مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، ربيع الأول 1432 هـ = فبراير 2011 م ، العدد : 3 ، السنة : 35

كلمة المحرر

وفي الليلة الظَّلْماء يُفْتَقَد البدر

 

 

 

مضى نحوُ شهرين على وفاة رئيس الجامعة العالم الصالح الورع الأمين فضيلة الشيخ مرغوب الرحمن رحمه الله (1332هـ - 1914م = 1432هـ 2010م) حيث وافاه الأجلُ في نحو الساعة العاشرة والنصف من صباح يوم الأربعاء: غرة محرم 1432هـ الموافق 8/ديسمبر 2010م؛ ولكن الحزنَ والأسفَ البالغ على وفاته لا يزالان يُخَيِّمان على محيط لجامعة.

     ويزداد الحزن والأسى على رحيله عندما يحتارون في البحث عمن ينوب منابَه في إدارة هذه الجامعة العريقة التأريخية - التي تُمَثِّل مرجعًا دينيًّا أكبرَ للشعب المسلم في هذه القارة الشرقية - في صلاحه الشامل، وخلقه الواسع، وتواضعه الكامل، وحلمه الفريد، وصمته الذي كان أثمن بكل الاعتبارات من كلام كثير من المكثرين من عامّةِ من يُطْلَق عليهم لقبُ «العلماء» وتجاربه الطويلة طولَ عمره؛ فقد توفاه الله وهو في 100 من عمره؛ وتعّمقه في قضايا الحياة، ومعرفته بالناس وأغوارهم، وتأنّيه في التعامل مع جميع المواقف الصغيرة والكبيرة، وصلته القويّة بالله، ومناجاته إيّاه تعالى في خلوات الليالي الهادئة، وبساطته في المأكل والمشرب رغم بسط الله له في الرزق و وسائل الحياة، وتأسّيه بالسلف الكرام في كل صغير وكبيرٍ من أمور الحياة، وأمانته البالغة في أموال ومُمْتَلَكات الجامعة، وسَهره الدائم على مصالحها، وتفكيره المُتَّصل في كل شيء يمكن توظيفُه لتطويرها على المستويات كافّة، واصطحابه لجميع منسوبي الجامعة وأساتذتها ومسؤوليها في دفع مسيرتها التعليمية والإدارية والتعميرية إلى الأمام، وزهده المثالي في التفرد بالرأي والاستبداد بالقرار، وما إلى ذلك من مكارم الأخلاق التي نحتت منه رئيسًا مثاليًّا للجامعة، رغم كونه لايحمل هُوِيَّة العالم الذي يجمع بين مؤهلات الخطابة والكتابة والقيادة، فيكسب شعبيّةً وسمعةً عامّة بين الشارع الإسلامي في داخل البلاد وخارجها.

     الإخلاصُ والحلمُ والتأنِّي وإنكارُ الذات وملازمةُ الصمت إلاّ لدى الحاجة، كانت قد عَمَّقَت فكره، و وَسَّعت قواه المعنويّة، وجعَلَته يصدر في شؤون الحياة عن مُقَوِّمات فكريّة صائبة وآراء ناضجة سديدة، جَعَلَته يتجنّب في حياته الشخصيّة والرسميّة كلَّ شيء يدعو للندامة أو الاعتذار أو يسبّب ضررًا بالمصالح الفرديّة أو الجماعيّة.

     عِيْبَ عليه في بداية رحلته الرئاسيّة للجامعة بأنّه يَعْدَم مُؤَهِّلات الكتابة والخطابة والتكلم الفني الذي يُتْقِنه الإنسانُ بعد المران الطويل؛ ولكنه بمواهبه الأخرى الكثيرة وخصاله الكريمة الكبيرة اعتاض ما كان يفقده مما كان يبحث عنه الناس فيه، وتَأَتَّى على مستوى الرئيس المثالي للجامعة، بحيث عاد بعد موته جميعُ محبّي الجامعة حياري في البحث عمن يكون عشرَ معشاره في المحاسن التي كان يتفرّد بها في حياته.

     العظمةُ التي فَخَّمَت شخصيتَه ربّما يُفْلِس فيها كثيرون ممن يُعْرَفُون بالتميّز بالمُؤَهِّلات الظاهرة التي تُكَبِّرهم في أعين الناس الذين لايتعمقون في أغوار الأفراد، وإنما ينظرون إلى ظواهر محاسنهم، ويَعُدُّونها وحدَها المفتاحَ الذكيَّ (Smart Key) لفتح جميع الأقفال في الشؤون المعنيّة.

     الإخلاصُ والتجرُّد من جميع الأغراض كان أكبرَ ميزة؛ يُجْمِع جميعُ مُحِبِّي الجامعة أنه قد لايرتقي إليها نظرًا إلى ظاهر الأحوال وفي ضوء قراءة المواقف أيٌّ ممن هم قد يُعَيَّنُون مكانَه لرئاسة الجامعة وإدارتها؛ لأن هذه القيمةَ: قيمةَ الإخلاص تتسامى في الأغلب عن أن يَحْظَىٰ بها بسهولة حتى كثيرٌ ممن يَبْدُون صلحاءَ بريئين من المعايب الظاهرة. وهي قيمةٌ، ذَرَّةٌ منها تكفي صاحبَها، ويكفيه القليلُ من العمل؛ حيث يتقبّله الله قبولاً حسنًا، وبدون الإخلاص الأعمالُ كلُّها غيرُ مضمونة القبول لدى الله تعالى. ثم إن العمل المصحوب بالإخلاص مُبَارَكٌ فيه قليلُه يأتي بالحاصل الكبير والنتائج التي لاتُحْصَى؛ من ثم شَهِدَتِ الجامعةُ على عهده الممتدّ على نحو الثلاثين عامًا من الخيرات والبركات ما كان الناس في الأغلب لايتوقّعونه لدى بداية مشواره الرئاسيّ، نظرًا لظاهر أحواله الناطقة بأنّه يفقد قدراتِ الخطاب والكتاب والحديث اللَّبِق؛ فلا يُتَاح له إدارة الجامعة على مستوى مطلوب. والجدير بالذكر أنه صنع كلَّ الإنجازات مع الاحتفاظ بروح الجامعة ومكانتها المعنوية الضامنة لشعبيتها المنقطعة النظير. ونظرًا لذلك كله تَمْثُلُ صورته كلَّ حين في ذاكرة الطلاب والأساتذة والمنسوبين وكأن لسان الحال يُنْشِد:

سَيَذْكُرُنِي قَوْمِي إِذَا جَدَّ جِدُّهم

وفِي اللَّيْلَةِ الظَلْمَاءِ يُفْتَقَدُ الْبَدْرُ

[التحرير]

(تحريرًا في الساعة 12:30من ظهر يوم السبت : 24/صفر1432هـ الموافق 29/ يناير 2011م)