعوض والملاريا والعمل الشاق؟.

     تقول كولدا مائير(2): (لا أنسى أبدًا تلك الأيام التي مرّت عليّ وأنا في (الكيبوتز) وكيف كنت أعود للبيت مساءً كل يوم، وبالكاد استطيع رفع أصابعي إلى فمي لتناول الطعام.. لقد كان تركي غرفة الطعام أسهل عليّ من رفع يدي بالشوكة إلى فمي...) وذلك؛ لأن العمل كان شاقًا وفي ظروف صحية سيئة، تصفها بقولها(3) (... تتفشى الأمراض بين معظم العمال، كالملاريا، والدزنتاريا وحمى الباباتاشي، ولعل ممارستهم السباحة في المستنقعات، وتناولهم للطعام دون غسل أيديهم، بعد العمل من الأسباب التي ساعدت على تعاظم انتشار الأمراض) وتصف شعورها قائلةً(4) (لا أتضايق إذا ما أخذ الجزار ورقةً من الأرض ولف بها اللحم الذي آكله، الواقع كان هناك نوع من التعويض عن هذه الصعوبات هو وجودي في المكان الذي أحببت، أي في البلد اليهودي الوحيد في العالم، حيث الجميع يشعرون بنفس الشعور، ويشاركون بتحقيق نفس الأهداف، سواء أكانت ماضيةً أوحاضرةً، من سائق الأتوبيس إلى كبار الملاك، الكل يسرعون لبيوتهم للتحضير من أجل عطلة البست، وبالرغم من أننا قدمنا من بلدان مختلفة، ونتكلم لغات عدةً، ولنا ثقافات وعقائد مختلفة، كنا إخوةً، وندين بالولاء لبعضنا، ويربطنا رباط مقدس وهو "فلسطين"، فهي المكان الوحيد الذي يجب أن نعيش فيه، هربًا من حياة المكابدة والعناء، هنا فقط يستطيع اليهود أن يكونوا أسيادًا لا ضحايا القدر).

     هذا كلام واحدة روسية الأصل أمريكية الثقافة، تصف نفسها بأنها ماركسية العقيدة. وهي تقول عن نفسها(5) (لست متدينةً؛ ولكني أعلم بأنه لولا الدين لاختفينا من الوجود). فما رأي بعض الحكام العرب بهذا؟؟.

     وتصف نساء المشتعمرة – وهي منهن – وما يلبسن فتقول(6) (الفتيات كن يرتدين نوعًا من الثياب الخشنة، المصنوعة بأيد عربية، حيث يجعل للثوب ثقوب ثلاثة، واحد للرأس، واثنان لليدين، ويشد الوسط بحبل ...).

     هذه عباءة من الصوف يصنعها الفلاحون، وتحاك بالنول وهي خشنة قاسية لا تلبسها حتى نساء الفلاحين؛ بل هي للرجال فقط.

     وهذا (جابوتنسكي) الملحد وأستاذ بيغن يكتب لأخته رسالةً يقول فيها(7): (... بعد سنوات من العواصف والأهوال، ربما ضمن حياتي وحياتك، ستظهر "فلسطين" يهوديةً، مكتظةً بالسكان على ضفّتي النهر الأردن، أما هل سيكون ذلك البلد مكانًا مريحًا أم لا، فهذا موضوع آخر).

     وهذا شبتاي بن زفي يُعلن في "تركيا" أنه المسيح المخلص، فيصدقه على الفور يهود اليمن، حتى راحوا يبيعون أثاثهم استعدادًا لذلك، وفي نفس الوقت كان اليهود يقفون في شوارع أمستردام، فلمّا سألهم الهولنديون عن سبب وقوفهم قالوا: نحن ننتظر المخلص وقد ظهر.

     ومعلوم أن كثيرًا من الصلوات اليهودية تنتهي عادةً بعبارة: (في العام القادم سنلتقي بفلسطين).

     حتى الأموات الذين يبعثون يوم القيامة، من كان منهم في "فلسطين" فسينهض كالعشب إذا نزل عليه المطر، أمّا من كان خارج فلسطين فعليه أن يزحف على بطنه عبر فجوات الأرض، كي يصل إلى الديار المقدسة(8). وخبز "فلسطين" ما دعمه(9)؟ (إن الخبز في أرض إسرائيل له من جودة الطعم ما يجمع كل النكهات الطيبة لكل ما على الأرض من طعام) هذا مع العلم بأن الطحين اليوم أمريكي، والعامل عربي، فمن أين تأتيه هذه "الجودة"؟

     في عام 1179 كانت جماعة من اليهود مسافرةً من "كولونيا" في "ألمانيا" وبمحاذاة نهر الراين، ووجدت على الطريق امرأةً نصرانيةً قتيلةً، فاتّهمت حكومة الولاية اليهود بقتلها، وخيرتهم بين القتل أو اعتناق النصرانية، ولما لم يستجيبوا لطلب الحكومة قامت بإلقائهم جميعًا في نهر الراين(10) . لقد فضلوا الموت غرقًا على الردة دينهم .

 

ثقة بالنفس أم غرور ؟

     إذا تحدّث إنسان عن نفسه بشيء من الاعتزاز، فيمكن أن يقول صديقه: هذا إنسان واثق بنفسه، أما عدوّه فيصفه بأنه مغرور. واليهود عمومًا يتحدثون عن أنفسهم وكأنهم من طينة خاصة، فهم فوق البشر جميعًا، أليسوا من شعب الله المختار، الذي انتقاه من بين سائر الشعوب؟ الواقع أن اليهود ما زالوا يسعرون هذه الجذوة، ولا يسمحون لها أن تخمد، فهي كنار المجوس، يجب أن تبقى مشتعلةً أبدًا.

     وهذه بعض الأقوال التي تكشف عن هذا التصوّر أو تفلسفه :

     1- أحاد هعام: وهو اسم متسعار للكاتب الروسي (أشر غنز برغ) 1898م، هاجر إلى "فلسطين" مع أوائل المهاجرين، ثم اختلف مع الصهاينة وهاجر إلى أمريكا. يقول هذا الكاتب(11): (من الطبيعي أن يسلم بحقيقة وجود درجات كثيرة في سلم الخليقة، مرورًا بظهور الكائن غير العضوي فالنباتات، والمخلوقات القادرة على النطق، يتقدمها جميعًا الجنس اليهودي). لماذا هذا التقدم وما الدليل؟

     ويحاول أن يعلل ذلك فيقول(12): (بقينا ثلاثة آلاف عام يهودًا ولم يكن في وسعنا أن نكون غير ذلك؛ لأن هناك قدرةً قويةً عليا ربطنا إلى اليهودية، وهكذا فإن اليهودية حية في أعماقنا، وإلى جانبها كل الغرائز والمواهب الطبيعية التي تتطور في أعماقنا منذ وُلدنا).

     إذا كان الأمر كذلك فلا فضل لليهود؛ بل الفضل للقدرة العليا.

     2- يرى أ. بارتال(13) (أن الثقافة اليهودية هي روح الشعب اليهودي، وهي في الحقيقة القوة المحركة، إنها الداينمو القائم من وراء الثقافات الأخرى، ولا سيما الثقافات الأوروبية).

     إذا سلمنا بأن الثقافة اليهودية، هي روح الشعب اليهودي، فما الدليل على أن هذه الثقافة هي المحرك للثقافة الأوروبية؟؟.

     الذي نعلمه أن بعض الذين خرجوا على اليهودية، قد قدّموا نظريات وأفكارًا، فهل يقصد الكاتب هؤلاء؟

     3- ولقد ذهب "موسى هس" ملك العنصرية لأبعد من ذلك حين قال(14): (إن خروج اليهود من أوروبا سيحرمها من عطاء اليهود الأخلاقي؛ ولكنّ تجميعهم في "فلسطين" سيخلق القاعدة التي تعلم الغرب دروسًا في الحياة). فما هي تلك الدروس؟؟.

     4- ويرى نوردو(15) (أن اليهودي يمتلك من الجراءة والكفاءة أكثر مما يمتلكه الأوروبي العادي المتوسط، ناهيك بالأسيويين والأفريقيين).

     والسؤال: هل ينطبق ذلك مثلاً على يهود اليمن والفلاشا؟؟

     شهادة جولدا مائير عن مهاجري اليمن أنهم كانوا أميين قذرين، يرفضون استعمال الحمامات ولا يجيدون صنعةً ولا حرفةً.

     ومثلهم يهود "إيران" كما وصفهم الصحفي اليهودي سجيف في كتابه (المثلث الإيراني، العلاقات السرية الإسرائيلية الإيرانية الأمريكية).

     5- يقول مارتن بوير(16) (إن الإسرائيليين شعب فريد، يختلف عن بقية الشعوب الأخرى، فهو الشعب الوحيد الذي يعتبر شعبًا، وفي الوقت نفسه يعتبر مجتمعًا دينيًا، وكل من يقطع العلاقة بين هذين العنصرين، يقطع حياة إسرائيل نفسها). وهل يصدق أحد أن يهود روسيا وألمانيا وهولندا وأمريكا والفلاشة ويهود إيران والهند وسرلانكة والصين، واليهود الأتراك والعرب والأكراد، كل هؤلاء ينتمون لشعب واحد؟؟

     إنهم طائفة دينية، جمعت عدة شعوب، كما جمع الإِسلام والنصرانية شعوبًا عدةً.

     6- ويذهب حاخام كيمبرج نفس المذهب فيقول(17): (إن الشعب اليهودي شعب منفصل، لا شأن له بما يجري لدى بقية السكان الإنكليز) لذا فهو يعارض في دخولهم البرلمان وقد وصف اللورد (أشلي) بعض اليهود بالكفار؛ لأنهم يفضلون الجلوس في مقعد في مجلس العموم، على الجلوس تحت أشجار الكرم والتين في الأرض المقدسة.

     وحذر (شختر) من اندماج اليهود، معتقدًا بأن ذلك يؤدي للكفر، وقطع علاقة اليهودي بالكنيس(18).

     7- تحدث "موشى أرين" الاشتراكي أمام البرلمان الإِسرائيلي فكان مما قال(19): إنه كاشتراكي لا يؤمن بالدين، ومع ذلك فإن إيماننا العميق، الذي لا يقوم على أي أنظمة أو برامج حزبية، يؤكد بأن اليهودي الذي يعتنق دينًا آخر، يقطع بعمله هذا علاقته بالمجموعة وبالشعب، نظرًا لأن الدافع لذلك ليس الإِيمان ولا المعتقد، وإنما الرغبة في الهروب من مصير الشعب ومعاناته ونضاله.

     والسؤال: هذه خطبة لعلماني اشتراكي أم موعظة من حاخام في الكنيس؟ وما الدليل على أن الدافع وراء تغيير الدين هو الهروب؟؟

     8- يتحد ملك العنصرية (هس) حديثًا غريبًا فيربط بين إصلاح الأرض، وتقديم العالم الولاء لليهود فيقول(20): (سيعيد رأسمالكم الحياة للأرض القاحلة، ويحول عملكم وجهدكم مرةً أخرى التربة القديمة إلى وديان مثمرة، بعد أن تنقذوا الأرض من براثن رمال الصحراء الممتدة، بعد ذلك سيقدّم لكم العالم من جديد آيات الولاء والاحترام) هل كل من يصلح أرضه ويزرعها يقدّم له العالم الولاء أم ذلك خاصّ بالهيود؟ وما هو السرّ وراء ذلك؟.

     9- يقارن "روبين" بين اليهود وغيرهم، فيرى أنه غير اليهود (قد يمتلكون بعض جوانب التفوق أما اليهود(21) (فيما يتعلق بالمواهب الذهنية فاليهود شعب لا يُعلى عليه) ومرةً ثانيةً هل يشمل ذلك يهود اليمن والفلاشا ويهود إيران؟؟

     10- أما هرتزل الذي طالما وصف اليهود بأقبح النعوت فيرى أن اليهود عليهم أن ينقلوا للعالم أشياء كثيرةً(22) (كم هي إلهية الأشياء التي علينا أن ندخلها في رؤوس الشعوب الأخرى) علمًا بأن الرجل ملحد .

     إلا أن محامي اليهود سارتر له شهادة يقول فيها: إن اليهود متهمون بثلاث تهم كبرى، وهو يؤيد هذا الاتهام، ويدافع عنه فيقول: يتهمهم العالم بمحاربة الوحي ونشر العقلانية بدله، وبجمع المال وتكديسه، وبتعرية الأجساد، وللحقيقة فإن العالم يتهمهم بأكثر من ذلك، كنشر الربا، والفساد الخلقي ومحاربة الأديان.

     11- ويرى "موسى همس"(23) أن الشعب اليهودي ليس موهوبًا بذكائه وثقافته فقط؛ بل هو أيضًا متفوق في الزواج، وأن الحب الأمومي عنده متغلب على الحبّ الجنسيّ؛ بل إن القلب اليهودي وحده يستطيع أن يفسح مجالاً للحب الحميم تجاه العائلة، واليهود وحدهم قادرون على الارتقاء روحيًا علمًا بأن الرجل عالم أنتربولوجي مشهور. فماذا بقي للبشرية بعد هذا؟؟ ألا يمكن أن يدعي "هس" بأن غير اليهود لا عواطف لهم، أو يتنفسون من منخر واحد، أو يولدون بلا عقل؟؟.

*  *  *

الهوامش :

 

(1)    تكوين الصهيونية خالد القشطيني ص 68 الطبعة الأولى.

(2)    يوميات قادة العدو جولدا مائير ص 77 الطبعة الأولى.

(3)    يوميات قادة العدو جولدا مائير ص 79.

(4)    المصدر السابق ص 72.

(5)    تكوين الصهيونية ص 245.

(6)    يوميات قادة العدو جولدا مائير ص 79.

(7)    تكوين الصهيونية ص 69.

(8)    المصدر السابق ص 62.

(9)    المصدر السابق ص 61.

(10)الشخصية الإِسرائيلية ص 72 د. حسن ظاظا الطبعة الأولى.

(11)الصهيونية حركة عنصرية مؤتمر طرابلس ص 36 طبعة الأولى.

(12)الصهيونية حركة عنصرية مؤتمر طرابلس ص 37 طبعة أولى.

(13)الصهيونية حركة عنصرية مؤتمر طرابلس ص 37 طبعة أولى.

(14)تكوين الصهيونية ص 58.

(15)الصهيونية حركة عنصرية ص 38.

(16)الصهيونية حركة عنصرية ص 48.

(17)تكوين الصهيونية ص 238.

(18)تكوين الصهيونية ص 239.

(19)تكوين الصهيونية ص 245.

(20)الصهيونية والعنصرية مؤتمر بغداد ص 1/89 طبعة أولى.

(21)الصهيونية والعنصرية ص 1/119.

(22)الصهيونية والعنصرية ص 1/119.

(23)    الصهيونية والعنصرية ص 1/24.