مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، محرم – صفر 1432 هـ = ديسمبر 2010م – يناير 2011م ، العدد :1-2 ، السنة : 35

دراسات إسلامية

 

بابا نويل – من العادات الوافدة

 

بقلم: الكاتب الإسلامي فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن سعد الشويعر

الرياض ، المملكة العربية السعودية

 

بعد أيام يحل عيدان عند أهل الكتاب، مع بداية السنة الميلادية، ولا يجوز للمسلم اعتبارهما أو أحدهما عيداً، لأن الله قد أبدل المسلمين عنهما بعيدين في السنة هما عيد الأضحى وعيد الفطر، ولأن للمسلمين ما يميزهم عن غيرهم، في كل شيء، وأهم ذلك ما يتعلق بالدين وخاصة العقيدة التي عليها مدار الأعمال، كما في سورة (الكافرون) (لَكُمْ دِيْنُكُمْ وَلِيَ دِيْن).

     وقد وُجِّه لفضيلة الشيخ «محمد بن صالح بن عثيمين» رحمه الله، هذا السؤال: ما حكم تهنئة غير المسلمين بعيد (الكريسمس) أو عيد رأس السنة الميلادية، وذلك لأنهم يعملون معناً؟ وهل يجوز الذهاب إلى أماكن الحفلات التي يقيمونها بدعوة منهم؟ وهل يأثم الإنسان إذا فعل شيئًا مما ذكر، ولكنه لم يفعله باعتقاد وإنما فعله مجاملةً أو حياءً أو إحراجاً، أو غير ذلك من الأسباب؟ وجزاكم الله خيراً.

     فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز تهنئة الكفار بعيد الكريسمس، ولا غيره من أعيادهم الدينية؛ لأن ذلك ينبئ عن رضا بهذا العيد واقراراً به؛ ولا يجوز رضا المسلم بشعائر الكفر، ولا الإقرار بها، لأن ذلك لا يرضي الله عز وجل، قال تعالى: (أن تكفروا فإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلاَ يَرْضىٰ لِعِبَادِه الكُفْر) وقال جل وعلا: (وَمَنْ يَبْتَغِيْ غَيْرَ الإسْلاَمِ دِيْنًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْه وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِيْن) ونقل «ابن القيم» رحمه الله في أحكام أهل الذمة: الاتفاق على أنه لايجوز تهنئة الكفار بأعيادهم.

     وأما كونهم يهنئوننا بأعيادنا، فإنّما يهنئوننا بأمور رضيها الله لعباده، وشرعها لهم، بخلاف تهنئتنا إياهم بأعيادهم؛ لأن جميع الأديان منسوخة بدين الإسلام، الذي بعث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم، وإذا هنأونا بأعيادهم فإننا لا نجيبهم على ذلك، لأنها ليست بأعيادنا وإذا كان لايجوز تهنئتهم بأعيادهم، فإنه لا يجوز مشاركتهم فيها والذهاب إلى أماكن احتفالاتهم بها، ولو بدعوة منهم، ولا تجوز مجاملتهم في هذه الأمور؛ لأن هذا من المداهنة في الدين.. وأسأل الله أن يهديهم لدين الإسلام وأن يثبتنا عليه، ويرزقنا الاعتزاز به، إنه جواد كريم، كتبه «محمد بن صالح العثيمين».

     ولاهتمام كل أمة بدينها ومناسباتها فيه، لذا نراهم يحرصون على جذب الناس إليه ومحاولة فرضه بأي صورة كانت، ليرسخ في الأذهان على أنه هو الحق، وأن ما سواه لايجب الالتفات إليه، ويجعلون لذلك قرائن ودلالات، ولكن الحق فيما جاء عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم.

     ذلك أن الداعين إلى نحلة من الديانات المختلفة على وجه الأرض يهتمون بتبني أي شيء مؤثر، مما يتوقعونه فعّالاً في لفت النظر وجذب الناس لما يعتقدونه، كما يحرصون على التفنن في الأساليب التي يخيل إليهم، أنها تربط الآخرين بوشيجة هذه الملة التي يتحمسون لها، وكل منهم يحسب نفسه على الحق، عدا المسلمين الذين بين لهم الله ورسوله الطريق المستقيم الذي يجب السير فيه، ومع الحماسة تأتي المدافعة عن الباطل، الذي يتوقعه المتحمس معيناً في تحقيق ما يصبو إليه، وملفتاً النظر لما يعتقده فالنصارى مثلاً الذين طغى عليهم الجهل، كما جاء في سورة الفاتحة وفي حديث عديّ بن حاتم بعدما أسلم، وفي تفسير الآية الكريمة: (اتّخذُوْا أحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أرْبَاباً مِنْ دُوْنِ الله وَالمَسِيْحَ ابْنَ مَرْيَم) فهؤلاء وجد الأدعياء والكذابون مدخلاً إلى نفوسهم باسم العاطفة الدينية، لرقة قلوبهم وغلبة الجهل عليهم، ولذا اغتنم كل داعي، وتجرأ كل صاحب هدف، ليضلل الصغار قبل الكبار، لأن الصغير هو الذي تتمكن في ذهنه المعلومات ويتأثر بكل ما يُلقى عليه، ومن هنا كثر في بيئاتهم ما يريدون ربط قلوب الصغار لمعتقد بابا نويل، مقترناً باسم الخوارق والإتيان بالمعجزات وإبرازه مع قرب رأس السنة عندهم.

     وهم يرمزون من وراء ذلك إلى ترسيخ ما يعتقدونه دينيًا في عيسى عليه السلام، في أنه إله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة.. تعالى الله عن ذلك، ويريدون للآخرين إتباعهم في هذا الباطل كما أخبر الله عنهم في آيات من سورة البقرة وسورة آل عمران، يريدون ترسيخ معتقدهم مع الصغار، لينمو مع نمو مداركهم وأجسامهم حتى تثبت المعلومات فلذا نراهم فيما يقدمون من صور لبابا نويل يجسّمون شكله أمام الصغار كدمية يلعب بها الطفل، وتهدى مع رأس السنة الميلادية، ووراء ذلك حكايات للصغار، ووعد لهم بما يرتبط مع المناسبة من عقيدة كإضاة أغصان الأشجار، التي تسمى عندهم شجرة الميلاد، والحلويات والصور المرتبطة بالمناسبة.

     وغير هذا من أمور وتمثيليات في وسائل الإعلام، وذلك من أجل تهيئة النفوس لهذا الزائر كشخصية ذات مكانة، لا تأتي إلا مع عيد الميلاد، لتحمل الهدايا ويأتي معها كل ما وعد به الصغير.

     ومعلوم إن الصغار إذا وعدوا بشيء تعلقوا به، وبعد كبرهم يثبت في أذهانهم ما يرتبط بهذا الحدث. وقد اتخذ بعض الجهلة والمقلدون من المسلمين، من هذه الصفة عند النصارى أسطورةً مماثلةً حول الخضر، ولباسه ومروره على بعض الديار في أوقات معيّنة، حتى إن كثيرًا ممن ينتظره حتى يشملهم بدعواته وبركاته يشهرون الليالي العديدة ومع التعب وظلام الليل يخيل إليهم الشيطان أنه جاءهم في لباس أخضر وعمّة سوداء وأن طوله كذا مع أن جمهور المسلمين متفقون على أن الخضر قد توفي، وأما قبره فموجود في فلسطين كما يزعمون في قرية قريبة من بيت لحم.

     ومثلما أن بعض المسلمين قد قلّدوا النصارى في الحكايات المنسوجة حول الخضر وغيره، فإن النصارى قد أكثروا من الأساطير والحكايات حول بابا نويل، الذي ما أن يحين الموعد المحدّد له حتى يكون السعيد منهم من يرى هذا الموعد، الذي يتخيلون أوصافه شيخاً كبيرًا بلحيته الكثّة البيضاء التي ترمز للجو البارد، لأنه يأتي متدثرًا بملابسه الثقيلة، مبيضّة لحيته وملابسه، من آثر تساقط الثلج، كما هو الجو في بلادهم مع السنة الجديدة.

     وهم يحرصون بأن يصدّروا لبلاد المسلمين لعب أطفال على شكل بابا نويل، وقصصاً تحكي ما ينسج حوله من خرافات حتى يطبعوا في أذهان أبناء المسلمين شيئًا من معتقداتهم.

     ومن هذا المنطلق، فإن الشخصية التي تحاك حولها الأساطير: بابا نويل عند النصارى، والخضر عند بعض المنتمين للإسلام، وبوذا عند البوذيين، وراجا عند الهندوس، بل في كل نحلة وملة يوجدون تقليدًا مماثلاً حيث يلتف الأطفال، حول من يتقمص الشخصية الموهومة ليلاطفهم، ويقص عليهم حكايات خياليةً عن المعتقدات في كل نحلة وملة، يريد صاحبها أن يثبتها.

     فالنصارى يثبتون بما يحكون من قصص: فكرة المولد وما يقترن بعقيدة التثليث، وعن بنوّة عيسى لله، أو هو الله.. تعالى الله عن ذلك، وقد أبان الله عنهم ذلك، وبما قالوه على الله تقدست أسماؤه وجلت صفاته عن هذه الأمور الشنيعة.

     وشخصية «بابا نويل» لم تكن واحدة تتنقل، وإنما هي في كل مكان موجودة، حيث يحرص قساوسة الكنائس الذين هم وراء ذلك ومثل ذلك في الملل الأخرى ممن يحاكونهم في التضليل وفي أكل أموال الناس بالباطل على توسيع الدائرة واختلاق الحكايات والمعجزات، ولعل كثيراً من العادات التي نشأت عند من ينتمون للإسلام اسماً، بدون تمعّن في العمل المصحوب بالدليل، تولّدت تقليدًا لأصحاب تلك الملل، نتيجةً لضعف الفقه بشرع الله، وقلة الوازع الديني، لوجود خلل في العقيدة.

     ولما كان الصليب يتربع على صدر بابا نويل سواء كان دُمْيةً يلعب بها الصغار، أو رجلاً تقمص هذه الشخصية، ليتجمع الناس حوله كجزء من العقيدة التي يراد ترسيخها، فإنه يروي للأطفال بهذه المناسبة بعض الحكايات المتعلقة بما تدعو إليه النصرانية، وتوزّع على الحضور وخاصة النساء والعجائز والأطفال، القصص والكتيبات المزيّنة بالصورة مع الحوار المبسط، وقد جاء في الردود عليهم والحوار معهم نماذج من ذلك، كما في مقامع الصلبان وغيره.

     ومما يروى في هذه المناسبة: ما ينسب إلى قسطنطين بن هيلانة قيصر الملك، الذي ترك الوثنية الرومانية، واعتنق النصرانية، فكثر أعداؤه وكاد ملكه يذهب باختلاف رعاياه، وتشتّتَ أنصاره من الروم عليه، فأراد أن يحملهم على شريعة ينظم بها مسلكهم ويؤلف فرقتهم، فاستشار من لديه من أهل النظر، فوقع اختيارهم على أن يتعبّد القوم بطلب دم ليكون ذلك أقوى لارتباطهم معه وأوْكَد لجدّهم في نصرته، فوجدوا اليهود يزعمون أن في بعض تواريخهم، خبراً عن رجل كان منهم وفيهم، همّ أن ينسخ التوراة وما فيها من أحكام، وينفرد بالتأويل فيها، فعمدوا إليه وهو في نفر ممّن المطلوب فيهم، فصلبوه وما عندهم تحقيق بكونه ذلك المطلوب بعينه، إلا فقدهم إياه من حينئذٍ، وهذه الحيلة قد تفتق عنها حيلة من قسطنطين المذكور، حيث عمد إلى من وجد من أمة عيسى عليه السلام، وقد اختلفت دعاويها بعد المسيح بأربعين سنة، فاستخرج قسطنطين ما تبقى من رسم الشريعة التي بأيديهم، وجمع عليه وزراءه فأثبت ما شاء، وما رآه موافقاً لاختياره، كالقول بالصلوبيّة، ليتعبد قومه بدم، والقول بترك الختان؛ لأنه شأن قومه الرومان، ثم اختلق رؤيًا قال: إنها حدثت له في منامه فجمع أصحابه وأنصاره على شعار الصليب، وذلك بعد المائتين وثلاث وثلاثين سنة من ميلاد المسيح، فقال: بهذا الرسم تغلب. ثم يعرض هيئة الصليب، حيث جعله من ذلك التاريخ شعارًا، وعليه قامت الحروب الصليبية ضد المسلمين في ديار الشام.

     ودور المسلم يجب أن يركّز على نبذ كل تقليد يخالف منهج الإسلام؛ لأن الأمر الصغير يجر لما هو أكبر، والحذر مما يقدم للصغار من لعب ذات دلالة في عقائد الآخرين، حتى لا نجعل أذهان أطفالنا مزرعة لأباطيلهم، وما يريدون جذبنا إليه لكي نبتعد عن ديننا شيئاً فشيئاً.

 

عفة جرير:

     جاء في كتاب النقائض بين جرير والفرزدق، أن الفرزدق قدم على عمر بن عبد العزيز وهو على المدينة، واليها من قِبَل الوليد بن عبد الملك، فأنزله عمر منزلاً قريباً منه وأكرمه وأحسن ضيافته، ثم أنه بلغه عنه أنه صاحب فجور، فبعث إليه «عمر» بألطاف مع جارية له، وقال: اغسلي رأسه وألطفيه، جهدك، وأراد اختباره بذلك ليعلم حاله، فأتته الجارية وفعلت ما أمرها به مولاها، ثم قالت له: أما تريد أن تغسل رأسه، فأقبل عليها وذلك بعين عمر، وهو يتطلع إليه من خوخة له، ولما خرجت الجارية إلى عمر بعث إليه، أن أخرج عن المدينة ولئن أخذتك فيها ما دام لي سلطان لأعاقبنّك ونفاه عمر عن المدينة، فلما خرج وصار على راحلته قال: قاتل الله ابن المراغة، كأنه كان ينظر إليّ حين قال:

     وكنت إذا نـزلت بدار قـوم

                      رحلت بخزيةٍ وتركت عارًا

     ثم قدم جرير على عمر فأنزله منزل الفرزدق، وبعث إليه بتلك الجارية بعينها، وأمرها أن تفعل بجرير ما فعلت بالفرزدق، فألطفته وفعلت به مثل ما فعلت بالفرزدق، وقالت له: قم أيها الشيخ، فأغسل رأسك فقام، وقال لها: تنحي عني، قالت له الجارية: سبحان الله إنما بعثني سيدي لأخدمك، فقال: لا حاجة لي في خدمتك، ثم أخرجها من الحجرة، وأغلق الباب عليها واتزر، فغسل رأسه وعمر ينظر إليه، من حيث لا يدري، من حين بعث بالجارية إلى أن خرجت من عنده، فلما راح أهل المدينة من منازلهم إلى عمر، حدّثهم بفعل الفرزدق وجرير، وما كان من أمرهم، ثم قال: عجبت لقوم يفضلون الفرزدق على جرير مع عفّة جرير، وقلة ورع الفرزدق(1:397).

*  *  *