مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، ربيع الأول 1431 هـ = فبراير - مارس 2010م ، العدد : 3 ، السنة : 34

إشراقة

الإطاعةُ .. إِيجابيًّا وسلبيًّا

 

 

 

قد يُطِيع الإنسانُ إنسانًا لأمانته ومُوَاسَاته، وإنسانيَّته وصدقه، وصلاحه وتواضعه، وإنكاره لذاته، ولعدله وفضله، ومحاربته للظلم بأشكاله، وأدائه للحقوق لأهلها، وشعوره البالغ بالمسؤوليّة، ورعايته لمشاعر إخوانه، واحترامه لعواطفهم، وإيثاره إيّاهم على نفسه، وغشيانه للوَغَىٰ ومواضع الخسارة والخطر، وعفافه لدى استلام المَغْنَم، وسبقه إلى الوفاء بالوعد، والتَّقَيُّد بالمواعيد، والتزامه بأداء كلّ عمل في وقته مهما كانت الأَحْوالُ ووَاجَهَتْه الأَهْوَال، واتّصافه بغير ذلك من الأوصاف التي تُكْسِب صاحبَها الحبَّ الوَافِر في المجتمع الإنسانيّ، وتنحدر القلوب بفضلها إليه انحدارَ الماء إلى الأمكنة المنخفضة، وتنجدب إليه انجذابَ القِطَعَ الحديديَّة إلى المغناطيس.

وقد "يُطِيع" الإنسان إنسانًا لظلمه وقساوة قلبه، ولكونه مطبوعًا على الإساءة والإيذاء، والبطش بالإنسان، ولسفكه دماءَ بني البشر، واستعذابه تعذيبَ الناس، وإعجابه بنفسه، ونَرْجِسِيَّته الزائدة، وارتكابه الدائم لكلّ من الفساد الماليّ، والفساد الإداريّ، وحسده كلَّ الناس على كلّ نعمهم، حتى يُفَكِّر في انتزاعها منهم، وتجريدهم منها إذا كان ذلك بوسعه، ولكونه مُرَكَّبًا مع كثير من الرذائل التي تجعل الناسَ من حوله يخافون كلَّ وقت بطشَه وخبثَه، فيبادرون إلى الإحسان إليه و"إطاعته" اتّقاءً لشرِّه .

وشتّان ما بين الإطاعتين: الإطاعة من الصلاح، ومن أجل إنسانيّة الإنسان، والإطاعة من أجل الشرّ والخبثِ المركوز في طبيعة فرد من أفراد المُجْتَمَع البشريّ .

الإطاعةُ الأُوْلَىٰ إيجابيّةٌ، والإطاعةُ الثانية سلبيَّةٌ. الأولى مصدرُها الحبُّ، والتناغمُ الفكريُّ، والتلاقحُ النفسيُّ، والتجاوبُ الروحيُّ، والتصافي القلبيُّ، والإيثارُ الذي لايُشْتَرَىٰ بأي رصيد من المادة والمال والبضاعة، وما في الدنيا كلّها، مهما ضَخُمَ وعَلاَ، وكَثُرَ وسَمَا، ولَمَعَ وتَأَلَّقَ؛ والودُّ الشفّاف الذي لم يُكَدِّره أيُّ غرض من الأغراض الماديّة، وطمع من الأطماع النفسانيّة.

والثانيةُ سببُها الوحيدُ: الكراهيةُ البالغةُ؛ والبغض النفسي؛ والعِدَاء القلبيّ؛ والنفور الطبيعيّ؛ والمخافةُ النابعة من القسوة التي عُجِنَت بها طبيعةُ صاحبها؛ والهيبةُ التي مصدرُها سوءُ الخلق والوحشيّةُ والتصرّفاتُ الشيطانيَّةُ التي يتعامل بها فردٌ من البشر وُلِدَ مطبوعًا على سوءات السباع الضواري؛ والتكبُّر والخيلاءُ؛ والتشوُّهُ الخُلقيُّ؛ والانحرافُ الفكريُّ؛ والشذوذ عن المسار الإنسانيِّ؛ والإنْطِوَائِيَّةُ على النفس؛ وحبُّ الذات بشكل يُعْمِي عن الدنيا وما فيها، والإنسانِ وحقوقِه، والمجتمع ومايجب له على كلِّ عضو فيه.

الإطاعةُ الأولى مثمرةٌ ثمارًا حلوةً يتنافس في جنيها كلُّ إنسان سويّ شريف، سليم الطبع، صحيح السيرة، نزيه السريرة.

والإطاعةُ الثانيةُ لاتُثْمِر إلا أشواكاً وقتادًا، يَتَجَنَّبُها كلُّ إنسان يحبّ الخيرَ، ويكره الشرَّ، ولايعرف إلاّ المواساةَ، ولايميل إلاّ إلى عمارة القلب، وإسداء المعروف، وإحسان الظن بالنّاس، وزرع الدنيا بالعدل والفضل .

أنتَ تطيع شخصًا صالحًا، نقيًّا تقيًّا، فارسًا بالنهار، راهبًا في اللّيل، على وجهه سيما العبادةِ، ونورُ الصلاحِ، وأَلَقُ الزهدِ، وغرةُ المخافةِ من الله، وسنا الثقةِ بالله، وسناءُ التواضعِ وإنكارِ الذات، وحبِّ الإنسان لأنّه عِيَالُ الله، وقلبُك فَرِح يَلَذّ، ونفسُك طربة تَمْرَح، وأنت مسرور من أعماق القلب، وكيانُك كلّه راقص يهتزّ .

وأنت تطيع شخصًا ازْدِوَاجِيًّا ثَنَوِيًّا، حاسدًا للكل، كارهًا لك بقلبه، متظاهرًا بحبك بظاهره، يودّ أن يحرقك إذا قَدَرَ، ويقذف بك في البحر إذا استطاع؛ يَتَمَنّى أن يسلبك كلَّ ما وَهَبَك الله من النِّعَم، ولايصلك أيُّ خير في الكون، ولايبقى عليك أيُّ مظهر من الرفاهية، وأيُّ رمز من الرخاء. تطيعه وقلبُك كارهٌ له الكراهيةَ كلَّها، وناقمٌ منه بكلّ كيانك، ونفسُك تمجّه، كما يمجّ الإنسان صابًا وعلقمًا. أنت تتظاهر بالحبّ، وتُضْمِر له البغضَ، لأنّه بدوره يَتَكَلَّف لك الحبَّ، ويُبْطِن لك البغضَ.

الإطاعةُ الأولى نسيمٌ من النسائم، عِطْرٌ من العطور، زَهَرٌ فائح جميلُ اللون من الزّهور، يُبْرِد القلبَ، ويُثْلِج الصدرَ، ويُرَوِّح النفسَ، ويروق البصرَ، ويدعو لإدامة النظر وإطالة المشاهدة.

والإطاعةُ الثانية جميلةُ الوجه، قبيحة الداخل، كريهة الباطن، مُرَّة الحقيقة، مذمومة الرائحة، لايدنو منها شريفٌ، ولا يرغب فيها إلاّ رذيل؛ لأن المُطَاعَ الإطاعةَ الثانيةَ، رذيلٌ كريهٌ مموجٌ.

إنّ أشقى الناس من يُطِيعه الناسُ اتقاءً لشرّه وخبثه ومُسَبَّبَات سوء خلقه.. إن أبغض الناس إلى الناس من يحبّه الناس في الظاهر ويُبْغِضونه في الباطن.. يحبّونه وفي الوقت نفسه يُبْغِضونه.. ويُطِيعونه فيما يبدو ويعصونه فيما يَبْطُن .. يَجْمَعُون بين الطاعة له الظاهرة وبين العصيان له الباطن.. لو كان هذا المُطَاعُ سعيدًا ولو قدرَ ذرّة من السعادة، لمات قبل أن يُجَرِّب هذا الموقفَ القبيحَ الكريهَ، لوقفتَ حركةُ قلبه دفعةً، ولذهبت روحُه بشكل عفويّ؛ ولكن مثلَه يُكْتَب عليه الشقاءُ الأبديّ.. الشقاءُ في الدنيا قبلَ الآخرة، فهو يطول عُمره، ويكثر نصيبُه من الشقاء، ويُجَرِّب حظَّه من الذلّ والخزي والعار وكراهية "المطيعين" وبُغْض المُتَزَلِّفِين، وعداء المُتَقَرِّبِين، وازدواجيَّة المُتَمَلِّقِين .

إنّ أحبَّ الناس إلى النّاس من يحبُّونه بكل كيانهم، وكأنهم يودّون أن يفدُوه بأنفسهم لو كان ذلك بوسعهم، وكأنهم يودّون أن يمنحوه الدنيا كلَّها لو مُنِحُوا إيّاها، وأن يهبوه الكونَ بما فيه ومن فيه لو تمكّنوا من ذلك بشكل أو بآخر. إن إطاعتهم له إطاعةٌ تبنع من قلوبهم، وتفيض من صدورهم، وتشمل كيانَهم؛ فلا يطيعونه بالجوارح والأعضاء، وإنما يطيعيونه بقلوبهم كلِّها، وبأفكارهم جميعها، وبإرادتهم بمعناها، وبعزيمتهم بكل مدلولها. وتلك هي الإطاعة في أصل معناها، وأسمى دلالاتها، وأسنى مُحْتَوَيَاتها. إذا وُجِدَت في زمان ومكان كان أُكُلها دائمًا، وربحها قائمًا، وحصيلتها حلوة، وثمرتها يانعة .

إن من الشقاوة ما لا يصفه الواصفون بأيّ من ألسنتهم وأقلامهم، أن تُجِلَّ إنسانًا بظاهر هَيْكَلِك، وتُبْغِضه بباطن نفسك، وأن تطيعه بجسمك وتعصيه بكلِّك أي بكلِّ وجودك . ولو أدرك هذا المُطَاعُ حقيقةَ هذه الإطاعة، لوَقَعَتْ عليه كالصاعقة، وأَحْرَقَتْه كالحريق يقع في منزلٍ فيأتي على مُحْتَوَاه كلِّه. إنّه لَوَقَاحَةٌ منقطعةُ النظير أن يصبر إنسانٌ على إطاعة الناس له بظاهر كيانهم مع بغضهم له بجميع باطنهم. إنّه لايحتمله إلاّ الأشقياء الوَقِحُون الذين فَقَدُوا كلَّ شعور نبيل يبعث على اجتناب مَظَانِّ الذلّ والخزي، ويحمل على تَبَنِّي الإباء والترفّع عن سفاسف الأمور التي تحطّ من قدر الإنسان .

إنَّ من سعادة الإنسان الكبيرة أن يحترمه الناسُ من داخلهم قبل أن يحترموه بظاهرهم، ويطيعوه بالقلوب والعواطف والمشاعر قبل أن يطيعوه بالأعضاء والجوارح؛ لأنّ الإطاعةَ الثانيةَ إنما تصدر عن الإطاعة الأولى. إنّ قلبَ أحد إذا أَطَاعَك، ومَنَحك احترامَه، ومالَ إليك، ورَغِبَ فيك، فإنّه يأمر الجوارحَ بأن تطيعك، وتُنَفِّذ اوامرَك، بل تُطَبِّق إشارتَك، وتظلّ رهنَ أمرك، فهي تُحَقِّق جميعَ ما أمرتَها به عن طواعيةٍ ورضا، وتَسْعَدُ بذلك .

إذا طَبَّقَ الناسُ أوامرَك وأطاعوك في كلِّ ما تُصْدِر إليهم من التوجيهات؛ لأنّهم يخافون بَطْشَك، ويخشون تعذيبَك وظلمَك، ولاسيّما لأنك تملك سلطةً ولديك صَلاَحِيَّات مُخَوَّلة، وتتمتّع بالقدرات والإمكانيّات والوسائل الوفيرة؛ ولأنك معروف بممارسة الظلم واللاعدل، وعدم مراعاة القانون والآداب؛ لأنّه يُجَنُّ جنونُك بشعورك بأنك ذو صَلاَحِيَّات وسلطة، فمعنى ذلك أنّك فقدتَ مفتاحَ السعادة، وملكتَ مفتاحَ الشقاء، وفُتِحَتْ أمامك أبوابٌ من الفشل والخسارة، وأُغْلِقَتْ دونك جميعُ أبواب الربح والنجاح؛ وأنّك شقيّ رغم كونك تتمتّع بما كان من شأنه أن يجلب لك السعادةَ كلَّها والنجاحَ جميعَه، لو كنتَ قد مارستَ العدلَ، وتعاملتَ بالإنصاف والعطف، وامتنعت عن الظلم والتقرّب منه، وأدّيتَ مسؤوليّتَك بنصاب مطلوب ومستوى منشود، واستعبدتَ الناسَ بإحسانك إليهم، وتنفيذ معاني العدل فيهم، وغرس حبّك في قلوبهم، و وَسِعْتَهم بأخلاقك الكريمة، ومعاملتك اللطيفة، وتواضعك الجمّ، وصدرتَ عَنْ أَنّ سيِّدَ القوم خادمهم؛ فوجدتَ القوم قد صاروا خَدَمًا لك مطيعين، وفرشوا في طريقك العيونَ مكانَ أن يفرشوا الرياحينَ.

وكان ذلك يسيرًا عليك لاعسيرًا عليك؛ إذا تذكرت واستحضرتَ بأنّ الله هو الذي رَفَعَك بمنّه وكرمه وفضله، فلابدّ أن تحمده وتشكره وتُثْنِي عليه الخيرَ، فتتواضَع مع الكلّ، وتتعامل معهم بالمساواة والمواساة، وتُؤَدِّي الحقَّ إلى أهله، وتكون حارسًا مُتَيَقِّظاً في الشعور بالمسؤوليَّة، وأدائها في وقتها وبنصابها، ولاتكون جبَّارًا عنيفًا، قاسيًا باطشًا، سيِّءَ الخلق، كائلاً بمكيالين مختلفين بين النّاس، فتستوفي الكيلَ لهذا وتُخْسِرَه لذلك؛ وتُحَاوِل أن تكسب قلوبَ الناس، وتكون محبوبًا لديهم، وعزيزًا عليهم، فتستخرج الأدعيَةَ لك من ألسنتهم، ويصطلحوا على الثناء عليك، والحديث عنك، والإشادة بذكرك، واللهج بذكر محاسنك، فيَكْثُر أصدقاؤك، ويقلّ أعداؤك، ويزداد المُصَفِّقُون لك، والمُعْجَبُونَ بك؛ فتمكث في الأرض بعد رحيلك عنها، وتثبت سمعتُك الطيِّبة بعد أن تستوفئ ظمأ حياتك عليها.

أن يُحْسِن إليك الناسُ بجوارحهم، ويُسيئوا إليك بقلوبهم ونيّاتهم وخَلَوَات صدورهم، شيءٌ مُؤْسِف للغاية يدعو للرثاء لك والبكاء عليك؛ فكن بحيث يُحْسِن إليك الناسُ في قرارة نفوسهم وخلوات ضمائرهم، قبل أن يحسنوا إليك بجوارحهم .

الإحسانُ والإطاعةُ والاحترامُ بالأسلوب الأوّل إلى الأسلوب الثاني، هو الإحسانُ الحقُّ، والطاعةُ الأصلُ والاحترامُ الصميمُ. أما الاحترامُ والإطاعةُ بالثاني فقط دون الأوّل، بل بمخالفة الأوّل، فذلك في الحقيقة إساءةٌ أيُّ إساءة لايرضى بها إلاّ الأحمق المُغَفَّل أو الفاقد لكل معنى من معاني الإباء والغيرة وكبر النفس .

احترامُ الناس لك أو إطاعتهم لك لاتِّقَاءِ شرَّك أَسْوَأُ مفهوم للاحترام والإطاعة، أو معنى مقلوبٌ لهما، أو تصوُّرٌ معكوس سلبيّ لهما. أما احترامُ الناس لك وإطاعتُهم إيّاك، رغبةً فيك، وميلاً إليك، وتقرُّبًا منك، وحبًّا لك، وكلفًا بك، ورضًا عنك، وتوطيدًا لعلاقتهم معك، اعتقادًا منهم بأنّهم بذلك يربحون كلَّ غال في الدنيا لكسب ذخيرة في الآخرة؛ لأنك إنسان بأسمى معاني الإنسانيّة.. فهو الاحترامُ الحقيقيُّ، والإطاعةُ بأصحّ معانيها الإيجابيّة، وأصدقِ دلالاتها المطلوبة، فَاظْفَرْ بهذا وأَعْرِض عن غيره، تكن قد حِيْزَتْ لك الدنيا بكلّ ما فيها من سعادة .

أبو أسامة نور

 

( تحريرًا في الساعة9 من الليلة المتخللة بين السبت والأحد: 8-9/ صفر 1431هـ = 24-25/ يناير 2010م ) .