مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، محرم – صفر 1431 هـ = ديسمبر  2009 م ، يناير – فبراير 2010م ، العدد : 1-2 ، السنة : 34

 الفكرالإسلامي

بعض الناس يتمنّون أن لو كانوا قد وُلِدُوا أيَّامَ النبيّ صلى الله عليه وسلم

 

بقلم : الشيخ الجليل المربي الكبير العلامة أشرف علي التهانوي

                                                                                         المعروف بـ "حكيم الأمة" المتوفى 1362هـ / 1943م

                            تعريب : أبو أسامة نور

 

بعضُ الناس يقولون: لو كنّا أيّامَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لكان أحسنَ. وأقول: إنّه كان أحسن بالنسبة إلى بعض الاعتبارات، أننا لم نُوْلَد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن أحوالنا ليست بجيّدة، إننا مثلاً نستصعبَ إنفاقَ الأموال في سبيل الله، وقد كان الامتحان بذلك وبغيره مستمرًّا ليلاً ونهارًا على عهده صلى الله عليه وسلم؛ فقد كانوا يُطَالَبُون بأداء الزكاة حينًا وبالتضحية بالأنفس في الجهاد حينًا، وكانوا يُطَالَبُون أن يفارقوا الأهلَ والأقاربَ؛ فلو أن أمثالنا كانوا أيّامَه صلى الله عليه وسلم، لقصّروا في أمتثال الأوامر النبويّة، ولما كان عَجَبًا أن يكون قد أدّى بنا الأمر إلى إنكار النبوّة، وكانت النتيجة الكفر وخسارتنا في الدنيا والآخرة. وأيضًا ربما كانت المعاصرة لتلعب دورَها. أمّا الآن فإنّ الشريعة المُكْتَسَبَة قد صارت إلينا، وقد سمعنا عن فضائل النبي صلى الله عليه وسلم ومحاسنه، فأحببناه وأكرمناه عن ظهر الغيب دونما معارض للحبّ والإكرام، فإن خالفناه لما خالفنا خطابًا جزئيًّا من خطاباته. أمّا الذين عاصروه صلى الله عليه وسلم، فقد رَأَوْه في كلّ الأحوال منذ بداية عمره صلى الله عليه وسلم، وكان يُسَفِّه أحلامهم ويعيب آلهتهم، وكانت بينه وبينهم قرابات وعلاقات، وكانت تحدث منه صلى الله عليه وسلم أمور كانت تجعلهم يعارضونه صلى الله عليه وسلم، ورغم ذلك كانوا يطيعونه، فكانت تلك فضيلة لهم، وليست لنا فضيلة حيث لم نواجه هذه الأمور.

 

الناسُ  أخطاؤا  فهم  معنى  غفور  رحيم

الناس يظنون أنّ الله غفور رحيم، فلو أذنبنا، واستغفرناه، لغَفَرَ لنا؛ ولكنهم يجربون في الحياة أنّ كثيرًا من المنافع الدنيوية لاتتحقق بدون الرشوة، فبناء المنزل مثلاً لايتمّ إلاّ عن طريق دفع الرشوة، فمن المكاسب الدنيوية ما لا يتحقق إلاّ بالرشوة، والخسارات الدنيوية قد يرون أنّ تلافيها لا يمكن بأي طريق، إلاّ بهذا الطريق، الذي يرون أنّ الله قد يغفره لهم عن طريق الاستغفار، فيرتكبون هذه المعصية ويستغفرون الله!. أيها السادة! أفرأيتم أنّ النفس الأمارة بالسوء كيف تعرض المفسدة على شكل المحسنة .

 

مثل الببغاء

       لكن درسَ الشيطان هذا كمثل معروف، وهو أنّ أحدًا قد لَقَّنَ ببغاءَه "لاشكّ في ذلك" فكانت تردّ على كل قول بهذه الكلمة، وهي كلمة تأتي ردًّا على معظم الأقوال؛ فالرجل بعدما حَفَّظَها ببغاءَه عَرضَها على  مرأى من الناس في السوق، وقال: إن ببغاءه تتكلم باللغة الفارسيّة، فامتحنها أحد، وتحدّث إليها، فقالت ردّا على كل مقال: "لاشكّ في ذلك" ومن حسن الصدقة، أن الجواب كان مطابقًا للسؤالات التي وَجَّهها إليها، فاشتراها مُعْجَبًا بها، وجاء بها إلى بيته، وتكلم معها في شتى الأمور، فردّ عليها بالكلمة نفسها، سواء أطابقتها أم لم تطابقها، فقال مُغْضَبًا وأسفا! إني بلهت لدى شرائك، فأعاد الكلمةَ نفسها في الردّ عليه.

       وكذلك فإنّ نفوسنا قد حَفِظت درسًا واحدًا، وهي تعيده في كلّ مكان، وهو "أنّ الله غفور رحيم" مهما كانت المعصية، وسواء أكانت في حق الله أو حقّ العبد.

 

فحوى  غفور  رحيم

       ثم إن هذا الأحمق الذي يرتكب المعاصي، لايدرك أن كون الله غفورًا رحيمًا لايستلزم أنّ المعاصي لاتضرّه. وإن كان أنّ كون الله غفورًا رحيمًا يستلزم ذلك، فإنّه كما أنه غفور رحيم في الآخرة، كذلك هو غفور رحيم في الدنيا؛ لأن صفاته تعالى كلّها قديمة . وإذا كان معنى كون الله غفورًا رحيمًا أن المعاصي لاتضرّ العباد، فلماذا يضرّهم تناولُ السمّ. إن السموم تضرّ، ورغم كونها تضرّ كان الله غفورًا رحيمًا. وكذلك كان الله غفورًا رحيمًا في الآخرة، ورغم ذلك تظلّ المعاصي ضارّة، لأن كونه غفورًا رحيمًا لايستلزم أن تكون المعاصي فاقدة لضررها. إنّ الله رحيم أي أنّه أعلمك أيها الإنسان: "لاَتَقْرَبُوا الصَّلوٰةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ" (النساء/43) وأعلمـك : "لاَتَقْرَبُوا الزِّنَآ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً" (الإسراء/32) ما أَرْحَمَ الله! أنّه وَضَعَ قَانونًا، وأَعْلَمَ الجميعَ أن طريقَ الفلاح هذا وطريق الخسارة ذلك، على حين إنّه كان الواجب علينا نحن العباد أن نتحرى بدورنا ماهو طريق الربح وما هو طريق الخسارة. وكذلك فإن الله بينما بيّن الطريق المؤدي إلى كسب رضاه، إذ بيّن الأمور التي تضمن الأمن العامّ. وكذلك هناك معانٍ كثيرة لكون الله رحيمًا. أمّا كونه غفورًا فقد يجوز أن يعطي معنى أنّه سيغفر بعد العقاب. فلو قلتم: فما فمعنى المغفرة إذًا، أي ما معنى المغفرة أن يكون هناك جمع بين العقاب والمغفرة على حين يوجد تناقض بينهما؟ قلتُ: إنكم أيها السادة! ما فهمتم عظمة الله ولا أدركتم حقيقة المعاصي، فاعلموا أن المعاصي هي عصيان الحاكم والبغي عليه، ويكون العصيان أعظم على قدر عظمة الحاكم، ويكون الجرم أجرم على قدر شأنه. مثلاً هناك عصيان لحاكم المديرية، وهناك عصيان أكبر منه وهو عصيان لنائب الملك مثلاً، وعصيان أكبر منه، وهو عصيان الملك رأسًا. وكذلك عصيان الأخ الأكبر جريمة ؛ ولكن الجريمة الأكبر منها هوعصيان الوالد مباشرة. فشدةُ العصيان والجريمة مدارها على عظمة من ارتُكِب العصيانُ والجريمةُ في شأنه. فهذه واحدة، والثانية أنه ليس هناك حاكم أكبر من الله تعالى، لأن عظمة كل حاكم مهما سما وعلا محدودة، ولكن عظمة الله عز وجلّ غير محدودة، وفوق كل تصوّر وخيال، والثالثة أن العقاب يأتي على قدر المعصية.

 

عصيانُ اللّه أعظم عصيان

       فلو كان الله أكبر من كل أحد، كان عصيانُه فوق كل عصيان، فعقابُ هذا العصيان فوق عقاب كلّ عصيان، فكما أنّ عظمةَ الله غيرُ محدودة، كذلك عقابُ عصيانه غير محدود. فالعقلُ يقتضي أنه إذا ارتكب أحدٌ ولو صغيرةً من الصغائر، فبما أنه عصيانٌ لله عز وجلّ، ينبغي أن يدخل النارَ خالدًا فيها، وأن لا يكون له مغفرة أبدًا؛ ولكن الله لم يقرّر الخلودَ في النار إلاّ للكفار والمشركين، فلو أن الله غفر لأحد من المسلمين ولو بعد ملايين السنوات، لكان ذلك مغفرةً منه ورحمةً دونما شكّ. وإننا ندرك ذلك عاجلاً فيما يتعلق بالأمور الدنيويّة؛ حيث إن أحدًا حُكِم عليه بالسجن لعشر سنوات، لو أطلق المسؤولُ سراحَه بعد سنتَين، يُعَدُّ ذلك جائزة منه. وكذلك لو أن الله تعالى غفر لأحد منّا ولو بعد عشرة آلاف سنة أو مئات آلاف سنة، لكان ذلك مغفرة منه ورحمة؛ لأنه لم يُدْخِله النارَ خالدًا فيها للأبد .

       ولعلكم بعد هذه الإطالة أدركتم أن كونه تعالى غفورًا لايستلزم أن لايُعاقِب عاصيًا ابتداءً، بل يكون معنى ذلك أن يعاقب عاصيًا لزمن محدود، ثم يعفو عنه، نعم قد يكون معنى كونه غفورًا أن لايعاقب عاصيًا ابتداءً. وذلك قد يتحقق في الدنيا. ويجوز أن نعدّ ذلك رحمةً منه تعالى. وهناك معان أخر لكونه تعالى "رحيمًا": كلُّ يعلم – عرفًا – أن من يَتِمُّ عفوُه، أحسنُ ما يكون في حقّه أن يطلق سراحُه من السجن فقط، ولايجري العرف بإعطائه جائزةً أخرى بالإضافة إلى إطلاقه من السجن. وكذلك فكان لله تعالى – إذا أراد أن يخرج أحدًا من النار – أن لايصنع إليه معروفًا آخر، بل يتركه وشأنَه يعيش كيفما يشاء وأينما يشاء، يموت أو يحيي، ويتمتع بالراحة أو يذوق المصاعب والمتاعب؛ لكنه "رحيم" فيخرجه من النار، ويدخله مكانًا يعرف بـ"الجنة" فيه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر.

 

تقريبُه تعالى للعبد بعد مغفرته ذنوبَه

       ثم إنه لايكتفي بمغفرة ذنوبه، وإنما يُقَرِّبُه إليه؛ حيث يتيح لأحد أن يراه تعالى أسبوعيًّا، ويتيح لأحد أن يراه تعالى شهريًّا، ويتيح لأحد أن يراه تعالى سنويًّا، وأَشَدُّ تقرّبًا منه تعالى هو من يراه تعالى صباحًا ومساءً كلّ يوم، ثمّ إنّ زائريه تعالى لايؤمر بالسلام عليه تعالى، بل جاء في الحديث أنه تعالى يجمعهم في بستان، ويتجلّى لهم تعالى، ويقول لهم تعالى بنفسه: السلام عليكم؛ فهل يمكن أحدًا أن يقدم نظيرًا لهذه المكرمة الإلهيّة التي سيتعامل بها الله تعالى مع العصاة والمذنبين، هل هناك أحد يتعامل بالعصاة والمخطئين والمجرمين بهذا القدر من الإكرام والإنعام؟ فهل أدركتم الآن معنى الرحمة؟ ولعلكم أدركتم أنه ليس معنى الرحمة أن لايعاقب الله أحدًا ابتداءً. إن من خداع النفس أن يظن أحد أن معنى كون الله غفورًا رحيمًا أنّه لايعاقب أحدًا ابتداءً. إنّ هذا الظنّ معناه ما وَرَدَ في روايات السَّلف: كلمةُ حقٍّ أريد بها الباطلُ. ولذلك قلتُ: إن النفس تسيء متسترة وراء موقف الإحسان .