مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، محرم – صفر 1432 هـ = ديسمبر 2010م – يناير 2011م ، العدد :1-2 ، السنة : 35

الفكر الإسلامي

 

من قيم الهجرة الإعداد للمستقبل

 

بقلم: الدكتور السيد رزق الطويل

 

الحياة الصالحة رهن بذاكرة واعية؛ فحياة الفرد تتجه نحو العزة والقوة، وتحقيق الأهداف المأمولة مادام يملك ذاكرةً يقظةً تضع أمامه التجارب السابقة فيتلافى أخطاءها، كما تجسد أمامه صور النجاح الماضية له أو لغيره فيلتمس القدوة منها.

     وسنة الله في الأمة هي سنته في الأفراد ولن تجد لسنة الله تبديلاً؛ فمسيرة الأمة على النهج الصحيح والخطة الراشدة: متوقفة على مدى استفادتها مما مر بها أو بغيرها من تجارب مؤثرة في عصورها الخالية. ومن هنا كان لزاماً على أمتنا المسلمة أن تتعامل مع أمجادها التاريخية بصورة تجعلها تتخذ منها الحافز على الجهاد، والدافع إلى الالتزام بالقيم والمبادئ التي أرست أمجاد الأسلاف.

     والأمجاد التاريخية في مسيرة أمتنا المسلمة كثيرة وعظيمة، وفي منهج الإسلام الدعوة إلى أن يكون حاضر الأمة موصولاً بماضيها، وأن تضع نصب أعيننا أخطاء السابقين لتتلافاها، كما تعمل بجد وعزم لإحراز مجد كالذي فعلوا، وقد قال رب العالمين:

     قُلْ سِيْرُوْا فِي الَأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عٰقِبَةُ الْمُكَذِّبِيْنَ (سورة الأنعام، آية:11)

     كما قال تعالى: اُوْلٰئِكَ الَّذِيْنَ هَدَى اللهُ فَبِهُدٰهُمُ اَقْتَدِهْ (سورة الأنعام، آية:90).

     وقال للأمة الخاتمة:

     لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِـمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (سورة الأحزاب، آية:21).

 

أسلوب الذكرى

     ومن الأمجاد التي يحفظها تاريخ أمتنا ويتردد ذكراها كلما حل ميقاتها الذي وعاها في سالف الزمان الهجرة المباركة للرسالة الخاتمة والرسول الكريم من مكة إلى المدينة لقد تعودنا أن نذكرها مع بداية العام الجديد ومشرق هلال المحرم وإنْ كانت أحداثها الكبار وقعت في شهر ربيع الأول وأيّاً ما كان الأمر فالذي يعنينا هو أسلوب الذكرى إذ هو الذي يجعل من هذا الحدث مصدر عطاء سخى يبعث في الأمة الهامدة الحياة والحيوية، ويصلها وصلاً قويًا بمصادر القوة والاعتزاز.

     فماذا ينبغي لنا أن نفعل؟.

     إن حدث الهجرة غير مسيرة التاريخ الإنساني. إنه جعل الدعوة المضطهدة دولة قائمة امتد عطاؤها بالهداية والبر إلى مشارق الأرض ومغاربها. ومضى عليها الآن حين من الدهر تجاوز أربعة عشر قرناً. ولابد لنا من وقفة أمام هذه القرون الخالية نتعرف منها حساب الكسب والخسارة وأسباب الكسب وعوامل الخسران.

     لقد سار المسلمون في عصر نبيهم الكريم عليه الصلاة والسلام وفي عصر الخلفاء الراشدين من بعده على طريق الدعوة والعمل الإسلامي بروح الهجرة، فكانوا «كما أراد لهم الله» خيرَ أمة أُخْرِجَتْ للناس.

     وأعنى بروح الهجرة ما ارتبط بأحداثها من قيم ومبادئ؛ منها ضرورة التضحية في سبيل المبادئ والقيم، وأن الإيمان الصادق بذل وعطاء، ومنها أهمية الأخذ بالأسباب، وتدبير الخطة الراشدة التي تنبع من الإيمان بالسنة الكونية، ومنها الثقة في الله تبارك وتعالى واليقين بوعده. ومنها صدق الصحبة، والوفاء بالتزاماتها. ومنها أن السلوك الديني بما يتسم به من استقامة ورشد هو في منهج الإسلام يشمل أمور الدين وأوامر الدنيا جميعاً.

     كانت هذه القيم كلها مددًا زاخرًا تعلم منه النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحبه الأبرار الكثير والكثير على طريق الجهاد والنضال.

 

انتصارات في ظلال الهجرة

     ومن أجمل ما علمه القرآن الكريم لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الدرس من دروس الهجرة، وخلاصته التأييد الحتمي من رب العالمين لنبيه الكريم. كان ذلك في غزوة تبوك، هذه الغزوة التي أحاطت بها ظروف صعاب، حتى سُمِّيَ الجيش الذاهب للغزو جيش العسرة، وتخاذل بعض الناس تحت بواعث الحر الشديد، وعدم توافر المؤن مما جعل كثيرا من المالكين ضنينا بما عنده.

     وهنا يأتي الدرس للمتخاذلين سواء منهم المنافقون والصادقون، يُعَلّمَهم أنّ تخاذلهم، لن يحجب النصر عن نبيه، وأمامهم درس الهجرة، لقد انتصر الله لنبيّه وصاحبه وهما في الغار وأحاطت بهما قريش، وصرفهم الله عنهما وهو اللطيف الخبير قال سبحانه: إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (سورة التوبة، آية:40).

     إنه درس حرك بلا ريب ذاكرة الأصحاب إلى أن يضعوا نصب اعينهم ما مر بهم من أحداث وليقيموا سلوكهم في دنياهم على هذا الأساس، سواء فيما يتصل بعلاقتهم بالله تبارك وتعالى أم بعلاقتهم بالناس وتوالت الانتصارات في ظلال قيم الهجرة، ولاسيما أن النبي عليه الصلاة والسلام علمهم أن الهجرة بعطائها الذي لاينضب لم تتوقف بعد فتح مكة، وإنما هي مستمرة على نحو آخر هو العمل الصادق، والجهاد الواعي، والنفرة دفاعاً عن الحق وذودًا عن حماه، وصيانةً للقيم والمبادئ التي جاء بها الدين الحق فقال عليه الصلاة والسلام: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية وإذا استفرتم فانفروا».

     وبلغت دعوة الإسلام المشارق والمغارب.

 

سر الضياع

     ثم ران على القلوب وباء التخاذل، فأصبحنا مؤمنين بلا عطاء، متوكلين بلا عمل ولا خطة، فنسينا السنة الكونية وتعلقنا بالدجل والأوهام، ضعفت ثقتنا بالله فتخلينا عن شريعته السمحة، ورحنا نستورد النظم البشرية من هنا ومن هناك، وضاعت قيم الهجرة فضاع معها من أمتنا معاني الكرامة والقوة والاعتزاز، وليس من حقنا أن ننسى، وما ينبغي لنا أن نكون على هذه الغفلة وذكرى الهجرة تصافح الآذان وتطوف بالأذهان كل عام. لكن ذكرانا لها هزيلة وعليلة إنها مجرد كلمات نسمع بها حكاية الهجرة التي تهز مشاعرنا لحظةً وينتهي الأمر، وننصرف وكأن لم يحدث شيء، أوْ كأَنْ لَمْ يتردد في الخاطر أمر حدث عظيم، ولأجل ذلك، ولكى تستفيد أمتنا من ذكريات أمجادها لابد لها من أن نصطنع لنفسها مسلكا آخر تواجه به ذكريات الأمجاد، وعلينا أن نسأل أنفسنا في صراحة وصدق: ماذا علينا أن نفعل ونحن في رحاب ذكرى الهجرة؟.

     نحن مطالبون بعمل نقدمه إن كنا أمةً حريصةً على استعادة قوتها وكرامتها.

     الإيمان عطاء وبذل، فهل نحن على استعداد للتخلى عن أهوائنا لتستعيد أمتنا وحدتها وتماسكها.

     هل لنا أن نعلن استمساكنا بشرع الله وحكمه وبقيم الدين الحق وسلوكياته ليمنحنا الله النصر الذي وعد به المؤمنين؟.

     التخطيط والأخذ بالسنة الكونية منهج الإسلامي، وهو من قيم الهجرة، فهل نحن على استعداد للتخلى عن العشوائية والاتكالية واللامبالاة في مواجهة النكبات العظام والأحقاد السوداء التي تراد بأمتنا.

     هل لأمة الإسلام أن تجتمع مع ذكرى الهجرة على جديد مفيد يقوم المسيرة ويهديها سواء السبيل.

 

*  *  *