مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، ربيع الثاني – جمادى الأولى 1431 هـ = مارس - مايو 2010م ، العدد :4-5 ، السنة : 34

 الفكر الإسلامي

الأمة المسلة والبعث الحضاري المنشود

 

بقلم :        الدكتور/ جمال رجب سيدبى

 

لايساورني أدنى شك، أننا في أمس الحاجة إلى بعث حضاري جديد، يبثُّ في روح هذه الأمة لهيب الجد والعطاء، لكي تعرف الأمة المسلمة أولوياتها في هذه المرحلة من تاريخ البشرية، ولو غفلنا عن تبعتنا في هذه المرحلة الراهنة، فسنلقى الله ونحن مقصّرون في الأمانة.

     إن البعث الحضاري المنشود، ضرورة شرعية من هذا الجيل المسلم في مشارق الأرض ومغاربها لخدمة دين الله. وتحقيق منهجه في الأرض، وهذا البعث غايته إعادة الحضارة الإسلامية إلى مكانها المنشود، وهو توجيه خط سير البشرية نحو الهدى والخير للناس جميعاً ﴿كُنْتُم خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تأمُرُوْنَ بِالْمَعْرُوْفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. إن هذه الآية الكريمة بألفاظها المعبرة الرفيعة توجب على الأمة الإسلامية واجبات وفروضًا لكي تصل إلى مرتبة خير أمة!! لا أن تكون في ذيل الأمم!!.

     وكانت خير أمة أخرجت للناس، يوم أن عرف المسلمون دورهم وتبعاتهم نحو هذا الدين، يوم أن التف المسلمون تحت راية واحدة "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، فالمسلمون الأُول على قلة عددهم استطاعوا بفهمهم الحق لهذا الدين، أن يزلزلوا مملكة الفرس، والروم، وأن يشيدوا بالإسلام حضارات عظيمة شهد لها التاريخ بالقوة، وأقام الإسلام الحضارة الإسلامية شامخة .

     لم يكن المسلمون آنذاك ربع سكان العالم، كما هو الآن تقريبًا لكي يزلزلوا الممالك الطاغية، فقد كانوا قلة ولكن أيّ بشر هؤلاء!! لعمري أتصورهم وكأنهم ملائكة هبطوا من السماء؟!

     فالفهم الصحيح للإسلام، هو الذي يحقق النتائج الصحيحة، فالمسلم الذي يضيع وقته سدًى، دون عمل منتج، ودون إبداع، ودون عطاء، ويظن أنه من خير أمة أُخْرِجَتْ للناس ويشرف بالانتساب إليها كَلاَّ. وألف كلاًّ! إن المرحلة الراهنة في أمسِّ الحاجة إلى الاستفادة بكل دقيقة من أجل عمل منتج، ومن أجل إبداع وعطاء للنهضة والتنمية لدفع عجلة الاقتصاد الإسلامي.

     إن الشعارات والهتافات لا تكفى لنهضة الأمم، فالأمم الجادة العظيمة هي التي تعمل كثيرًا ولا تتكلم إلا قليلاً، فضلاً عن أن ديننا الحنيف ينهانا عن اللغو فيما لا طائل منه ﴿وَالذيْنَ هُمْ عَنِ اللَّغوِ مُعْرِضُوْن﴾.

     إن الاهتمام بجانب الروح في العبادة، لابد أن يواكبه إبداع في علم المادة، فالإسلام كل لا يتجزأ، يولى عنايته بالروح والجسد في توازن لا يخل هذا بذاك، أما جهلة الدين، ممن يظنون أن العبادة هي الاهتمام بالروح وحسب، ويبتعدون عن الحياة والعمل والعطاء، فهذا هو الفهم المبتور لهذا الدين.

     فالحضارة الغربية، بمعطياتها في مجال العلم الآن واضحة وضوح الشمس لكن هذه الحضارة تعاني من الخواء الروحي؛ لأن الطفرة العلمية لم تواكبها طفرة روحية مماثلة، وهذا سر الأزمة وقربها من الاحتضار.

     لكن هذا لايدعونا إلى الكسل والتخلف بدعوى أن هذه الحضارة اقتربت من الفناء. إن مسؤولية الأمة المسلمة أن تحاول ما استطاعت اللحاق بركب هذه الحضارة من الناحية العلمية، وتحاول أن تُبدع في علم المادة، وأنا أعلم أن البون شاسع؛ لكن المهم البداية .

     من المؤسف أن بعض المتدينين يظنون أن الاشتغال بعلوم الدنيا أقل مرتبةً في العبودية من علوم الدين، وعلى هذا فيترك الفرد منهم تخصصه كالكيمياء مثلا ليولي قبلته إلى علوم الدين، وربما يضيع وقته سدىً في قضية حسمت منذ عدة قرون!! ويظن أنه بذلك يخدم دينه وأمته في هذه المرحلة .

     إن الصحوة الإسلامية المعاصرة في أمسّ الحاجة إلى ترشيد لخدمة دين الله، فالمسلم الحق يسخر الدنيا لخدمة الدين، ويوم أن خسرنا الدنيا أضحى حالنا الآن، العالم الثالث، أو العالم المتخلف كما يقولون، لا كما كنا من قبل، العالم الأول، وهل يرضى عنا ربنا، الذي وصفنا في قرآنه المجيد بـ"كنتم خير أمة" هل يرضى عن خير أمة وهي في ذيل القافلة؟!

     هل يرضى عن خير أمة وهي تضيع أوقاتها سدىً؟ هل يرضى عن خير أمة وهي لا تملك قوت يومها؟ هل يرضى عن خير أمة وهي مقصرة في مجال العلم والتكنولوجيا بهذا التخلف المذري؟ إذا لم نفق الآن فمتى نصحو؟ هل ننتظر أن نلقى ربنا ويحاسبنا بتقصيرنا؟

     أزعم أن الإبداع في مجال العلم والمادة، مسؤولية هذه الأمة نحو بعث حضاري جديد؛ لأننا نملك مقومات الحضارة القوية البنيان، التي تهتم بالروح والجسد ومؤهلة لقيادة البشرية.

     إننا في أمس الحاجة إلى الطبيب المسلم النابه، لعلاج المرضى، والصيدلى العالم ليجنبنا شرور الأدوية الفاسدة التي تفتك بالأمة، وغيرهما في كافة التخصصات المختلفة .

     إن المسلم الذي يساعد في دفع التنمية الاقتصادية في أي بلد مسلم له فضل عظيم ومثوبة إن شاء الله في الآخرة ﴿قُلْ إنَّ صَلاَتِيْ وَنُسُكِيْ وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِيْ لله رَبِّ العـٰـلَمِيْن﴾، ولقد قَبَّلَ الرسول صلى الله عليه وسلم اليد الخشنة التي تعمل وتكدح، وقال هذه يد يرضى عنها الله ورسوله .

     إن في اعناقنا مسؤولية أمام الله، إذ لم نؤدها حق أدائها فما ندري ما الله صانع فينا؟ وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم. فهل من بعث حضاري جديد لنرضى الله ورسوله؟؟

*  *  *