مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، محرم – صفر 1432 هـ = ديسمبر 2010م – يناير 2011م ، العدد :1-2 ، السنة : 35

دراسات إسلامية

 

المعجم العربي وتطوّره الخلاّب الأبدع

(1/3)

 

بقلم :  د/ السيدة مسرت جمال

الأستاذة المساعدة بقسم اللغة العربية

جامعة بشاور- باكستان

 

     يبدو أن فكرة المعجم كانت ترافق من أقدم العصور، وتحتلّ المكان الأكبر من عناية الأمم الغابرة، تعزيزاً لقوميتها، وإبرازاً لشخصيتها، لكنها بدأت تظهر لدى العرب ولم يسبق  فى الأمم الحديثة أمة أسبق من  العرب إلى تأليف معجم اللغة، فهم الذين بادروا إليه، ووضعوا فنه، وابتكروا طريقته، وعنهم أخذالغربيون.(1)

 

تسميته:

     جاء في لسان العرب «مادة عجم»: العُجم والعَجَمُ خلاف العُرب والعرب... والعُجْم جمع الأعجم الذي لا يفصح ولا يبين كلامه وإن كان عربي النسب، والأنثى عجماء... أما العجمي فهو الذي من جنس العجم أفصح أو لم يفصح، والأعجم الذي في لسانه عجمة.(2) وكل من لا يقدر على الكلام فهو أعجم ومستعجم... واستعجم الرجل: سكت. واستعجمت عليه قراءته: انقطعت فلم يقدر على القراءة، المعجم: ديوان المفردات اللغة مرتب على حروف المعجم. وحروف المعجم: حروف الهجاء.(3) ويقول إبن جني(4):

     «أعلم أن عجم) إنما وقعت في كلام العرب للإبهام والإخفاء وضد البيان والإفصاح»(5) والعجمى من الرجال، بسكون الجيم: هو العاقل المميز(6).

     وهكذا نرى أن المعاني التي أوردها لسان العرب لا تساير المقصود من العجم، إذ تدور حول «الإبهام» و «الإخفاء» كما يذهب ابن جني، بينما يستعمل الناس المعاجم لإزالة غموض الكلمات والعبارات وتبيان مدلولاتها، ومعرفة طريقة كتابتها والنطق بها، فأن الرابط المعنوي غذاً بين معنى المعجم الذي هو أداة لإزالة غموض الكلمات وإبهامها، وبين مادة «عجم» التي وقعت في كلام العرب للإبهام والإخفاء كما يقول ابن جني، أو التي هي ضد الإفصاح والإعراب كما يؤكد «لسان العرب» وغيره من المعاجم العربية(7).

     وقد فسّر أهل النظر لفظة «أخفيها» في قوله تعالى «إنَّ السَّاعَةَ آتِية أَكَادُ أُخْفِيْهَا» بإزالة الخفاء والستر.  وإعجام الكتاب يعني نقطه وإزالة استعجامه، والإعجام هو تنقيط الحروف للتمييز بين المتشابهة منها في الشكل (ب، ت، ث، ج، ح، خ...الخ). ومن هذه الدلالة جاءت تسمية الحروف الهجائية بـ«حروف المعجم» نظراً لكون النقط الموجود في كثير منها يزيل التباسها، ومن هذه الدلالة أيضاً جاءت تسمية الكتاب الذي يزيل التباس معاني الكلمات بعضها ببعض، وغموضها بـ «المعجم».

     أما كلمة «قاموس» فكانت تعني البحر أو البحر العظيم، أو وسطه، أو معظمه، أو أبعد موضع فيه غوراً(10). ويظهر أن بعض علماء العربية الأقدمين الذين حاولوا جمع اللغة، كانوا يطلقون على مؤلفاتهم إسماً من أسماء البحر أو صفةً من صفاته وحتى تولّد لكلمة «قاموس» «معنى جديد في أذهان الناس، فكانوا يقولون: فلان» قاموس «لكذا... أي جامع لعلمة، وربما تندّروا قائلين: فلان يتقامس في كلامه: إذا كان يوشي كلامه بحوشي من ألفاظ» القاموس(11).

     ولا شك في أن أحمد فارس الشدياق(1804-1884) عندما وضع كتابه (الجاسوس على القاموس) ساهم في شيوع كلمة «قاموس» بمعناه المولّد، أي بمعنى كلمة «معجم» حتى أن سعيد الشرتوني (1849-1912)  (عندما وضع معجمه) أقرب الموارد «أثبت فيه المعنى المولّد لكلمة قاموس، فقال» القاموس: كتاب الفيروز آبادي في اللغة العربية، لقبه بالقاموس المحيط، ويطلقه أهل زماننا على كل كتاب في اللغة، فهو يرادف عندهم كلمة معجم وكتاب لغة(12). ثم حافظ واضعوا المعاجم العربية، بعد الشرتوني، على هذا المعنى المولّد(13).

 

تعريف المعجم:

     المعجم أو القاموس: «كتاب يضم أكبر عدد من مفردات اللغة مقرونةً بشرحها وتفسير معانيها، على أن تكون المواد مرتبةً ترتيباً خاصاً، إما على حروف الهجاء أو الموضوع، والمعجم الكامل هو الذى يضم كل كلمة فى اللغة مصحوبةً بشرح المعنى والإشتقاق وطريقة النطق وشواهد تبين مواضع إستعمالها(14).

 

نشأة المعجم العربى:

     ولد المعجم اللغة العربية فى العصر العباسى الأول، وأخذ ينمو تدريجاً حتّى نضج، واكتمل نموه فى القرن الرابع الهجرى(15)، ونبغ فيه طائفة كبيرة من العلماء أن يضبطوا مفرداتها بشكل مفصل مبوّب، فوضعوا فى كلّ موضوع من الموضوعات  التى تناولها الأدباء والشعراء والكتّاب رسائل تجمع الألفاظ الخاصة بها، وسموها كتاباً. وهذه الخطوة الأولى لنشأة المعجم العربية(16). وفى الخطوة الثانية وضع معجم يشمل الكلم العربية على نمط خاص ليرجع إليه من أراد البحث عن معنى كلمة. وللعلماء فى تأليف هذه المعاجم نظامان: أحدهما ترتيب على الحروف الهجائية والآخر مراعاة المعانى(17).

أنواع المعاجم: المعاجم أنواع عدة أهمها:

(1) المعاجم اللغوية: وهي التي تشرح ألفاظ اللغة، وكيفية ورودها في الاستعمال، بعد أن ترتبها وفق نمط من الترتيب(18).

(2) معاجم الترجمة: المعاجم المزدوجة أو الثنائية اللغة، وهي التي تجمع ألفاظ لغة أجنبية لتشرحها واحداً واحداً، وذلك بوضع أمام كل لغط أجنبي- ما يعادله في المعنى من ألفاظ اللغة القومية وتعابيرها. وهذا النوع هو أقدم أنواع المعاجم، إذ استخدمه الساميون في العراق إبان الألف الثالث ق. م. ويلحق بهذا النوع من المعاجم، المعاجم المتعددة اللغات التي تعطي المعنى الواحد بألفاظ عدة لغات في آن واحد(19).

(3) المعاجم الموضوعية أو المعنوية: وهي التي ترتب الألفاظ اللغوية حسب معانيها أو موضوعاتها. ومن المعاجم العربية الموضوعية القديمة «المخصص» لابن سيده (1006-1066)م الأندلسي الضرير وهو يرتب الألفاظ التي جمعها، لا بحسب لفظها، بل بحسب معناها(20).

(4) المعاجم الاشتقاقية أو التأصيلية: وهي التي تبحث في أصول ألفاظ اللغة، فتدلنا إن كانت الكلمة عربية الأصل أم فارسيةً أم يونانيةً... الخ(21).

(5) المعاجم التطورية: وهي التي تهتم بالبحث عن أصل معنى اللفظ، لا اللفظ نفسه، ثم تتبع مراحل تطور هذا المعنى عبر العصور(22).

(6) معاجم التخصّص: وهي التي تجمع ألفاظ علم معيّن ومصطلحاته أو فن ما، ثم تشرح كل لفظ أو مصطلح حسب استعمال أهله والمتخصصن به. وكتاب «حياة الحيوان» للدَّميري(1341-1405م) الذي جمع فيه أسماء الحيوان والحشرات والزواحف والطيور معرِّفاً بها، وبخصائص كل منها على طريقة عصره(23).

(7) دوائر المعارف أو المعلمات (ج مَعْلَمة: (وهي نوع من أنواع المعاجم، لكنها تختلف عنها من حيث أنها سجل المعلوم والفنون وغيرهما من مظاهر النشاط العقلي عند الإنسان. فإن دائرة المعارف، أو الموسوعة، تعرِّف بعلم مّا ونشأته وتطوره وأهمّ رجالاته ومصادره ومراجعه. فهي إذا مرجع للتعريف بالأعلام والشعوب والبلدان والوقائع الحربية. وهناك دوائر معارف متخصصة كدائرة المعارف الإسلامية، ودائرة المعارف الطبية.(24)

(8) المعاجم المصوَّرة : وقد ظهر هذا المعجم في العصر الحديث، على يد اللغوي الألماني المعاصر «دودن» الذي لاحظ أن الألفاظ الغريبة في اللغة، إنما تكثر في الحسيات، لا في المجردات، فوضع معجماً على هيئة مجموعة لوحات تدور حول موضوع معين(25).

 

مراحل تأليف وتدوين المعجم العربي:

     تمر اللغة عادةً بمرحلة النطق قبل مرحلة التدوين، أي أنها تكون في بادئ أمرها دائرةً على ألسنة المتكلمين بها، لا مسجّلةً في بطون الكتب، وكم من لغة نشأت وترعرعت ثم اندثرت قبل أن يعرف الإنسان الكتابة(26).

     والأصل أن تكون اللغة مفهومةً من الناطقين بها، لكنها باعتبارها أداةً للفكر والسبيل إليه(27)،  تتطور بتطور الفكر نفسه، فالإنسان لا يستطيع أن يحفظ كل الثروة اللغوية القومية، مهما أوتي من حدة الذكاء وقوة الذاكرة وسعة الخيال، لذلك يصطدم أحياناً بكلمات لا يعرف معناها بدقة ووضوح. من هنا أهمية المعجم كمرجع للباحث عن معاني الألفاظ التي استغلقت عليه. ولم يعرف العرب التأليف المعجمي قبل العصر العباسي لأسباب عدة أهما:

     أ - إنتشار الأمية بينهم، فالذين كانوا يعرفون القراءة والكتابة قبل الإسلام قليلين.

     ب - طبيعة حياتهم الاجتماعية القائمة على الغزو والانتقال من مكان إلى آخر.

     ج - إتقانهم للغتهم، فقد كانت العربية عندهم لسان المحادثة والخطابة والشعر، وكان إذا احتاج أحد إلى تفهّم معنى لفظ استغلق عليه، لجأ إلى مشافهة العرب، أو إلى الشعر.  يقول ابن عباس (619-687م): «الشعر ديوان العرب، فغدا خفي علينا الحرف من القرآن الذي أنزل الله رجعنا إلى الشعر فالتمسنا معرفة ذلك منه»(28). وقال: «غداً سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب»(29).

     لهذه الأسباب، تأخر العرب في وضع المعاجم بالنسبة للشعوب القديمة التي أسّسَت حضارات قبلهم، إذ سبقهم الأشوريون والصينيون واليونانية والرومانيون في هذا المضمار.

     لكن، إن كان العرب، لم يعرفوا المعاجم قبل العصر العباسي، فلا شك في أن الفكرة المعجمية كانت قد بدأت تراودهم منذ أن بدأوا يشرحون القرآن، إذ يروى أن عمر بن الخطاب(584-644م) كان يخطب مرةً، فخفي عليه معنى «الأبّ» في قوله تعالى «وَفَاكِهَةً وَّأبّاً» فسأل عنها، كما استفسر ابن عباس (619-687م) عن معنى «فاطر» في قوله تعالى «الحَمْدُ لله فَاطِرِ السَّمٰوٰت وَالأرْضِ»(30).

     وكان العرب إذا أشكل عليهم فهم لفظة من ألفاظ القرآن الكريم يعودون إلى آثارهم الأدبية، وبخاصة الشعرية منها، ليعرفوا معناها.

     ويظهر أن الباعث إلى جمع اللغة وتأليف المعاجم هو حاجة العرب إلى تفسير ما اسغلقت عليهم من ألفاظ القرآن الكريم ورغبتهم في حراسة كتابهم من أن يقتحمه خطأ في النطق أو الفهم. ويؤكد ما نذهب إليه ثلاثة أمور:

     أولها: ما رُوي عن استفسار العرب عن معاني بعض ألفاظ القرآن.

     وثانيها: كثرة الكتب التي ألِّفت في أوائل مرحلة التدوين، في موضوع غريب القرآن، وأول من كتب في هذا الموضوع عبد الله بن عباس، ثم تتوالت بعده الكتب التى سلكت مسلكه(31).

     وثالثها: أن العلوم العربية الأولى من تفسير وفقه وبلاغة ونحو وقراءة وغيرها. إنما نشأت في بادئ أمرها، لحفظ القرآن وتفسيره.

     وأيا يكن من الباعث إلى جمع اللغة، فإن اللغويين العرب اعتمدوا في هذا الجمع أساسين:

     واحداً: زمانياً.       وآخر: مكانياً.

     وعلى الأول حصور التدوين في أدب التدوين في أدب الجاهلية وصدر الإسلام حتى منتصف القرن الثاني الهجري تقريباً، وعلى الثاني جعلوا المدوَّن في البدو دون الحضر وسكان أطراف الجزيرة، فخصّوا التدوين في قبائل قيس عيلان، وتميم وأسد وهذيل وقريش وبعض كنانة وبعض الطائيين، ومنعوا الأخذ عن لخم وجذام جيران مصر والقبط، وقضاعه وغسان وإياد جيران أهل الشام وأكثرهم نصارى يقرؤون العبرية، وتغلب لمجاورتهم اليونانيين، وبكر جيران النبط والفرس، وأهل اليمن لمخالطتهم الهند والحبشة...الخ(32).

     أما المراحل التي قطعها جمع اللغة، فيذكر أحمد أمين(33): (1878-1954) فالعالم يرحل إلى البادية يسمع كلمةً في المطر، ويسمع كلمةً في إسم السيف، وأخرى في الزرع والنبات، وغيرهما في وصف الفتى أو الشيخ إلى غير ذلك، فيدوِّن كله حسبما سمع من غير ترتيب إلا ترتيب السماع. وفي المرحلة الثانية جمعت الكلمات المعلقة بموضوع واحد في موضع واحد، وقد وضع في هذه الحالة عدد من الكتب، التي يمكن تسميتها بكتب الموضوعات. وفي المرحلة الثالثة تم وضع المعاجم على نمط خاص في الترتيب ليرجع إليها من أراد البحث عن معنى كلمة(34).

     إن هذا المعجم مرّ في خمس مراحل(35) هي:

     1 - مرحلة النظام الصوتي ونظام التقليبات الخليليّين.

     2 - مرحلة النظام الألفبائي الخاص.

     3 - مرحلة نظام القافية الذي ابتدعه الجوهري.

     4 - مرحلة النظام الألفبائي العادي.

     5 - مرحلة النظام الألفبائي النطقي.

 

حروف الهجاء العربية وترتيبها:

     أخذ العرب حروف الهجاء الفينيقية مع ترتيبها ثم زادوا عليها الأحرف الستة التالية: ث، خ، ذ، ض، ظ، غ، فأصبحت عندهم ثمانيةً وعشرين حرفاً، تجمعها مرتبة الكلمات الثماني التالية: أبجد، هوّز، حطّي، كلمن، سعفص، قرشت، ثخّذ، ضظغ. ومجموع الأحرف العربية بهذا الترتيب، أطلق عليه اسم «الأبجدية العربية» نسبة إلى الكلمة الأولى من الكلمات الثماني التي تجمعها.

     وكانت الحروف العربية في بادئ أمرها لا تعرف التنقيط إلا في بعض حروفها، فتولى نصر بن عاصم (707م) هذه المهمة، فوضع النقط بشكلها الحالي، معتمداً على مبتدأ الإهمال والإعجام، وعلى جمع الحروف المتشابهة، مما اضطره إلى مخالفة الترتيب القديم (أي الترتيب الأبجدي) والترتيب الذي اتبعه الخليل بن أحمد الفراهيدي في معجمه «العين» (أي الترتيب المخرجي)، ثم اتباع ترتيب آخر هو الترتيب الهجائي أو الألفبائي (أ ، ب ، ت ، ث ، ج ، ح ، خ...) القائم على أساس وضع الحروف المتشابهة بصورة الرسم، بعضها قرب بعض. وعلى هذا الترتيب الذي ابتدعه نصر بن عاصم، نظم معجم اللغويين العرب مواد معاجمهم(36).

 

1 - المرحلة الأولى في تطور المعاجم العربية:

     «الترتيب الصوتي ونظام التقليبات الخليلين»

     ومن الملاحظ أن هذا الترتيب قائم على أساس تقسيم الأصوات حسب مخارجها الصوتية، ثم ترتيبها على هذا الأساس من أقصى الحلق إلى حروف الشفة. فقد بدأ الخليل بالحروف الحلقية (ع ، ح ، ه ، خ ، غ) ثم اللهوية (ق، ك) ثم الشجرية (ج ، ش ، ض) فالأسلية (ص ، س ، ز) فالنطعية (ط، د ، ت) فاللثوية (ظ ، ث ، ذ) فالذلقية (ر، ل ، ن ، ف ، ب ، م) فالهوائية (و ، ا ، ي)(37).

 

1 - كتاب العين

      مؤلفه، «الخيل بن أحمد (718-786م)»، ولد في عُمان، لكنه نشأ وتعلم وعلم بالبصرة، فاشتهر بالبصري. ينتسب إلى بطن فرهد من قبيلة الأزد، فعرف بالفراهيدي. برز في العلوم اللسانية من نحو ولغة وشعر، كما كان بارعاً بالعلوم الرياضية والشرعية والموسيقى(43). له «كتاب العين» وهو أول معجم لغوي، و له مؤلفات عديدة منها، «النقط والشكل» و «النغم» و«العروض» و«الشواهد» و«الجمل» و «الإيقاع»(38).

        منهجه: أما منهجه فيه فقد إتسم بما يلى(39).

     بدأ الخليل كتابه بمقدمة طويلة أوضح فيها الطريقة التي سار عليها في وضع كتابه، ذاكراً مخارج الحروف وبعض النواحي الصوتية التي تراعى في تأليف الكلمات كما يلى:

     1- رتب المواد حسب مخارجها وفق النظام التالي /ع ح هـ خ غ/ ق ك/ ج ش ض/ ص س ز/ ط د ت/ ظ ذ ث/ ر ل ن/ ف ب م / وي ا.

     2 - نظم الكلمات تبعاً لحروفها الأصلية (الجذور) دون مراعاة الأحرف الزائدة فيها.

     3 - اتبع نظام التقليبات الذي ابتدعه بنفسه. فعالج الكلمة ومقلوباتها في موضع واحد(46).

     4 - جعل معجمه أقساماً على عدد الحروف، وسمّى كل قسم كتاباً، وبدأ معجمه بكتاب العين.

     5 - أخضع تبويب الكلمات لنظام الكمية، أو لنظام الأبنية، فرتب كلمات كل كتاب (باب) حسب   الترتيب التالي:

     أ - الثنائي ،  ب - الثلاثي الصحيح ، د - اللفيف، وبالتالي اللفيف المفروق واللفيف المقرون، هـ - الرباعي، و الخماسي.

     6 - كان يأتي بالشواهد في معجم ما يفسره، وكانت هذه الشواهد مستمدةً من الشعر والحديث والأمثال والقرآن، لكن اعتماده على الشعر والقرآن كان كثيراً.

     7 - أثبت كثيراً من رجال السند، وبعض هؤلاء من معاصريه، لكن أكثرهم من تلامذته.

     لا نعلم معجماً كان له أثر ككتاب العين. وهذا أمر غير مستغرب، لمعجم افتتح التأليف المعجمي، فوضع للغويين منهجه، وسن لهم سنه، حتى أضحت السمات التي اتسم بها، مبادئ التزم بها كثير ممن أتوا بعده وحذوا حذوه في التأليف المعجمي. فترتيب المواد حسب نظام معيّن في ترتيب الحروف، لا حسب الموضوعات - كما كان شاعاً في عصره(40).

 

2 - تهذيب اللغة:

     مؤلفه، أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي(895-981م)، أحد أئمة اللغة والأدب والفقه. ولد وتوفي في هراة بخراسان. وقع في إسار القرامطة مدةً طويلةً استفاد خلالها من محاورتهم ومخاطبة بعضهم بعضاً، لأنهم كانوا يتكلمون بالعربية الفصحى. و من كتبه «تهذيب اللغة» (وهو أهمها)، و «غريب الألفاظ التي استعملها الفقهاء» و«تفسير القرآن»(41).

 

منهجه:

     بدأ الأزهري معجمه بمقدمة طويلة استهلها بحمد الله والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم. ثم أظهر حاجة الناس إلى العربية، وعرض للغويين الذين جاؤوا قبله، مرتباً إياهم إلى طبقات، ومقسمهم إلى ثقات وغير ثقات، وشانّاً حملة مؤلفي المعاجم قبله. وكأنه يريد أن تخلص إلى اعتبار معجمه أفضل المعاجم التي سبقته. ولعل السبب هو الذي دفعه إلى تسمية كتابه بـ«تهذيب اللغة»، معللاً التسمية بأنه يرمي في كتابه إلى تنقيه اللغة من الشوائب التي تسربت إليها على يد سابقيه ومعاصريه.

     ويتصف منهج الكتاب ما يلي:(42)

     1 - نهج نهج الخليل إلى أبواب وكتب.

     2 - نقل من كتاب العين في أكثر الأحيان، ومن دون تصرف.

     3 - عني عنايةً كبيرةً بذكر البلدان والمواضع والمياه.

     4 - نبَّه على المهمل وسببه وأشار إلى المستعمل الذي أهمله غيره من العلماء.

          5- اهتم أكثر من غيره بالاستشهاد بالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، كما اهتم بالنوادر ونبّه عليها مفرداً إياها بالذكر والتنبيه.

     لم يقدم «تهذيب اللغة» شيئاً إلى التأليف المعجمي من ناحية المنهج، غدا سار على نظام الخليل بحذافيره، ويبدو أن كبر حجمه، جعل الناس تحجم عن نقده وتمحيصه.

*  *  *

الهوامش

(1)      جرجى زيدان:تاريخ آداب اللغة العربية 2/302: مطبعة الهلال بالقاهرة .

(2)      ابن منظور: لسان العرب. مادة عجم، ج12، ص385.

(3)      مجمع اللغة العربية في القاهرة: المعجم الوسيط 2/586.

(4)      إبن جنى،393هـ ، عثمان بن جنى الموصلى: أبو الفتح. وهو من آئمة الأدب والنحو. من تصانيفه: سر الصناعة ، الخصائص ، أللمع ، ألمنصف. أنظر للتفصيل: إرشاد الأريب: 5/15، إبن خلكان:1/313، آداب اللغة:2/302، الأعلام:4/204.

(5)      سر صناعة  الإعراب: تحقيق مصطفى السقا وغيره. ط 1. القاهرة، البابي سنة 1954، ص:40.

(6)      زبيدى: تاج العروس 17/463.

(7)      أحمد عبد الغفور عطار: مقدمة الصحاح ط2 بيروت. دار العلم للملايين سنة 1979، ص:38.

(8)      سورة طه 15.

(9)      والمعجم من ناحية الصرفية اسم مفعول ومصدر ميمي واسم مكان من «أعجم». وذهب بعضهم إلى أن «المعجم» مصدر، بمنزلة الإعجام، كما تقول أدخلته مدخلاً، وأخرجتها مُخرجاً، أي إدخالاً وإخراجاً.  أنظر: «الصحاح» و «لسان العرب» مادة «عجم».

(10)    أنظر «لسان العرب» و «الصحاح» و «الجمهرة» وغيرها مادة «قمس».

(11)    عدنان الخطيب: المعجم العربي بين الماضي والحاضر. القاهرة. مطبعة النهضة الجديدة 1967م. ص 49.

(12)    سعيد الشرتوني: أقرب الموارد. مادة «قمس».

(13)    انظر مثلاً «المنجد» و «المعجم الوسيط» مادة «قمس» و «الرائد» مادة «قاموس».

(14)    مقدمة الصحاح: ص 37.

(15)    دراسات فى قاموس المحيط: ص 40.,

(16)    أحمد أمين: ضحى الاسلام: 2/263.

(17)    مقدمة المخصص: ص: 9.

(18)    د/ إميل يعقوب: المعاجم اللغوية: ص: 31.

(19)    ظهر حديثاً نوع من الآلات يشبه الآلة الحاسبة، يعطي الألفاظ التي نريدها، ما يقابلها في عدة لغات.

(20)    أحمد الشرقاوى إقبال: معجم المعاجم: دار الغرب الاسلامى ،  ص:42.

(21)    المعاجم اللغوية: ص: 18.

(22)    الموسوعة العالمية العربية : 23/457.

(23)    معجم المعاجم: ص: 43.

(24)    من دوائر العالمية دائرة المعارف البريطانية ودائرة المعارف الأميركية، وموسوعة لاروس الفرنسية، ومن العربية دائرة المعارف لبطرس البستاني ودائرة المعارف لفؤاد أفرام البستاني التي هي قيد الإتمام.  

(25)    المعاجم اللغوية: ص : 20.

(26)    ضحى الإسلام: 2/265، من اللغات التي اندثرت قبل أن تدوَّن، اللغة السامية الأم، واللغة الآرامية، واللغة الأكادية...إلخ.

(27)    يقول سابير  العالم اللغوي الإنجليزي المعروف: إن اللغة أخاديد الفكر كتلك الأخاديد التي نجدها على أسطوانة الفونوغراف. عن أنيس فريحة، نحو عربية ميسرة. بيروت. دار الثقافة 1955، ص 136. الهامش.

(28)    تفسير الطبري، ج: 17، ص:129 وقد أخذناه عن أحمد عبد الغفور عطار: مقدمة الصحاح، ص: 28.

(29)    القرطبي: الجامع لأحكام القرآن. بيروت. دار الكتب، سنة 1935، ج: 1، ص:24.

(30)    سورة عبس: 31، سورة فاطر:1، مقدمة الصحاح، ص:43.

(31)    حسين نصار: المعجم العربي. نشأته وتطوره، ط 2. القاهرة. مكتبة  مصر 1968، ج:1، ص: 40-45.

(32)    عبد الله البستاني: البستان. بيروت. المطبعة الأميركانية سنة 1927، ج:1، ص34.

(33)    أحمد أمين: ضحى الإسلام. ط 5. القاهرة. مكتبة النهضة 1956: 2/263-266.

(34)    المعاجم اللغوية: ص: 20.

(35)    نفس المصدر وقد رتبه ترتيباً زمنياً.

(36)    ضحى الإسلام :2/266.

(37)    كتاب العين: 1/33.

(38)    الموسوعة العالمية العربية :10/161، الزركلي: الأعلام ط 5، بيروت. دار العلم للملايين 1980، ج2، ص314.

(39)    العلامة جلال الدين السيوطى: المزهر:1/90، إن هذه المراحل لم تتميّز زمانياً، بمعنى أن بعض المعاجم المنتمية إلى مرحلة من هذه المراحل و قد تكون موضوعةً قبل معاجم أخرى تنتمي إلى مرحلة سابقة، د/عمر الدقاق: مصادر التاث العربى فى اللغة و المعاجم والأدب  والتراجم- مكتبة دار الشرق - شارع سوريا ، بيروت: ص173.

(40)    الخليل بن أحمد: كتاب العين. تحقيق الأب أنستاس الكرملي. بغداد ز1914م ص 68.

(41)    نزهة الألباء: ص 323، وفيات الأعيان :4/334.

(42)    مقدمة معجم تهذيب اللغة :1/12.

*  *  *