مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، محرم – صفر 1432 هـ = ديسمبر 2010م – يناير 2011م ، العدد :1-2 ، السنة : 35

الفكر الإسلامي

 

الصحابة كيف يجب أن نعتقد عنهم؟

 

بقلم:  شيخ الإسلام حسين أحمد المدني رحمه اللّه

تعريب: محمد ساجد القاسمي(*)

 

کان ولايزال علماء دیوبند الربا نیون حارسین للشریعة الإسلامیة، ینفون عنها تحریف الغالین، وانتحال المبطلین، فما قامت فرقة أوجماعة أوحرکة تنال من الدین الإسلامي وتشوِّہ وجهه النیر، وتسبب الاختلاف والافتراق في الأمة الإسلامیة، إلا وقد شمروا لها عن ساعدهم ،وأرشدوها باللسان والیراعة إلی الصواب والصراط المستقیم. فحواراتهم و مناظراتهم مع الفرق المنحرفة والضالة، وکتبهم في الرد عليها شغلت رکنًا کبیراً في المکتبة الإسلامیة الأردیة، فمن ذلک التراث الضخم هذا الکتاب المعرب من الأردیة المعنون ب”الصحابة کیف یجب أن نعتقد عنهم؟” لشیخ الإسلام السید حسین أحمد المدني - رحمه الله - شیخ الحدیث بدارالعلوم دیوبند سابقاً، وقد قدَّم له حکیم الإسلام المقرئ محمد طیب - رحمه الله - رئیس الجامعة الإسلامیة دارالعلوم بدیوبند الأسبق، تقدیماً طویل النَّفَس ضافي القول، فإلی القراء العرب ذلک الکتاب بمقدمته . (المترجم)

 

مقدمة:

بقلم حکیم الإسلام الشیخ محمد طیب/ رحمه الله

رئیس الجامعة الإسلامیة دارالعلوم بدیوبند سابقاً

 

     قبل أیام أرسل إليَّ أحد خریجی الجامعة الإسلامیة دارالعلوم بدیوبند خطاباً یطلب فيه شهاداته، ویکشف فيه الستار - هامشیاً- عن أفکار الجماعة الإسلامیة ثم میله إلیها ووقوفه منها موقفاً إیجابیاً، وکان هذا الموقف یحتاج إلی الإصلاح والتوجيه، فکتب شیخ الإسلام حسین أحمد المدني جواباً علی الخطاب تناول فيه بعض البنود من دستور الجماعة الإسلامیة بالانتقاد نُصحاً له وإرشاداً إلی الطریق القویم. وقد جاء الجواب میزاناً عادلاً وقسطاساً مستقیماً یمیز بین الحق والباطل في أفکار الجماعة الإسلامیة خصوصاً، والأفکار الشاذة المعاصرة عموماً؛ ولیس موضوع الجواب فکرة غیر أساسیة من أفکار الجماعة؛ فیُرْفَضَ تحمیلُ مسؤولیتها الجماعةَ إسناداً لها إلی الأستاذ أبي الأعلی المودودي مؤسس الجماعة، کما هو دأب أعضاء الجماعة والمتحمسین لها، في مثل هذه  المواقف، وإنما موضوعه بند من البنود الأساسیة لدی الجماعة، یؤمن به ویراه حقا مؤسسُ الجماعة وأعضاؤها علی السواء. فان کان أعضاء الجماعة کلهم یؤمنون بالدستور الذي نشر عن الجماعة (وهم یؤمنون به ویقبلونه لا محالة؛ لأن صرحَ الجماعة یقوم علی رکائز هذا الدستور) فلاشک أن البند السادس من الدستور المشتمل علی أنه لایُتَّخذ أحد سوی الله ورسوله مقیاساً للحق، ولایعتبر متسامیاً عن الانتقاد، ولایُطاعُ أحد بالعبودیة الذهنیة أصل ثابت ومعتقد متفق عليه لدی أعضاء الجماعة کلهم. فالشیخ -رحمه الله- تناول هذا البند في رسالته بالتحلیل، واستدرک عليه استدراکات في ضوء الکتاب والسنة. فهي کلها حجة علی کل عضو من أعضاء الجماعة، ولابد للجماعة أن تترفع عن العصبیة، وتفکر فیها بجدیة؛ وذلک أن المعتقدات لیست ممایتعلق بأمور الدنیا، وإنما هي تتعلق بأمور الآخرة فهي أحوج إلی العنایة وأحری بها.

     وقد سلط الشیخ أضواء من الکتاب والسنة علی البند السالف الذکر، وقبل أن تُقدَّم إلیکم تلک الأضواءُ یحلولِي أن أقوم بإماطة اللثام عن أبعاد البند ونواحيه حتی یسهل  فهم الحقائق التي لم تکن یتناولها الجواب.

     فأقول : إن الأستاذ المودودي نهی عن اتخاد غیر الله ورسوله مقیاساً للحق، واعتباره متسامیا عن الانتقاد إلا أن هذا النهي إنما یصح إذاکان الشرع لایسمح باتخاذ غیر الله ورسوله مقیاساً للحق، واعتباره متسامیاً عن الانتقاد، فإن کان الشرع یسمح به فلابأس في ذلک؛ فالبند یعني أنه لیس أحد سوی رسول  صلى الله عليه وسلم مقیاساً للحق ولامتسامیاً عن الانتقاد، ولامطاعاً بالعبودیة الذهنیة. وبالرغم من ذلک فإن کان أحد قد اتخذ أحداً من تلقاء نفسه مقیاسا للحق واعتبره متسامیاً عن الانتقاد فقد قارف جریمة وارتکب معصیة في نظر الشرع، فسیکون حدیثي فیما یاتی عن هذا البند.

     فإن فرضنا صحة هذا البند بکل کلماته ومعانيه ولو للحظة فهناک سؤال وهو أن الرسول الله  صلى الله عليه وسلم بدوره إن جعل غیره مقیاساً للحق أوشهد له به أو وضع مبدءاً یمکن اتخاذ مقاییس الحق في ضوءه فهل  هو یکون مقیاساً للحق؟ فإن کان الجواب بنعم فالبند خاطئ، وإن کان بلا فقول رسول الله  صلى الله عليه وسلم في السماح باتخاذ المقیاس غیره باطل لاقیمة له، ففي کلا الوجهین یتبخر البند السادس للجماعة، أما في الوجه الأول وهو عدم کون غیر رسول الله  صلى الله عليه وسلم مقیاساً فیعود هذا الجانب السلبي للبند باطلا. وأما في الوجه الثاني وهو حصر المقیاس في رسول الله  صلى الله عليه وسلم فقط فهذا الجانب الإیجابي أیضاً یصیر باطلاً. ولاسبیل إلی الخروج من هذه  الورطة إلا أن نتخذ کائنا من کان مقیاساً للحق، ونعتبره متسامیاً عن الانتقاد بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتی یکون رسول الله  صلى الله عليه وسلم بالذات مقیاساً وغیره بأمره.

     ۱ - هل  أصحاب رسول الله  صلى الله عليه وسلم مقاییس الحق والباطل؟

     بقي تساؤل وهو أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم هل  نصَّ علی کون أحد مقیاساً للحق واعتبره فوق الانتقاد أم لا؟ فالإجابة عنه بإیجازٍ أن الرسول  صلى الله عليه وسلم نصَّ علی أن الصحابة - رضي الله عنهم أجمعین- معاییر الحق وموازین العدل ونهی عن توجيه الانتقادات إليهم، ودعا إلی إطاعتهم، وقد جاء کل ذلک في أحادیث صریحة لاغموض فیها ولاإبهام. فکون الصحابة رضي الله عنهم معاییر للحق لیس أمراً مجتهداً فيه، بل هو منصوص عليه؛ حیث قال الرسول  صلى الله عليه وسلم :

     «تفترق أمتي علی ثلث وسبعین ملة کلهم في النار إلا واحدة قیل من هم یارسول الله ؟ قال ما أنا عليه وأصحابي».

     فالحدیث یفید بأن معیار الهدایة والضلال أوبتعبیر آخر مقیاس الحق والباطل في مختلف الفِرَق والملل هو منهاج الرسول  صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، ولایفید بأن هذا المنهاج مقیاس الحق منفرداً عن ذوات الرسول  صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، وإنما هذا المنهاج یوجد في هؤلاء الشخصیات ولولم یکن الأمرکذلک لما کان لقوله  صلى الله عليه وسلم : «ما أنا عليه وأصحابي» معنی في جواب «من هم» وحسبه أن یقول : «ماجئت به» أي إن مقیاس الحق هوماجئت به من الدین، ولیس معنی ذکر هذا المنهاج مستنداً إلی الشخصیات إلا الإفادة بأن النقوش السوداء في الکتب لاتکون مقیاساً للحق، وإنما مقیاس الحق الرجال الذین تمثلوا هذه  النقوش والأعمال والحرکات والسکنات، واختلط ذلک بلحمهم ودمهم بشکل لایمکن فکاک ذواتهم عن الدین، وفکاک الدین عن ذواتهم. فبالجملة أن مقیاس الحق لیس الکتب والتراث بل الشخصیات التي هي صورحیة لها.

     ﴿بَل هُو آیَاتٌ بَیِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِینَ أوتُوا العِلمَ ومَایَجحَدُ بآیٰتِنَا إلاَّ الظَّالِمُون﴾(سورة العنکبوت : ۴۹)

     ثم إن الرسول  صلى الله عليه وسلم لم یکتف في هذا الحدیث بقوله: «ما أناعليه» وإنما قرن به «وأصحابی» تنبیهاً علی أن الصحابة هم الآخرون مقاییس للحق کالرسول  صلى الله عليه وسلم في معرفة مختلف الملل والمدارس الفکریة، ولهذا یکفي في عصر الرسول  صلى الله عليه وسلم وفیما بعد عصره لمعرفة رجال أي مدرسة فکریة أن نری: هل  هم یسلکون علی درب الصحابة الکرام رضي الله عنهم، أم یحیدون عنه، وهل  یقتدون بهداهم أم لایرون الاقتداء بهم، وهل  یُحسنون الظنَّ بهم أم لا یرونهم موثوقاً بهم ؟ هذا هو شأن الذي یتخذ مقیاساً للحق، فاتضح جلیا من هذا الحدیث الشریف أن الصحابة الکرام أیضاً بجانب الرسول  صلى الله عليه وسلم مقاییس الحق، والحدیث نص في هذا الباب.

     وذلک أن الحدیث قد سیق بأسلوب یسوِّي بین طریق الرسول  صلى الله عليه وسلم وطریق أصحابه حتی إنه من سلک طریقهم فقد سلک طریقه ومن اقتدی بهدیهم فقد اقتدی بهديه وهذا أشبه شيء بما قال الله عزوجل عن الرسول  صلى الله عليه وسلم :

     ﴿مَن یُطِعِ الرَّسُولَ فَقَد أطَاعَ الله﴾ (النساء/۸۰)

     فمعنی الآیة الکریمة وفحواها أن إطاعة الله وإطاعة الرسول  صلى الله عليه وسلم أمران متساویان لامفترقان؛ فمعیار معرفة إطاعة الله هو معرفة إطاعة الرسول  صلى الله عليه وسلم، فإذا کانت إطاعة الرسول فهناک إطاعة الله لامحالة وإلا فلا.

     هکذا فإطاعة رسول الله  صلى الله عليه وسلم وإطاعة الصحابة الکرام، وطریقه وطریقهم لیسا أمرین مفترقین وإنما هما صنوان لایفترقان، وتؤمان یتشابهان، فمن سلک طریقهم فقد سلک طریقه، ومن اقتفی أثرهم فقد اقتفی أثره، فالصحابة کالرسول في کونهم مقاییس الحق وموازین العدل.

     هذا والحدیث یدل - بجانب فضلهم وقدوتهم، وحظوتهم عند الله عزَّوجل- علی کونهم مقیاساً للحق والباطل، ومحکا للانتقاد في الجید والزائف، وعلی أنهم لیسوا مستقیمین علی الحق فحسب بل هم منارة النور، وهداة الحق. وهذا التکریم و التعظیم للصحابة الکرام لایثبت بالرائ أو القیاس. بل الرسول  صلى الله عليه وسلم قرنهم بنفسه وشهدلهم بذلک حتی أصبح ذلک أمرا منصوصاً عليه لاقیاساً مستنبطاً.

 

2- التسامي عن الانتقاد:

     فلما تقرر أن الصحابة کالرسول هم الآخرون معاییر الحق للأمة الإسلامیة جمعاء فهل  یحق لفردمن أفراد هذه الأمة أن یوجه الانتقاد إليهم أویستدرک عليهم ویعدَّ زلَّاتهم؟ أم یحق للصحابة أن یقرروا خطأ الأمة وصوابها؟ من لایعلم أن الانتقاد هو حق المقیاس لاحق المحتاجین إلی المقیاس. وما أبعدَ أن یکون المحتاجون إلی المقیاس في معرفة الخطأ والصواب معیاراً !!

     علی هذا فالرسول  صلى الله عليه وسلم متسامٍ عن الانتقاد لکونه مقیاساً، والصحابة رضي الله عنهم أیضاً متسامون عن الانتقاد لکونهم مقاییس الحق، وإلا فاعتبار أحد مقیاساً ثم توجيه الطعن إليه أمران لایجتمعان معاً. لذلک فإن کان الصحابة رضي الله عنهم مقاییس لمعرفة الحق والباطل لدی مختلف الفرق الإسلامیة، ولاریب في ذلک في ضوء الحدیث السالف الذکر؛ فإنهم متسامون عن انتقاداتها لامحالة، وإلا فلایکون لکونهم مقاییس الحق معنی.

 

3- العبودية الذهنية:

     فلما اتضح أن الصحابة مقاییس الحق ومتسامون عن الانتقاد فهناک لابد أن یوضع في الاعتبار أمر هو أن کونهم مقاییس للحق لایعني أنهم کحجر الصیر في یمیز الجید من الزائف، أما الحجر بدوره فلاجید ولازائف، کذلک الصحابة یمیزون بین الحق والباطل لدی الفرق المختلفة، أما الصحابة فهم لیسوا علی الحق ولاعلی الباطل؛ ذلک أن الرسول  صلى الله عليه وسلم قرنهم بنفسه في الحکم، وشهد لهم بذلک. وواضح أن کون الرسول مقیاساً للحق یعني أنه آیة في الصدق والأمانة لایتطرق إليه باطل، والصحابة کذلک یعني کونهم مقاییس للحق أنهم غارقون في الصدق والأمانة من فرق رؤسهم إلی أخمص أقدامهم لایرتقی إليهم باطل، إذن فمعنی کون الرسول  صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم مقاییس الحق أنه یمکن بهم التمییز بین الحق والباطل، ویمکن بهم الوصول إلی الحق؛ لأنهم نماذج متکاملة للحق، شهداء للحق لدی الأمة الاسلامیة، فلا یعرف الحق إلا بهم ولایوجد إلا لدیهم.

     فالصحابة رضي الله عنهم معیار ومحک انتقادي للفِرَق ذات الاتجاهات المختلفة من الأمة الإسلامیة، فأيُّ فرقة التزمت باتباعهم فهي علی الحق وأيُ فرقة حادت عن طریقهم فهي علی الباطل، ولاشک أن الالتزام باتباعهم أقله أن یُقَامَ بتعدیلهم بدلَ الطعن عليهم، وبتائیدهم بدلَ تسقُّط زلاتهم، وبإحسان الظن بهم بدلَ إساءة الظن معهم، وباعتبارهم أمناءَ أوفیاءَ بدلَ إلصاق التهم بهم وافتراء الکذب عليهم . فاذا لم تَحْظَ طبقة من طبقات الأمة الاسلامیة بهذه الدرجة من الاتباع فهي لاتصیب الحق لامحالة، ولاتستطیع التمییز بین الحق والباطل؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم بعد الرسول  صلى الله عليه وسلم هم الرعیل الأول من المسلمین، وحملة لواء الدین المبین، والدین وحدة متکاملة متعدة الأجزاء کثیرة الأطراف، لم تصل إلینا هذه  الأجزاء إلا عن طریق هؤلاء الصحابة، فصحابي یروي حدیثا، وآخر ینقل آیة، وذلک ینقل مسألة، فإذا کان صحابي مطعوناً عليه فما رواه من أجزاء الدین من آیة أوحدیث أومسألة فهو أولی بالرفض وأجدر، فاذا سُوِّغَ انتقاد الصحابة والطعن عليهم، وتعدی ذلک حتی عمَّ الصحابة جمیعاً، کما یطالبنا دستور الجماعة لایبقی جزء من أجزاء الدین سالماً محفوظاً، ولایمکن لفرد من أفراد الأمة أن یدعی تدینه؛ فالذین یُجوِّزون انتقاد الصحابة والطعن علهیم ویجعلون ذلک مبدء اً لهم فعليهم أن یروا دینهم هل  هم باقون عليه أم مارقون منه؟

     علی کل حال فأقل مراتب الالتزام باتباعهم وأقل مراتب العبودیة الذهنیة لهم هو إحسان الظن بهم، وکف اللسان عن توجيه الانتقاد إليهم، فلایمکن الاتباع مع تخطیئتهم؛ لأنه لایتبع الخطأ مع اعتقادہ خطأً، فبموجب هذا الحدیث لایکون علی الحق إلافرقة تُکِنُّ عواطف التعدیل والتصدیق والتنزيه تجاه الصحابة رضي الله عنهم، ولاشک أن الفرقة التي تتوافر فيها هذه الشروط والصفات هي أهل السنة والجماعة.

     هؤلاء الذین یعتقدون أن الصحابة کلهم عدول، أثبات، سدیدو الخُطی، صادقو النیات، وکانوا إذا اختلفوا فیما بینهم فماکان في اختلافهم سوء، وکان اختلافهم خیراً من ائتلافنا وتضامننا، لهم نفوس مطمئنة، وقلوب قد امتحنها الله للتقوی، تصدقهم بمقدار نصف مُدٍ شيئاً أفضلُ من تصدقنا بمقدار جبل، أبر الناس قلوباً وأعمقهم علماً، وأقلهم تکلفا، هم في قمة من الإیمان والإخلاص، لن یبلغها الأمة بأسرها، ولله درالحسن البصري حیث ذکر ماللصحابة رضي الله عنهم من مکانة عالیة وشأن عظیم:

     «إن الغبار الذي دخل في أنف فرس معاویة مجاهداً في سبیل الله خیرمن عمر بن عبد العزیز».

     وبدیهي أن من یُکِنُّ هذه  المشاعر النبیلة نحو الصحابة رضي الله عنهم کمعتقد دیني فلایخطر له انتقادهم وتوجيه الاعتراض علیهم علی بال.

     أما «العبودیة الذهنیة» فلامحید عنها؛ لأنها في الدین المأثور المتوارث، وأتباع هذا الدین أحوج مایکونون إلی الطبقة الأولی في کل شيء: في الروایة والدرایة، وفي التلاوة والتزکیة، وفي الإجمال والتفصیل، فلا مَخْلَصَ لهم من العبودیة الذهنیة ولامنجاةَ.

     ولما جعل الرسول  صلى الله عليه وسلم أصحابه مقیاساً للحق، حیث لایتمیز الحق من الباطل، والحسن من القبیح إلابهم؛ فلابد للمرء حینئذ من العبودیة الذهنیة، وإلالم یکن محقاً بل مبطلاً. إن الروافض والخوارج والمعتزلة ومن علی شاکلتهم أصبحوا مبطلین؛ لأنهم کانوا لایرون الصحابة رضي الله عنهم متسامین عن الانتقاد، ولایرضون بالعبودیة الذهنیة لهم، ولایتناهون عن الطعن عليهم، مما نهی عنه الرسول  صلى الله عليه وسلم حیث قال :

     «الله الله في أصحابي لاتتخذوهم من بعدي غرضا فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، خیر القرون قرني، ثم الذین یلونهم، ثم الذین یلونهم».

     فالذین یوسعون نطاق انتقادهم حتی الصحابة الکرام، ویسوغون انتقادهم والطعن عليهم، فکفی بهذا الأمر الواحد دلیلاً علی فساد مذهبهم، وبرهاناً علی اعتزالهم عن أهل  السنة والجماعة، ثم أنهم سواء کانوا فرقة جدیدة، أو کانوا مقلدین لبعض الفرق الضالة القدیمة، وبالجملة أنهم لیسوا من أهل  الحق في شيء.

     ویتضح من الحدیث کذلک أنه لماکان الصحابة علی الحق ومعیارا للحق، فبمعارضتهم تنشأ فرقة جدیدة، أما باقتدائهم فلا، بل لاتزال تبقی تلک الجماعة المستقیمة علی الخیر، المتصلةُ أو اصرُها الروحیة عن طریق الصحابة بالرسول  صلى الله عليه وسلم، ولم تکن علی عهد الرسول  صلى الله عليه وسلم إلا جماعة واحدة : جماعة الصحابة الذین کانوا علی الحق ومعیار الحق، فالفرق التي نشأت من بَعْدُ نشأت لسلوكها الدرب المعاکس للصحابة رضي الله عنهم فکانت ضالة.

     فالذین یعظِّمون الصحابة، ویُجِلُّونهم، ولاینتقدونهم، ولایطعنون عليهم فهم لیسوا فرقة، بل هُم الذین ينتهي نسبهم في العقیدة والعمل إلی جماعة الصحابة في القرن الأول، ولتمسكهم بسنة الصحابة حقیق أن یسموا «أهل  السنة والجماعة».

     وأما الذین لایکفون عن انتقاد الصحابة والطعن عليهم، والذین یتخذون ذلک مبدءاً لهم، یحدثون محدثات في الدین، ویعبرون عن الدین بأسالیب جدیدة خلابة، ویسببون للفوضی والانحلال في الأمة الإسلامة، فهم في الحقیقة «فرقة» لاجماعة مهما سموا أنفسهم بجماعة.

     وجماع القول أن هذا الحدیث یفید بأن الرسول  صلى الله عليه وسلم قدجعل الصحابة مقیاساً للحق، والصحابة ثبتوا مقیاساً کما هو شاء. وبهذا المقیاس تعرف الأمة الإسلامیة الجید والرديء، وأبدی الرسول  صلى الله عليه وسلم ثقته الکاملة بهم، بحیث جعل منهاجهم منهاجه وجعل منهاجه منهاجهم، وجعلهم حجة للأمة الاسلامیة یعرف بها الحق والباطل إلی قیام الساعة.

     إذن فا دعاء الأستاذ المودودي في البند الأساسي لدستور الجماعة ادعاءً مطلقاً شاملاً بأنه لیس أحد سوی الرسول  صلى الله عليه وسلم مقیاساً للحق، ولامتسامیاً عن الانتقاد مما یؤدي إلی السماح بانتقاد الصحابة والطعن عليهم، لیس معارضة للحدیث فحسب، بل ادعاء لکونه نفسه مقیاساً للحق لحدما، ثم الاجتراء علی انتقاد الصحابة فکان البند الذی جعل أساساً للحرکة قد تم انتهاکه لحساب نفسه، ثم محاولة جعل نفسه معیاراً للسلف والخلف.

     وفي جانب آخر تفید کلمات الحدیث أنه لم یُجْعَلْ سوی الرسول واحد أواثنان من الصحابة مقیاساً، بل وردت في الحدیث کلمة «أصحابي» إشارةً إلی أن جمیع الصحابة مقاییس وواجب اتباعهم، وقد ورد الأمر بوجوب الاتباع في مختلف الأحادیث بذکر ثُلاثَ ورُباعَ من الصحابة أحیاناً، وبذکر جمیع الصحابة أحیاناً أخری؛ ذلک أن للمقیاس بصفته مقیاساً إذا لم یکن واجب الاتباع فلایکون للمقیاس معنی، ولماکان جمیع الصحابة معیاراً فالصحابة کلهم واجب الاتباع، ومطاعو الأمر.

     «ولن یَظُنَّ أحد بأن الصحابة لهم مذاهب مختلفة، وآراء متضاربة في المسائل الفرعیة فلابد أن یکون اتباع بعضهم تنازلاً عن اتباع بعض آخر؛ فلایمکن اتباع الجمیع».

     أقول: إن اتباع البعض متجنباً الانتقاد والطعن عليهم، ومُجِلاًّ لهم اتباعٌ للجمیع. کما أن نبیاً من الأنبیا یجب اتباعه عملیاً مع الاعتقاد بأن جمیعهم مقاییس الحق، یجب إجلالهم وتقدیر هم، ویُکَفُّ عن انتقادهم وتخطیتهم، فهو اتباع للأنبیاء بأجمعهم، وإلا فإطلاق اللسان بالطعن والانتقاد علی نبي مع اتباع جمیع الأنبیاء یکون معارضةً لهم وخروجاً عليهم.

     والصحابة بدورهم مع اختلاف مذاهبهم وآراءهم یوقر بعضهم بعضاً، ولایحتمل بعضهم إساءة إلی بعض کما أن تصدیق الأنبیاء مع اختلافهم في شرائعهم هو رأس الإیمان، فإذا طعن طاعن وانتقد منتقد علی البعض فقد عارض هذا القاسم المشترک، فکأنه خارج علی الجمیع وثائر عليهم. وإلی هذا یشیر الحدیث الآتي :

     «أصحابي کالنجوم بأیهم اقتدیتهم اهتدیتهم»

     إن کلمة «أیهم» تفسیر بأن الاقتداء بأیهم یکفي لنیل الهدایة إلا أن اعتقاد جمیعهم نجوما ذات أنوار ساطعة وهداة إلی الطریق القویم واجب، فالاقتداء لایعدو واحداً أواثنین، لکن اعتقاد جمیعهم هداة یشمل الجمیع.

     علی کل فالرسول  صلى الله عليه وسلم قد صرح بکون طبقة الصحابة مقیاساً لتمحیص الحق من الباطل في المدارس الفکریة المختلفة، ومتسامیاً عن الانتقاد، وأمر باتباعهم وممارسة «العبودیة الذهنیة» لهم، أما ماعدا هذه  الطبقة فلم یصرح بکونه مقیاساً بل ذکر مبدءًا شاملاً، وأوصافاً عالیة للمقیاس تساعد علی تعیین الشخصیات ذات المستوی في کل زمان.

     ولاشک أن دواعي الضعف البشري قدکثرت بعد القرون المشهود لها بالخیر، وقد ظهر الضعف البشري من آنٍ لآنٍ عملیاً. لکن هذا الضعف لایحط من شأن الشخصیات ذات المراتب الرفیعة؛ وذلک لأمرین أحدهما: أنه یکفی لکون حیاة شخصیة حیاةً طاهرةً إذا کان طابعها الأغلب الورع والتقوی والعفاف. أما النسیان والخطأ والضعف البشري فهي مماجُبِل عليه البشر. وثانیهما أنهم مقیاس باعتبار أن یؤخذ من حیاتهم أطیبها وأحسنها وأنفعها، لاباعتبار أن کل عمل من أعمالهم وکل قول من أقوالهم حجة شرعیة، وهذا النوع من الشخصیات یوجد فی کل زمان ویکون منارة ضوء للأمة الإسلامیة.

     فقد ألقی الشیخ ضوءاً من الکتاب والسنة علی أوصاف المقیاس وشروطه، وذلک إفادةً بأن الکتب وحدها لاتکفي لإنارة الصراط المستقیم، مالم تتقمصها الشخصیات في أقوالهم وأعمالهم، وإلالم تکن الحاجة إلی بعثة الأنبیاء مع الکتب السماویة، فالأنبیاء مقیاس لتوضیح مرادات هذه  الکتب ومعانیها، فلولم یکن الأنبیاء مع الکتب لکان کل من هبَّ ودبَّ حراً طلیقا في تفسیرها وتعیین مراداتها، ولأجل ذلک یخلق الله تعالی مجددین، ومحدثین، وأئمة، ومجتهدین، وراسخین في العلم، تتخذهم الأمة الاسلامیة قدوةً لها في عقیدتها وأعمالها وحیاتها.

     «یحمل هذا العلم من کل خلف عدوله ینفون عنه تحریف الغالین وانتحال المبطلین وتأویل الجاهلینَ».

     لئن حالفني التوفیق الإلهي فسوف أعالج بإذن الله في مقالة أخری هؤلاء الشخصیات ذات المراتب العالیة وشأن قدوتهم.

     وبالجملة فرسالة الشیخ تتناول قضیة قدوة غیر الرسول  صلى الله عليه وسلم التي رفضها الأستاذ المودودي مبدئیاً في الدستور الأساسي للجماعة، وقد أثبت الشیخ هذه  القضیة قضیة أساسیة لأهل  السنة والجماعة مما جعل هذا الخلاف مبدئیاً.

     وأرجو الله أن یوفق الأستاذ المودودي ورفاقه لتوجيه العنایة إلی هذا الأمر، وملأ هذه  الفجوة؛ لأن إحداث الخلافات لقیادة أي حرکة سبب لإزهاقها في مهدها، إن الخلاف في المسائل الفرعیة لایعبأ به بمقدارما یعبأبه في المسائل الأساسیة.

 

* * *

 



(*)       أستاذ الأدب العربي بالجامعة الإسلامية دارالعلوم ، ديوبند.