مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، ربيع الثاني – جمادى الأولى 1431 هـ = مارس - مايو 2010م ، العدد :4-5 ، السنة : 34

 الأدب الإسلامي

رحلتي مع اليَرَاع

 

شعر: سعادة الدكتور محمد العيد الخطراوي

 

سلمْتَ يَرَاعي من المخزيا

ت وعشْتَ عفيفاً كريم الشيم

وصليتَ في حلبات البيان

بشعر أصيل شهي النغم

ونثر بديع تَراقِصُ فيه الـ

ـحروف نشاوى وتحلو الكلم

فللشعر منك مواويلُهُ

تنافس كلَّ بنود العجم

وتلقاك فيه شفاه العذاري

تَضُوع نداءً ثريَّ الحُلُم

وللنثر منك أكفُّ الصبايا

تدق الدفوف وتجلو العصم

وتدعوك في حِكَمٍ بَالغا

ت لحفظ الإخاء ووصل الرحم

فإما طربْنا وإمَا اكتأبْنا

وإما اعتصرْنا دموع الندم

وأحلامُنا: حُلُمٌ يتشظى

وأخرُ يغشاه روح القدَم

فيفنى القديم ويبلى الجديد

ويلتاث بالعارض المَدلهم

وبين ضلوعك أودعُ سرِّي

وأفرغ فيه كؤوس الألم

وفي كل درب أسائل صحبي

عن الفجر، والفجر ملء اللِّمم

وفي كل فجر أواجه ليلاً

كثير المواجع لا ينحسم

فعقلي أنتَ ، وحسي أنتَ

وفكري أنتَ إذا ما اضطرم

وأنت هواي، وأنت مناي

وأنت غنائي ولحني الأتم

فمُرْني بما شئتَ يا سيدي

فكل شؤونك أمر مهم

وسجِّل تواريخنا في اعتداد

فبعض التواريخ لا ينسجم

وبعض هوامشنا مارقٍ

بعقْدٍ الحقيقة لا ينتظم

يَرَاعي ! برئتَ من السخف قولاً

وفعلاً، وحزت الحجا والحكم

وجزتَ من المجد أعلى الذرى

وحققتَ ما كنت ترجو، فنَمْ

ولم يتلبَّسْكَ يومًا نفاقٌ

ولم يتخلَّلْك في الناس ذم

وأنَّى اندفعتَ ارتفعتَ مكانًا

وحلَّقتَ كالنجم فوق الأكم

وأثنى عليك الرفاق وقالوا:

تبارك هذا اليرَاع الأشم

تنام على شفتيه الأغاني

وتصحو الأماني وتحيى الذمم

ويبقى كما هو شهمًا أبياً

يطيب كِماماً، ويختال كُم

*  *  *

يَرَاعي الحبيب، عشقْتُكَ طفلاً

وكهلاً فتياً، بعيد الهمم

وطاولت فيك بنات الهديل

وباريت فيك حمام الحرم

وغنيت في موكب الشعر لحناً

يتيه بحبك بين الأمم

وها أنا ما زلتُ أشدو بحبك

شيخاً، وكم ذُبْتُ فيك ! وكم!

وما زال في الكأس منك بقايا

تزودني بالربيع الأجم

وتبعثني كلَّ يوم شباباً

يفيض عطاءً، ويزكو نغم

ويزرعني في صدور المرايا

رؤىً ثَرَّةً، وخيالاً أحم

فإما كتبتَ، وإما زمرتَ

فأنت الفخور بوحي القلم

وأنت من الليل لحنٌ شجيٌّ

يصدُّ الكلال، ويجلو السأم

وأنت من الفجر أضواؤه

تظل ترفرف في كل فم

وتطلق آهاتها في حنان

كطيف تواري، وطيف ألم

وفي اللوح كانت لقاءاتنا

تلوح كبارقة في الديم

تُرسِّخُ فينا مضامينه

وتنفحنا بجزيل النعم

هو الذكر في آيه قد حبو

تُ، ومن آيه قد قبست القيم

وعشت له، وبه سيدًا

لقومي، علوت به في القمم

وبين الدفاتر والكتب كانت

حياة لنا تستثير الرِّمَم

تغنيت فيها بِطَيْبَةَ شعرًا

ونثرًا صقيلاً له يحتكم

وسطرت إلياذة في حنيني

إليها، وشوقي بها يزدحم

وأسندت رأسي إلى حجرها

وأكدت أني بها ألتحم

وفي فيئها الأبدي ارتضعت

مفاخرها بين لثم وضم

أحنُّ إليها وسكناي فيها

حنينَ وليد إلىٰ صدر أم

وأصبو إلى أرضها في اشتياق

فإن أغمضت عينها لم أنم

وإن أهملت ذات يوم لقائي

تناوب قلبي الأسى والألم

يَرَاعِي، لِطَيْبَةَ أنتَ، فلا

تجف مدادًا، ولا ترتطم

*  *  *

يَرَاعي نذرتكَ للمكرما

ت وأنت أصيل سليل الكرم

وأنتَ إذا شئت كنت حماماً

وإن شئت كنت الحمام الملم

وكم جنة نوهت في الورى

برب الحسام ورب القلم

وكم فتنة أطفأت نارها

وزال الصراع بها وانهزم

ولو كنت متخذًا من رفيق

تَخَذْتُكَ في الناس خالاً وعم

وأودعت فيك جميل الرؤى

وجنبتها في يديك النقم

ولولاك ما انبعثت زهرة

وما زان خط، وما زال غم

وما قام في الوطن العربي

رجال لهم ألف هم وهم

يمرون فوق رؤوس الليالي

اعتزازًا وفخرًا وعزماً عرم

وتمضي بك الآه شوطاً بعيدًا

يكاد من لأين أن ينهدم

كأنك في راحة المستحيل

عذاب ينوء بفيض التهم

*  *  *

يَرَاعي، أشكو إليك زماني

وأبكي، وملء جفوني دم

وفي معصمي تئنُّ القيود

وتبكي على عمري المنصرم

وينزف جرحي ذلاً، ويهمي

وجرح المذلة لا يلتئم

ويزدحم الصمت فوق شفاهي

كمجتمع الخُرْس في حفل صُمّ

وفي داخلي ألف صوت حميم

وآخر يقذفني بالحمم

وها أنا أحمل نعشي وأمضي

وحولي يهتاج وادي العدم

ويلتاث دربي بأوزاره

فتكبو السروج وتنبو اللجم

ويصنع منك رحيلي انكسارًا

وقد كنت من قبل لا تنهدم

رحيلي منك إليك اهتراء

على حافة الموت، والموت حمّ

رحيلي إليك هزيم الرياح

وفوضى العواصف إذ تحتدم

حنانيك يا قلب لا تبتئس

ففيك ومنك تجود النعم

وربَّ رحيل يجر سلاماً

وربَّ رحيل يجر الندم

وقد كدت أكسر يوماً يراعي

وأُلقي به في مهاوي العدم

وكدت أشقق يوماً طروسي

وأرمي فتافيتها في السدم

وكدت أريق مداد دواتي

وأنثر أجزاءها في الرمم

لماذا؟! لأني أضعت طريقي

إلى العالم الساحر المنسجم

ولكنني عُدْتُ فورًا لرشدي

برأي أريب، وفكر أتم

وأدركت أن الحياة يَرَاع

وطرس وحبر ووحي قلم

وجردت من كبريائي سيفًا

كمثل يَرَاعي بعيد الهمم

رفضت به سخريات زماني

وعلَّمْتُه لغة المنتقم

وباسم يَرَاعي بدأت حياتي

وأنهيتها بصرير القلم

 

*  *  *

*  *

*