مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، محرم – صفر 1432 هـ = ديسمبر 2010م – يناير 2011م ، العدد :1-2 ، السنة : 35

دراسات إسلامية

 

دعائم الحُكم في الإسلام

 

بقلم : الدكتور / محمد الدسوقي

 

مما لاريب فيه أن الإسلام دين ينظم علاقة الإنسان بخالقه، كما ينظم علاقة هذا الإنسان بأخيه الإنسان، ومن ثم كان دينًا ودولةً، عقيدةً وشريعةً.

     وهذه الحقيقة لم تكن موضع خلاف أو جدل بين علماء المسلمين عبر تاريخهم الطويل، فما صدر عن واحد منهم قول أو رأي يخالفها، فالإجماع منعقد على أن الإسلام نظام سياسي واقتصادي واجتماعي... الخ، لأنه دين الحياة المتجددة النامية، الحياة التي تحترم الإنسان لذاته دون نظر إلى شيء آخر.

     وفي العصر الحاضر أصبحت هذه الحقيقة موضع خلاف ونقاش بين المسلمين، وظهرت بعض المؤلفات التي تحاول أن تثبت أن الإسلام دين لا دولة، أو أنه إذا كان قد صلح لعصر الجمل والصحراء فإنه غير صالح لعصر الصاروخ والفضاء.

     وكان مرد ذلك الخلاف إلى عوامل شتى أهمها: الغزو الفكري الذي خطط له المحتلون والدخلاء، لكي يمكنوا لثقافتهم في بلادنا، وقد نجحوا فيما خططوا له إلى حد كبير، فنشأت أجيال لا تعرف عن تاريخها ودينها شيئا ذا بال، على حين كان لديها بعض الإلمام بطرف من الثقافة والقوانين الأجنبية، فأصبحت لا تتحمس للإسلام كشريعة للحياة؛ بل ذهبت إلى أبعد من ذلك فنادت بالأخذ بقوانين الأمم التي سبقتنا في مضمار الحضارة المادية، وظنوا أن هذا سبيل الخلاص من الضعف والتخلف.

     ومع هذا لم تستطع حملات التشويه والتكشيك أن تبعد الأمة عن جوهر دينها، أو أصوله العامة، وإن أورثتها ألوانًا من الصراع الفكري ما تزال آثاره قائمةً حتى الآن.

     إن الإسلام دين ودولة، فقد قرر التشريعات التي تعالج كل شؤون الحياة، ولا سبيل للالتزام الصحيح والكامل بهذه التشريعات بغير الدولة التي ترعى الحقوق، وتقيم الحدود، وتهيئ للأمة كل أسباب القوة التي تدرأ عنها المعتدين والبغاة، وتكفل لها منزلة القيادة والريادة، فالإسلام إذن نظام سياسي، والسياسة فيه لا تنفصل عن العقيدة، فهي مظهر من مظاهرها، وهو لذلك ذو طابع مستقل، ولذا لا ينبغي اطلاق المصطلحات الحديثة للأنظمة السياسية المختلفة على الإسلام، وإن تلاقى مع بعضها في بعض الخصائص والسمات، لأنه نظام فريد يقوم على أسس تختلف اختلافاً جوهريًا عن الأنظمة البشرية جميعها، ومن ثم يجب أن يظل لهذا الدين استقلاله في تشريعاته وسماته، والا نلجأ إلى محاولة تلمس أوجه الشبه بينه وبين غيره من الأنظمة الوضعية، فهذه المحالة تسيء إلى الإسلام؛ لأنها على الأقل تضعه في مرتبة واحدة مع تلك الأنظمة، وهو بلأ مراء في مرتبة لا يرقى إليها أي نظام سواه..

     ولنظام الحكم في الإسلام دعائم أساسية توضّح مبلغ تفرده عن كل الأنظمة التي عرفتها البشرية في الماضي والحاضر، وأهم هذه الدعائم ما يلي:

 

أولاً : الدستور الإلهي

     يقوم نظام الحكم الإسلامي على دستور إلهي، وهو القرآن الكريم، وبهذا الدستور لا يلتقي هذا النظام مع غيره من الأنظمة الوضعية، لقيامها جميعها على دساتير بشرية، وهذه الدساتير تتسم دائماً بالقصور والأهواء، ولذلك كانت عرضةً للتغيير والنسخ والإلغاء، إن الدستور القرآني لايقبل النسخ أو الزيادة أو التعديل والتبديل فهو كامل وثابت وخالد إلى يوم الدين، لأنه كلام الحق تبارك وتعالى: (لاَ تَبْدِيْلَ لِكَلِمٰتِ الله) يونس/64.

     والقرآن الكريم من هذه الناحية ينقذ البشرية من فوضى التجارب التشريعية ويضع أمامها أقوم طريق للحياة وليس عليها إلا أن تسلك هذا الطريق، وتدع ما سواه ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّٰلِحٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ الإسراء/9.

     والكمال واضح في الكتاب العزيز غاية الوضوح، فقد استوعبت التشريعات القرآنية كل جوانب النشاط والسلوك الإنساني في دائرة الفرد والأسرة والحي والشعب والناس قاطبة في صورة قواعد كلية ومبادئ عامة غالبًا، وقامت السنة النبوية ببيان ما يحتاج من آيات القرآن إلى بيان؛ ومن ثم تعد السنة النبوية مع هذا الدستور الخالد أشبه ما تكون بالمذكرة التفسيرية للقانون، فهي خادمة له لشرح مقاصده، وتفصيل قواعده، ولذا كانت المصدر الثاني للتشريع في الإسلام. ولأن نصوص الكتاب والسنة متناهية والحوادث غير متناهية دعا الإسلام إلى الاجتهاد، وهو لايعني إنشاء الأحكام وإنما إظهارها، وقد حرر علماء الأصول شروط الاجتهاد ومجاله ومصادره وهي كلها تؤكد أن المجتهد يبذل جهده لإظهار حكم الله فيما يجد من أقضية لا تتناولها النصوص بطريقة مباشرة.

     على أن القرآن يحذر أشد التحذير من اتخاذ غيره قانونًا ويحكم به، ويخرج من يفعل هذا من جماعة المؤمنين، ويصفه بالكفر والظلم والفسوق ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكٰفِرُونَ﴾ المائدة/44 وفي آية أخرى ﴿فَأُولٰئِكَ هُمُ الظّٰلِمُوْنَ﴾ المائدة/55 وفي آية ثالثة ﴿فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰسِقُونَ﴾ المائدة/47.

     إن القرآن لم ينزل ليكون تمائم أو ليتلى في المحافل والمقابر، أو ليوضع في حجرات المنازل والمكاتب والسيارات للتبرك والزينة، وإنما أنزل ليكون هدىً للناس، يحكمونه فيما شجر بينهم من أمور، ويأخذون بتعاليمه كلها دون تفرقة بينها، لتصبح حياتهم تعبيرًا صادقًا عن هذا الدستور، وتطبيقًا حيًا لمبادئه وشعائره  ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتٰبَ مُفَصَّلا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتٰبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ الأنعام/114.

     فهذه الآية تشير إلى أنه من غير الطبيعي ومن غير المعقول كذلك أن يلجأ المسلم إلى غير الله في كتابه في الحكم بين الناس فهو منزل من عند الله بالحق، وما جاء فيه من مطلوبات ومنهيات ليس كمثله شيء في إقامة حكم سليم.

     وإذا كان القرآن دستورًا لحكم في الإسلام فإن هذا لا يعني أن النظام الإسلامي في الحكم صورة من الحكومة الدينية التي عرفتها أوروبا في العصور الوسطى، فقد كانت هذه الحكومة تمثل أسوأ الأنظمة السياسية لقسوتها وتسلطها، ولما كان يدعيه رجال الدين من أنهم يستمدون سلطانهم من الله ولرفضهم بسبب هذا الزعم أن يعترفوا بأي حق لمراقبتهم أو الوقوف أمام تصرفاتهم..

     هذه الحكومة الدينية التي مارست كل ألوان الاستبداد والفساد وادعت أنها معصومة من الخطأ، وأنها فوق مستوى النقد والمحاسبة والمعارضة، والتي دفعت بزعماء الإصلاح في أوروبا إلى الثورة على الكنيسة ورجالها والانتهاء بثورتهم إلى فصل الدين عن الدولة هذه الحكومة لا علاقة للنظام الإسلامي بها، ولا وجه للشبه بينه وبينها، وإن حاولت الأقلام التي تحارب الإسلام أن تصور النظام السياسي الإسلامي وكأنه الحكومة الدينية التي عرفتها أوروبا في العصور الوسطى، والغاية التي تحرك تلك الأقلام هي تنحية الإسلام عن مجال الحكم والاقتصاد وسواهما من شؤون الأمة؛ خوفًا على أنفسهم لا حرصاً على تقدم المسلمين ونهضتهم.

 

ثانيا ... الإنسانية

     ولقيام نظام الحكم في الإسلام على دستور إلهي كان نظامًا انسانيًا يحترم الإنسان لذاته دون نظر إلى عرض آخر من عوارض حياته. وإنسانية الإسلام تبدو جليةً في كل ما جاء به من تشريعات وأحكام صلح عليها أمر الدنيا والآخرة، وتتمثل مع هذا بصورة عامة في أمرين:

     أ المساواة.

     ب العدالة .

     والمساواة في الإسلام ترتكز على حقيقة لا ينبغي المراء فيها وهي وحدة الإنسانية من حيث نشأتها ومصيرها، فالناس جميعاً خلقوا من أب واحد وأم واحدة، ومردهم إلى الله ليحاسبهم على ما قدمت أيديهم في الدنيا إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، ومن ثم يرفض الإسلام كل ما يسيء إلى تلك الحقيقة، ولذا لا يمنح بعض الناس امتيازات وحقوقاً لا يتمتّع بها سواهم، فالكل عباد الله، وهم أمام تشريعه سواء لا محاباة ولا تمييز، وقد روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: من يجتريء عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

     أتشفع في حد من حدود الله، ثم قام عليه الصلاة والسلام فخطب فقال: «إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها» (سنن الترمذي).

     إن المساواة بين الناس في جوهرها تعني احترام آدمية الإنسان لذاته، وتعني أن كل ألوان التمييز والتفاضل التي لجأ إليها الطغاة والقاسطون أمتهان الآدمية الإنسان وكرامته، ومحاولة للخروج به عن نطاق العبودية الخالصة لبارئه، لذلك كان تقرير المساواة في الإسلام آية إنسانية هذا الدين القويم.

     والقوانين الوضعية لم تتخلص بعد من عقد الجنس واللون والدين فنجد قوانين دولة كأمريكا التي تزعم أنها رائدة العالم الحر تفرق بين البيض والسود في مجالات كثيرة حتى في مجال العبادة ناهيك بالدعاوي العنصرية التي كانت من أسباب الحروب المدمرة والمآسي المروعة، وطرد الشعوب من أوطانها، وتحكم الأقليات الدخيلة في أصحاب الأرض الشرعيين، إلى غير ذلك من دلائل تخلف القوانين الوضعية في مجال احترام آدمية الإنسان، وتحقيق المساواة بين الناس.. وأما العدالة فنتيجة حتمية للمساواة، فلا معنى للمساواة بدون عدالة ولا تكون هذه بغير تلك..

     وما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية من نصوص عن العدالة وكذلك ما نقل من آثار عن السلف الصالح يعكس في مجموعه موقف الإسلام الصريح من هذا الموضوع، وهو العدل المطلق الذي يسمو فوق الأشخاص والأهواء، إنه العدل الذي يقر الحقوق لذويها، ويعمل على حصولهم عليها مهما تكن منازلهم الدنيوية، أو عقائدهم الدينية، ويدفع كل ظلم يتعرض له أي إنسان مهما يكابد ولي الأمر من أجل هذا.

     ومن النصوص التي تتحدث عن العدل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمٰنٰتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (النساء/58).

     فالآية تأمر بالعدل بين الناس جميعاً، لا بين المسلمين فحسب، ولا مع أهل الكتاب دون غيرهم، فالعدل في الإسلام حق لكل إنسان بوصفه إنسانًا والمسلمون مأمورون بالحكم بالعدل بين الناس، المؤمن منهم والكافر والعربي والعجمي والصديق والعدو ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة/8) فالعدل مكفول للأعداء، لا يظلمون ولا يبخسون حقهم ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوْا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبٰى﴾ (الأنعام/152)، فالقرابة قد تضعف الإنسان حين يقف موقف الشاهد أو القاضي فلا يعدل في قوله أو حكمه، ومن هنا ينبه القرآن إلى هذا مؤكدًا دعوته إلى قول كلمة الحق والعدل، ومراقبة الله وحده، فهو أقرب إلى المرء من حبل الوريد.

     ولا ريب في أن كفالة العدل للأعداء والأهل والأصدقاء، ووجوب الحكم في حالة من التجرد الكامل من مشاعر الكره والغضب والحب والمودة لهو الإنسانية في أروع صورها وذروة قيمها..

     فأي نظام سياسي كالإسلام يلغى فوارق الجنس واللون والعقيدة ليحقق الأخوة الإنسانية، ويقيم العدالة الكاملة بين البشر، ليكفل لكل ذي حق حقه دون اعتبار لشيء آخر، إنه نظام كرم الإنسان واحترم آدميته، فكان خليقا بأن ينفرد بوصفه الإنساني الذي لا يرقى إلى آفاقه نظام سياسي من صنع البشر.

 

ثالثا : الشورى

     تعد الشورى دعامة أساسية من دعائم الحكم في الإسلام، وحديث القرآن عنها يبين أنها أولاً صفة لازمة لكل مسؤول حتى يكون بحق فيما يتولى من شؤون مسلماً، وهي ثانيًا صفة من صفات المؤمنين في مرتبة إقامة الصلاة والاستجابة لأمر الله.

     يقول الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران/159).

     فهذه الآية وقد جاءت في معرض الكلام عن هؤلاء الذين أخطأوا من المسلمين عند مباشرة القتال في غزوة أحد فكانت الهزيمة في هذه الغزوة تدعو الرسول صلى الله عليه وسلم إلى التجاوز عما كان من هؤلاء، وأن يتبع معهم المعاملة الرحيمة الكريمة تأسيًا بمثل ما فعل الله عز وجل معهم  ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (آل عمران/155).

     وتأمر تلك الآية رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا بأن يشاور أصحابه لا في أمور الجهاد وملاقاة الكفار فحسب، ولكن في كل شأن من شؤون الحياة الدنيا، وأن عليه بعد المشورة أن يتخذ القرار متوكلاً على الله دون اعتماد على سواه ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِيْنَ﴾.

     وأمر الرسول بالشورى أمر لحكام المؤمنين في الأجيال القادمة بعده وما مهد لهذا الأمر من حديث عن طرف من خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحي بأن الحاكم حين يشاور المسلمين يجب عليه أن يقف منهم موقف السماحة وسعة الصدر ولين الجانب، ويهيء للناس حريةً تامةً في إبداء الرأي بصراحة ووضوح في كل المشكلات، وهذه قمة الديمقراطية وأما وصف المؤمنين بالشورى فقد ورد ذلك في آية تحدثت عن صفات عديدة للمؤمنين ﴿وَالَّذِيْنَ اسْتَجَابُوْا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوْا الصَّلَاةَ وَاَمْرُهُمْ شُوْرَىٰ بَيْنَهُمْ. وَمِمَّا رَزَقْنٰهُمْ يُنْفِقُوْنَ﴾ (الشورى/38).

     فكل مؤمن يستجيب لله في كل وقت، لا يحيد عن طريق الحق، ولا ينسى خالقه، فهو دائم الاتصال به في الصلاة والضرب في الأرض والإنفاق مما رزقه الله من المال والعلم والجاه.

     والآية الكريمة لا تأمر بالشورى، وإنما تقرر حقيقةً يجب أن تظل قائمةً، وهي أن الأمة تعالج مشكلاتها بمنطق التعاون والتكافل الفكري عن طريق التشاور، فهو الحل الأمثل لمشكلاتها، ووضع للأمور في نصابها.

     وما دامت الشورى صفةً لازمةً لكل مسؤول في الأمة، وما دامت حقيقةً ينبغي أن تظل قائمةً بين المؤمنين فإنها بلا جدال دعامة أساسية من دعائم الحكم الإسلامي، وهي بمفهومها الشامل تعنى أن هناك مسؤولية جماعية وراء كل رأي أو قرار يستخلص من الشورى وهذه المسؤولية تفرض على كل فرد في الأمة أن يلتزم بتنفيذ ذلك القرار أو الرأي؛ لأنه شارك في اتخاذه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

     على أن الشورى ليست مطلقةً بحيث تمتد إلى كل أمر، فهي تجب فقط فيما ليس قطعيًا مما جاء في الكتاب والسنة، أما القطعي فهو خارج عن نطاق الشورى اللّهم إلا في حدود التنفيذ والتنظيم.

     والشورى مع هذه مقيدة بأن تدور في نطاق التشريع الإسلامي وروحه العامة من الدين بالضرورة وبهذين القيدين تتناول الشورى جميع الأمور والمسائل التي تتعلق بمصالح الأمة، كإدارة الشؤون العامة، والتخطيط لبناء الدولة القوية ومراقبة المسؤولين.. الخ.

     والذي يلاحظ أن الاسلام قرر مبدأ الشورى ولم يقرر شكلاً معيناً لتطبيقه، وهذا من شواهد عالمية الإسلام، وصلاحية تعاليمه لكل زمان ومكان، فالشورى أصل من أصول الحكم الإسلامي، فلا يقوم هذا الحكم بدون ذلك الأصل، ولكن الصورة التي تعبر عن هذا الأصل لم تحد تحديدًا ملزماً لكل عصر ومصر، وإنما ترك ذلك للظروف ومقتضيات الأحوال، وما هو أولى وأجدر بتحقيق المبدأ، وهيمنته على الأمة في كل الأمور.

 

رابعا : احترام الحريات

     لا كرامة للإنسان، أو لا معنى لحياته إذا فقد حريته وأصبح عبدًا لغيره من البشر أو لشهوات نفسه الأمارة بالسوء؛ ولذا كان من دعائم الحكم في الإسلام حماية الحريات والذود عنها، وكان الإنسان في ظل هذا الحكم مكرماً متمتعًا بإرادته الحرة واستقلاله الشخصي في التصرفات ما دام أهلاً لذلك، وهو في مقابل تمتعه بإرادته واستقلاله الشخصي يتحمل بعض التبعات والمسؤوليات، أو يخضع لبعض القيود والحدود.

     ومرد الحريات في الإسلام إلى تحرير الإنسان من عبودية غير الله وإلى أن الناس جميعًا سواسية لا ينبغي أن يستعلى بعضهم على بعض أو يسلب بعضهم حرية أو كرامة بعض، وإنما يتمتع الجميع بالحرية كحق طبيعي في إطار المفاهيم والقيم التي تحمي الحرية من العبث والفساد. إن الإنسان الذي كرمه ربه، وسخر له هذا الكون وأرسل إليه الأنبياء يملك بإرادته وحريته أن يؤمن بخالقه أو يشرك به، ومن هناك كان مسؤولاً؛ لأنه منح أسباب الاختيار (وهديناه النجدين) البلد/10 (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّيْنِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْقَيِّ) البقرة/256 ولاشك في أن حرية العقيدة في الإسلام هي في الواقع تقرير لسائر الحريات من حيث المبدأ فإذا كانت صلة الإنسان بخالقه تقوم على الاختيار والحرية فإن صلة الإنسان بأخيه الإنسان تقوم على الحرية من باب أولى..

     ولأن مبدأ حرية العقيدة حقيقة مقررة في الإسلام يعيش غير المسلمين في المجتمع الإسلامي في حرية من حيث ممارسة شعائرهم الدينية ما داموا لا يتخذون هذه الحرية سبيلاً لفتنة المسلمين في دينهم.

     وجميع الحريات التي كفلها الإسلام مقيدة بالمبادئ التي جاء بها هذا الدين كما أومأت آنفاً، فلا تؤدي إلى الإضرار أو تسوق إلى الفوضى والانحلال، وإنما يجب أن تمارس الحريات في نطاق القيم الإسلامية التي ترسي في الأمة دعائم القوة، قوة الإيمان والعلم والإخاء والتكافل ومكارم الأخلاق.

     والجدير بالاشارة في الحديث عن احترام الحريات أنها وإن كانت مظهرًا من مظاهر تكريم الإنسان فهي تفتح أمامه الأبواب المشروعة لانطلاق طاقاته، فيبدع كل فرد فيما هو ميسر له، وهذا يرتد على الأمة كلها بالتقدم والرخاء والقوة، والإسلام دين العزة ودين التقدم والحضارة ولا سبيل إلى هذا بغير العمل المثمر والعطاء المبدع في شتى مجالات الحياة، ولا عطاء ولا عمل بغير حرية، فاحترام الحريات تعنى سموًا بالانسان وتفجيرًا لطاقاته لا كبتا لها، فيصبح عنصر بناء وإنتاج لا عنصر استهلاك وتدمير.

     وبعد فتلك أهم دعائم الحكم في الإسلام، ومنها يتضح مدى تفرد هذا الحكم واستقلاله وتباينه عن كل أنظمة الحكم البشرية تبايناً جوهرياً وأن ما قرره الإسلام من أصول الحكم هو وحده التشريع العادل الذي يعيش في كنفه الناس كافة أحرارا أعزة لا يخافون ظلماً ولا هضماً، فليس بعد تشريع الله تشريع، ولا بعد حكمه حكم، ومن عدل عن حكم الله فهو من الأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُوْنَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقُوْمٍ يُّوْقِنُوْنَ﴾ المائدة/50.

*  *  *