مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، الهند ، ذو الحجة 1430 هـ = ديسمبر 2009 م ، العدد :12 ، السنة : 33

 الفكر الإسلامي

الضوابط العامة لسنن اللّه الإلهية

(2/3)

 

                                                                                                                             بقلم : د . رشيد كهوس أبو اليسر

                                                                                                                                              جامعة محمد الأول المغرب الأقصى

 

4- العموم(25):

       المقصود بعموم سنة الله، كون حكمها يسري على الجميع بدون استثناء؛  لا تستحيي من أحد  ولا تحابي أحدًا، بغض النظر عن كونه مؤمنًا أم كافرًا، أو أبيض أو أسود، أو عربيًا أو عجميًا، يعيش في رقعة إسلامية أو غير إسلامية، غير مقتصرة على هذا أو ذاك، الكل سواسية أمام حكمها، وصدق الله تبارك وتعالى القائل: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾(26) ، والقائل أيضا:﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾(27)، فالقضية ليست انتماءً إلى رقعة إسلامية، أو جنس عربي أو غير ذلك، وإنما القضية قضية عمل وجزاء، وفي هذا السياق يقول الشيخ ابن تيمية – رحمه الله–:" الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرةً، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنةً"(28).

       وعلى الرُّغم من ذلك فالغاية من ذكر أحوال الأمم الغابرة هي "أن تترسخ السنة في نفوس المؤمنين، وأن يفهم الناس أن الآخر سيُفعل فيه ما فُعل في الأول حين يسير في طريقه. وكل تلك القصص والأخبار تتلوها تعقيبات تؤكد هذه السنة والقاعدة التي صارت علمًا"(29).

       ومن هنا، فلولا عموم سنة الله واطرادها وثباتها لما ذُكرت لنا قصص الأمم السابقة، إذ ما يجري عليها يجري على غيرها في باقي الأزمان والأمصار، فأي أمة تنكبتها –أي سنة الله- لقيت جزاءها عاجلاً أم آجلاً، وهذا ما سجله القرآن الكريم في غزوة أحد، لما أخطأ الرماة وخالفوا الأوامر النبوية لقوا جزاءهم، قال الحق جل ذكره: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(30)، فلا محاباة ولا تمييز أمام سنة الله.

       كما خصص القرآن الكريم جانبًا كبيرًا من سوره لعرض قصص الغابرين، لينبهنا ويلفت أنظارنا  إلى ما آلت إليه تلك الأمم من تغير أحوالها إيجابًا أو سلبًا؛ حين اختارت لنفسها طريقًا معينًا، ولينبهنا كذلك  إلى أن المجتمعات البشرية محكومة بنوع من السنن والنواميس المطردة الثابتة العامة، التي تضبط حركتها وتطورها، وتحدد مصيرها في النهاية.

       وهكذا فإن ما وقع للأمم والمجتمعات الماضية  "التي تكررت وقائعها رغم اختلاف أشكالها وتباين الظروف الزمنية والمكانية التي وقعت فيها، يسجل القرآن الكريم  وجود قانون أو سنة كونية [مطردة] تحكم سير هذه المجتمعات كما دل على ذلك استنطاق جزئياتها؛ إذ يصرح القرآن أن لله سننًا في الأمم والجماعات، يدعو إلى التفكير فيها والتدبر في مغزاها واكتشاف دلالتها الاجتماعية ولمس معانيها التاريخية (...) الحديث القرآني يكشف على أن هناك حوادث تاريخية متشابهة في دلالتها ومضمونها وإن اختلفت في شكلها، وهذا التماثل هو الذي يضمن لهذه الحوادث نوعاً من التكرار والاطراد، ومن ثم يخبر القرآن الكريم أن هذا الاطراد غير قابل للتبديل والتحويل (...).

       وهذه السنن لها وظيفة اجتماعية هامة فهي تكشف عن أسباب الخلل وتزيل الستار عن أسباب الدمار وتثير في الإنسان فطرة الخير والصلاح، وتدعوه إلى الاستقامة ومراجعة مواقفه ووقفاته والعمل على ضبط حركاته. ومن جهة تكشف هذه السنن عن تجربة تاريخية كاملة تجد فيها الشعوب والجماعات ما ينير طريقها ويفتح بصيرتها للوقوف على نتائج اختيارها"(31).

       وبناءً على ذلك؛ فإن النواميس التي يتحدث عنها القرآن الكريم تتميز بأنها نواميس مطلقة صالحة لكل زمان ومكان، متى توفرت مقوماتها وتحققت شروطها الموضوعية في الزمان والمكان، فهي عامة.

       هذا، والآيات الدالة على عموم سنة الله كثيرة، أذكر منها، قوله جل جلاله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾(32)، وقوله تقدست أسماؤه: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾(33).

       وقوله جلت قدرته: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾(34).وقوله جلت عظمته: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾(35).

       فليس "المراد من السير في الأرض هنا خصوص السفر؛ بل مطلق التعرف على أحوال الماضين بأي سبيل، وليس من شك أن من المفيد للعاقل أن يبحث عن أحوال الناس، ويطلع على الأسباب الموجبة لضعفهم، أو قوتهم، فيتعظ ويعتبر، ويسترشد إلى ما فيه خيره وصلاحه، ومن أجل هذا قال عز من قائل: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾(36). هذا إشارة إلى ذكر السنن الحكيمة التي من سار عليها ظفر، ومن تنكبها خسر.. ولابد من البيان للناس كافةً، ليكون حجةً على من عصى، وهدى وموعظةً لمن اتقى، فإنه السبيل الوحيد الذي يميز العاصي والمطيع.. ولولا البيان لا طاعة ولا عصيان"(37).

       إضافةً إلى ذلك، فقد تحدثت السنة المطهرة عن عموم سنة الله، أذكر منها حديثًا واحدًا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ r فَقَالَ : ﴿يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ! خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلاَفِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا. وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ،إِلاَّ أُخِذُوا بِالسِّنِينَ(38) وَشِدَّةِ الْمَؤُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ. وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلاَّ مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلاَ الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا. وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ، إِلاَّ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ. وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ، إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾(39).

       لقد كان الأمر كذلك، أخذ الأعداء بعض ما في أيدينا –كما جاء في الحديث الشريف –، ضاعت الأندلس "الفردوس المفقود" كما تسمى، واغتصبت "فلسطين"، واحتلت بلاد ما وراء النهر، ومُزِّق "العراق"، وخربت دولة آل عثمان، وسقطت دول... كل هذا نتيجة مخالفة سنة الله التي لا تحابي أحدًا.

       أليس هذا دليلاً كافياً على عموم السنن الإلهية، وكون هذا العموم ضابطاً من ضوابطها.

5- الواقعية:

       فإذا كانت سنن الله ربانية المصدر، فيكون طبيعياً أن تكون واقعيةً، تتعامل مع حقائق موضوعية ذات وجود حقيقي الموضوعية، وأثر واقعي إيجابي، ومع الواقع المشهود،  لا مع تصورات عقلية مجردة، ولا مع مثاليات خيالية  لا مقابل لها في حياة الناس ولا وجود.

       ثم إن الناموس الذي يضعه الله تبارك وتعالى للحياة البشرية يحمل طابع الواقعية كذلك؛ لأنه قابل للتحقيق الواقعي في الحياة البشرية بأسرها..

       "ولكنها في الوقت ذاته واقعية مثالية، أو مثالية واقعية؛ لأنها تهدف إلى أرفع مستوى وأكمل نموذج، تملك البشرية أن تصعد إليه.."(40).

       وبمعنى آخر؛ فكون سنن الله واقعيةً ينفي عنها الخيال ويجعلها مرتبطةً ارتباطاً وثيقاً بالواقع وما يدور فيه، فهي لا تنفصل عنه تماماً، وهكذا تأتي سنن الله القرآنية لا لتسبح في بحار الخيال، ولا لتحلِّق في أجواء المثالية المُجنَّحة، فتفرض إنسانًا لا وجود له في الواقع، كما صنع الفارابي في مدينته الفاضلة، وأفلاطون في جمهوريته الخيالية، وكما تخيَّلت الشيوعية - المادية الغافلة عن الله والدار الآخرة - في أذهانها عن المجتمع الذي تنعدم فيه الفوارق والطبقية وتزول فيه  الملكية ولا يحتاج فيه  إلى دولة ولا قضاء ولا شُرطة ولا سجون!.

       وهنا يتضح لنا أن سنن الله "تفسر أحداث الواقع أفضل تفسير وأبينه. نزل القرآن منجماً حسب ما اقتضته الضرورة الظرفية، وما جاء بحل لظرف معين، وإنما جاء يسنن قوانين خضعت لها كل ظروف الزمان والمكان.

       وإذا ما أخذنا سنة من السنن وعرضناها على الأحداث المعاصرة مثلا تبين بما لا مجال للشك فيه بأن الغرب بفلسفاته الاجتماعية والعلوم الإنسانية ما استطاع فك لغز ترابط الأحداث، وعوامل الصراع السياسي، وذلك لإعراضهم عن سنن الله القرآنية"(41). 

       ثم إن واقعيتها كذلك تتجلى في  تسخير الله تعالى الناس لفعلها، فالمستكبر الظالم  مثلاً عندما يعاقب، يعاقَب على أيدي بشر آخرين، ممن هم أشد منه قوةً  وبطشًا، فينتقم الله عز وجل من الظالم بظالم مثله، وكذلك الكفار المستكبرون المعاندون يعاقبهم الله تعالى بتسليط المؤمنين المجاهدين الصادقين عليهم. ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾(42).

       ولهذا لم تنس السنن القرآنية في توجيهاتها، وقوانينها واقع الكون والحياة، وواقع الناس بكل ظروفه وملابساته؛ لأن تلك السنن مصدرها صاحب الخلق والأمر الذي يعلم كل صغيرة وكبيرة في هذا الكون، لذلك جاءت تلك السنن منضبطةً بهذا الضابط تدل الإنسان على ما يصلحه ويرقى به زمرة المرضيين، وتحذره من الفساد وما يهبط به إلى الحضيض.

       تلك إذن، هي واقعية السنن لا تكلف الناس شططاً، ولا ترهقهم عسرًا، ولا تجعل عليهم حرجاً، بل ترشدهم إلى سواء السبيل، تعالجهم إذا مرضوا وتساعدهم على الشفاء لمن أراد الشفاء.

6- الشمولية:

       فسنن الله ربانية المصدر وهي من أمر الله، فلا غرو أن يكون طابعها الشمول، وهنا نذكر مجموعةً من الآيات القرآنية حول هذه الشمولية:

       قال عز من قائل: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً﴾(43)، وقال عز وجل: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾(44)، وقال الحق جل وعلا:﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾(45)، وقال عز من قائل: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾(46)، وقال جل ذكره: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾(47)، وقال جل ثناؤه: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾(48)، وقال عز سلطانه:﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾(49)؛ والآيات التي تدل على شمولية السنن كثيرة، تلك الشمولية التي تعني أن السنن القرآنية جامعة  لا تقبل التجزئة،  وشاملة  لكل شؤون الحياة ولكل ميادين النشاط البشري، ولكل القضايا الكبرى في هذا الكون، لا تستثني مجالا من مجالات الحياة أو جانبا من جوانبها، وليست شمولية  مقتصرة على زمن معين وعصر مخصوص، بل  شموليةً تستوعب الزمن كله، وتستوعب جوانب الحياة كلها، وتستوعب الإنسان كله في الماضي والحاضر والمستقبل.

       إنها سنن الله التي جاءت بنواميس شاملة جامعة مانعة، وأخرى مفصلة تفصيلاً جزئيًا دقيقًا؛ تشمل الإنس والجن والملائكة وكل المخلوقات من الدواب والهوام.

       فما من ناحية من  نواحي الحياة والكون، ومجال من مجالاتهما، إلا وتناولتها السنن الإلهية في القرآن الكريم والسنة النبوية بالنص والفحوى، وأوضحت فيها الخير من الشر، والصحيح من الفاسد، والحق من الباطل، والصدق من الكذب، والطيب من الخبيث، والغث من السمين، في صورة شاملة وكاملة لنظام الحياة في الإسلام الذي يجب أن يقوم على  الخير وتنميته، وتجنب الشر والعمل على استئصاله.

       تلك الشمولية تتمثل في صور شتى؛ أكبرها "رد هذا الوجود كله.. بنشأته ابتداء، وحركته بعد نشأته، وكل انبثاقة فيه، وكل تحور وكل تغير وكل تطور. والهيمنة عليه وتدبيره وتصريفه وتنسيقه... إلى إرادة الذات الإلهية السرمدية الأزلية الأبدية المطلقة.. هذه الذات. المريدة، القادرة. المطلقة المشيئة، المبدعة لهذا الكون، ولكل شيء فيه ولكل حي، ولكل حركة، وكل انبثاقة، وكل تحور، وكل تغير، وكل تطور. بقدر خاص.. وبمجرد توجه الإرادة..

       فالله سبحانه هو الذي أنشأ هذا الكون ابتداء، وهو الذي يحدث فيه بمشيئته كل تغيير جديد، وكل انبثاق وليد.."(50).

       ثم إن هذا الشمول يتناول كل قضية من القضايا بكلياتها وجزئياتها بصورة كاملة جامعة،  وبسعة ودقة وتفصيل، لا يحتاج إلى العون من التصورات البشرية المنحرفة الضالة التي صدت الإنسان عن طريقه، وعقدت مسيرته في معرفة ما يتسم به هذا الكون من دقة عميقة،...وتفسير جامع ومفصل وشمولية واسعة  تدل على وحدانية الخالق U والإقرار له وحده بالعبودية، وإفراده بالألوهية.

7- التوازن:

يقول الحق جل ثناؤه: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾(51)؛ أقصد بالتوازن ذلك التناسق الفريد في الآفاق؛ في السموات والأرض،و في كل المخلوقات؛ ذلك أن هذا الكون ومكوناته تعمل بانتظام وتعاون في خدمة غاية مشتركة، فالكواكب والأفلاك تسير في مسارها المحدد لها دون أدنى خلل أو اضطراب، فهي تتحرك في مداراتها منذ خلقها وهي كذلك لا تتصادم ولا تخرج عن مسارها وخطها المرسوم، قال الحق جل وعلا: ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ  وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ(52) حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ  لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ(53) وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾(54).

فالكون كله بما فيه من كواكب ونجوم وأفلاك ومجرات يسير ضمن سنن الله التي  أودعها الله فيه، فهو لا يملك أن يتقدم عليها أو يتأخر ولا يملك أن يعدل فيها أو يغير، أو يبدل ويحول، وإنما هو يسير وفق الناموس الإلهي الذي ارتضاه الله سبحانه و تعالى له، يسير على مقتضى إرادته ومشيئته عزوجل؛ فهو مستسلم لأمر ربه خاضع له لا إرادة له ولا اختيار له(55) ولا اختيار فيما قدره الله للكون من الحركة والسكون.

فلا غَرو "أن نرى هذا التوازن الدقيق في خلق الله، وفي أمر الله جميعًا، فهو صاحب الخلق والأمر. فظاهرة التوازن تبدو فيما أمر الله به، وشرعه من الهدى ودين الحق، أي: في نظام الإسلام ومنهجه للحياة، كما تبدو في هذا الكون الذي أبدعته يد الله فأتقنت فيه كل شيء.

ننظر في هذا العالم من حولنا فنجد الليل والنهار، والظلام والنور، والحرارة والبرودة، والماء واليابس، والغازات المختلفة، كلها بقدر وميزان وحساب، لا يطغى شيء منها على مقابله، ولا يخرج عن حده المقدر له.

وكذلك الشمس والقمر والنجوم والمجموعات الكونية السابحة في فضاء الكون الفسيح، إن كلاً منها يسبح في مداره، ويدور في فلكه، دون أن يصدم غيره، أو يخرج عن دائرته"(56).

يقول الشيخ علي جمعة:"يتحدث القرآن عن سنن الله العامة في الكون على أنها دعامة النظام الكوني المتماسك بوشائج التوازن الإلهي الذي يحكم به هذا النظام، فهذا الترابط المحكم بين عوالم الكائنات علويها وسفليها، وهذا التنسيق بين آحاديها ومجموعاتها، وهذه الأوضاع المنسجمة التي تتراءى في وضع كل كائن في مكانه من التركيب الكوني، وهذا الاتساق في تقدير صلة كل عنصر من عناصر الكون بسائر العناصر – هو [المضمار] الذي تجمعت فيه الخطوط التي تصور سنن الله التي يتحقق بها التوازن بين جميع المخلوقات (...).

والتوازن بين عناصر الكون ووشائجه هو سنة الله التي دبر بها الكون، وعليها أدار فلك نظامه الإلهي البديع، وهذا التوازن هو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، وهو الحق الذي خلقت به الحياة.

وبهذا يرسم القرآن العظيم صورةً للنظام الكوني في نماذج من المخلوقات، يستبين منها أن الكون كله خاضع في نظام سيره وتركيب عناصره لسنن محكمة وحاكمة، مترابطاً بوشائجها في وحدة قائمة على اتساق في وضع وتركيب كل كائن بما يهيء له القيام بأداء ما خُلق له من المنافع والمصالح، ما دام في موضعه من نظام الكون العام. وهذا التماسك والاتساق بين ذرات الكون هو ما نعنيه بالتوازن المحكوم بسنن الله في هذا الكون العظيم"(57).

هذا جانب، والجانب الآخر في التوازن؛ "التوازن بين المشيئة الإلهية وثبات السنن الكونية.. فالمشيئة الإلهية طليقة، لا يرد عليها قيد ما، مما يخطر على الفكر البشري جملةً. وهي تبدع كل شيء بمجرد توجهها إلى إبداعه. وليست هنالك قاعدة ملزمة، ولا قالب مفروض تلتزمه المشيئة الإلهية، حين تريد أن تفعل ما تريد:﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾(58) (...).

وفي الوقت ذاته شاءت الإرادة الإلهية المدبرة أن تتبدئ للناس – عادةً – في صورة نواميس مطردة، وسنن جارية، يملكون أن يرقبوها، ويدركوها، ويكيفوا حياتهم وفقها، ويتعاملوا مع الكون على أساسها.. على أن يبقى في تصورهم ومشاعرهم أن مشيئة الله  - مع هذا- طليقة، تبدع ما تشاء، وأن الله يفعل ما يريد، ولو لم يكن جاريًا على ما اعتادوا هم أن يروا المشيئة متجليةً فيه، من السنن المقررة والنواميس المطردة. فسنة كذلك –وراء السنن كلها- أن هذه المشيئة مطلقة، مهما تجلت في نواميس مطردة وسنن جارية- ومن ثم يوجه الله الأبصار والبصائر إلى تدبر سننه في الكون، والتعامل معها، والنظر في مآلاتها- بقدر ما يملك الإدراك البشري-  والانتفاع بهذا النظر في الحياة الواقعية"(59).

 

*  *  *

الهوامش :

(25)   قال الشيخ صديق خان القنوجي في تعريفه الاصطلاحي للعام:"هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وَضْع واحدٍ دَفعة". الجامع لأحكام وأصول الفقه، ص201.

(26)   سورة النساء:123.

(27)   سورة القمر:43.

(28)   الفتاوى الكبرى، للشيخ ابن تيمية، 28/63.

(29)   اقرأ وربك الأكرم، للمفكر جودت سعيد، ص132.

(30)   سورة آل عمران:165.

(31)   منهج البحث الاجتماعي بين الوضعية والمعيارية، د.محمد أمزيان، ص189-190.

(32)   سورة البقرة:214.

(33)   سورة محمد:10.

(34)   سورة النساء:26.

(35)   سورة آل عمران:137.

(36)   سورة آل عمران:138.

(37)   التفسير الكاشف، للشيخ محمد جواد مغنية، 4/159-160.

(38)   أخذوا بِالسِّنِينَ: أي المجاعة والقحط. فيض القدير شرح الجامع الصغير، زين الدين عبد الرؤوف المناوي،1/1053.

(39)   سنن ابن ماجه، كتاب الفتن، باب العقوبات، ح4019، وقال الشيخ الألباني حديث حسن.

(40)   خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، سيد قطب، ص169.

(41)   منهاج الفتوى على ضوء السنن الإلهية، الأستاذ محمد معمر جابر ص85.

(42)   سورة الأنفال: 18.

(43)   سورة الأحزاب: 38.

(44)   سورة الطلاق: 3.

(45)   سورة الرعد: 8.

(46)   سورة هود: 6.

(47)   سورة الإسراء: من الآية 12.

(48)   سورة النبأ: 29.

(49)   سورة يس: من الآية 12.

(50)   خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، سيد قطب، ص96.

(51)   سورة الملك: من الآية 3.

(52)   وهذه المنازل هي النجوم التي كانت العرب تنسب إليها الأنواء. وأسماؤهم عندهم: الشَّرَطان والبَطين، والثُّرَيَّا، والدَّبران، والهقعةُ، والذّراع، والنَّشرة، والطَّرف، والجبهة، والزُّبْرَةُ، والصَّرفة، والسِّماك، والغَفْرِ، والزُّبَانَي، والإكليل، والقَلْبِ، والشَّوْلة، والنَّعائم، والبَلْدَة، وسَعْدُ الذَّابح، وسَعْدُ بُلعٍ، وسَعْدُ السعُود، وسَعْدُ الأخْبِيَة، وفرغ الدَّلوَ المقَذَّم، وفَرْغُ الدَّلو المؤخَّر، والرِّشا وهو الحوت.

وإذا صار القمر في آخر منازله دَقَّ حتى يعود كالعرجون القديم وهو العِذْقُ اليابس، والعرجون إذا يبس دَقَّ واسْتَقْوَس حتى صار كالقوس انحناء؛ فشُبِّه القمر به ليلة ثمانية وعشرين. التحفة القليبية في حل الحمولية في غريب القرآن الكريم، موسى بن محمد القليبي العمري المكي، ص174-175.

(53)   يريد: أنهما –الشمس والقمر- يسيران الدهر دائبين ولا يجتمعان، فسُلطان القمر بالليل، وسلطان الشمس بالنهار، ولو أدركت الشمس القمر لذهب ضوءه، وبطل سلطانه، ودخل النهار على الليل. التحفة القليبة، ص175.

(54)   سورة يس: 36-40.

(55)   هذا فيما يتعلق بالأجرام والكواكب؛ أما الإنسان  فقد تركت له -سنن الله- الحرية الكاملة في أن يختار لنفسه ما يشاء؛ بينت له طريق الهدى وبينت له كذلك طريق الضلال وتركت له حرية الاختيار، لكنه في الأخير يتحمل نتائج ما يختار.

(56)   الخصائص العامة للإسلام، الشيخ يوسف القرضاوي، ص128.

(57)   مقتطف من تقديمه لكتاب السنن الإلهية، للدكتور مجدي عاشور، ص8.

(58)   النحل: 40.

(59)   خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، الشهيد، سيد قطب، ص124.

 

*  *  *