مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، ربيع الأول 1432 هـ = فبراير 2011 م ، العدد : 3 ، السنة : 35

كلمة العدد

الحاجة ماسّة إلى إزالة السبب الذي رخّص الدماء المسلمة

 

 

 

في كل مكان من العالم تُراق الدماء المسلمة رخيصةً، حتى بَدَتْ كأنّها أرخصُ شيء في الحياة؛ فليست أفغانستانُ والعراقُ وفلسطينُ وباكستانُ وغيرها هي التي استُبِيحَ حماها وجرى فيها تقتيل الإنسان المسلم، وعاث ويعيث فيها الذئب الأمريكي الصهيوني الصليبي، بل هناك بلادٌ عربية إسلاميّة عديدة مُحْتَلَّة من قبل الصهيونية الصليبية دون أن يدرك الشارعُ الإسلاميُّ أنّها مُحْتَلَّة؛ حيث إنّها ليست مختارةً فيما تأخذ وتَدَع، وإنّما هي مُسَيَّرة من قبل الصهيونية الصليبيّة العالمية، والقادةُ والحكامُ فيها عُمَلاَءُ مُسْتَعْبَدُون وعبيدٌ مُسْتَأْجَرُون لها، يُنَفِّذون أوامرَها حرفًا بحرف، ولايخرجون على أيٍّ من تعليماتها، حفاظاً على مصالحهم ومخافةً على أنفسهم.

     فـ«تونس» الدولةُ التي ظلّت عبر التاريخ الإسلامي ملاذًا للمسلمين الملتزمين ساءت حالتُها للغاية، حتى غضب الشارع التونسيّ كله، وخرج على بكرة أبيه على رئيسها زين العابدين بن علي، حتى لاذ بالفرار نجاةً بنفسه إلى المملكة العربية السعودية؛ لأن الغرب الذي على إشارة منه كَبَتَ شعبَه احتماءً بمكافحة «التطرف الإسلامي» ولم يلتفت إلى معالجة قضايا الفساد المالي والبطالة الحقيقيّة التي كان ولا يزال يعانيها الشعب، لم يُسَاعِده ونَفَضَ يديه من الوقوف بجانبه، حتى إنّ فرنسا التي هي أكبر مُصَدِّرة لها ومُسْتَوْرِدَة منها على مستوى التبادل التجاريّ لم يسمح رئيسها «سركوزي» بهبوط الطائرة التي كانت تُقِلّ ابنَ علي على أرضها، مما اضطر أن يلتجئ إلى المملكة السعوديّة.

     إنّ زين العابدين حَكَمَ البلادَ بالحديد والنار وزَجَّ بكثير من الإسلاميين في السجن، ولم يُعْنَ بتحسين الحالة الاقتصاديّة للشعب الذي يُشَكِّل المسلمون فيه نسبةَ 99٪. ولاسيّما فيما بعد الأحداث الأمريكية المُنَفَّدَة في سبتمبر 2001م، حيث أشارت عليه أمريكا بأن يعتقل الإسلاميين ويُعذِّبهم؛ لأن بلاده هي الأخرى مُهَدَّدَة بخطر الإرهاب الإسلامي الذي يُهَدِّد أمريكا، ولم يَدْرِ الرئيس التونسي أن كبت الإسلاميين في بلاده قد يُؤَدِّي إلى إثارةِ المشاعر الدينية في قلب الشعب التونسيّ. إنّه أعطى الشرطة صلاحيات غير محدودة لمكافحة «التطرف الإسلامي» فتم اعتقالُ عدد كبير من الشعب التونسيّ بحجة مكافحة «التطرف الإسلامي» وقُوبِلُوا بالإيذاء والتعذيب. وقد صَرَّحَت الشرطة بعد الثورة الشعبيّة الحاسمة ضد ابن علي أنّها اعتقلت باسم «التطرف الإسلامي» من هم يريئون من ذلك تمامًا.

     إن ابن عليّ كان أسوأ مثال للدكتاتور المستبدّ العلماني الذي لايعبأ بالدين والعقيدة ولا بشعبه ومواطنيه، وإنما يتبع هواه وما يُمْلِي عليه الغرب الذي مثله مثل الشيطان الذي يُغْوِي الإنسانَ، ويتبرأ منه لدى دخوله النّار، قائلاً: إني أخاف اللهَ ربَّ العالمينَ.

     أمّا السودان فهو يكاد ينقسم إلى الجنوب والشمال؛ لأنّ نتائج الاستفتاء الذي جرى في الفترة ما بين 9 -15/ يناير 2011م (4 -10/صفر 1432هـ يوم الأحد يوم السبت) لصالح استقلال الجنوب عن الشمال، التي سيتم الإعلان الأوّلي عنها يوم 31/ يناير والإعلان النهائي عن النتائج النهائية يوم 6/ فبراير (أي يوم الإثنين أو يوم الأحد 26/صفر أو 2/ ربيع الأوّل) أو قبل ذلك بقليل.. تشير إلى أن 99٪ من السكان صوَّتوا لصالح الاستقلال؛ حيث إن موقع الاستفتاء صَرَّح أن 98،6٪ من الأصوات تمّ فرزها وتعدادها. وقد أُجْرِيَ الاستفتاء حسب الاتفاقيّة التي تم التوقيع عليها من قبل الجنوب والشمال والتي بموجبها تحققت بينهما المسالمة وانتهت الحرب الأهليّة الطويلة بين الشعب السوداني. وأكّدت النتائج أن 98،81٪ من سكان الجنوب يرغبون في الاستقلال.

     وقد ظل الجنوب السوداني تحت الهيمنة الصليبية منذ الاحتلال البريطانيّ التي نجحت في فصله من الشمال عمليًّا بدعم من مجلس الكنائس العالمي، ثم جاء دورُ الولايات المتحدة الأمريكية وريثةُ الاحتلال البريطاني، فحقّقت خطوةً فاعلةً نحو استقلال الجنوب منفصلاً من الشمال، بحجة حق تقرير المصير؛ ولكنها لم تطبقه في فلسطين وفي غيرها من البلاد التي كان الأمرُ فيها يتعلق بالمسلمين، رغم مطالبة وإصرار مسلمي العالم كله على ذلك، وإنّما طَبَّقَته في السودان وتيمور الشرقية وغيرهما: البلاد التي كان الأمر يتعلق فيها بالمسيحيين والصهيونيين أو الوثنيين أو غيرهم من غير المسلمين.

     إن استقلال الجنوب السوداني الغنيّ بالبترول والأخشاب الثمينة والمعادن والثروات الطبيعيّة يُوْجِد «إسرائيلَ» أخرى بين السودان المتبقي وبين مصر العربية، لا تُشَكِّل مصدر قلق وإزعاج ومشكلات معقده لاتنتهي لهذا البلدين المسلمين العربيين وحدهما وإنما تُشَكِّل «صداعَ رأس» للبلاد الإسلاميّة والعربيّة كلّها بشكل دائم ومتصل، أمّا مصر والسودان المتبقي فأولُ مشكلة تزرعها في طريقهما هي مشكلة مياه النيل التي تتصرف فيها كما تشاء، وقد تمنعها كليًّا ولا تَدَعُها تجري إلى السودان ومصر، مما يسلب أراضيهما الزراعيّة الخضرةَ والخصب اللذين تُعْرَف بهما.

     ثم إن فصل الجنوب السوداني من الشمال السوداني يدعو المناطق الأخرى في السودان للانفصال؛ لأن هناك أكثر من منطقة تُشَجِّعُ فيها القوى الاستعماريةُ الصهيونيةُ والصليبيةُ الانفصاليين على التحرك الفاعل نحو الانفصال والاستقلال.

     أما فلسطين العربيّة الإسلامية فالقضية تكاد تُصَفَّى فيها لصالح الصهاينة بتعاون وثيق شامل من قبل الغرب الصليبي المقود بالولايات المتحدة المتصهينة وفي ظلّ صمت عربي إسلامي وتقاعس فلسطيني وتواطؤ من بعض قادة العرب، والعملُ على ذلك جار بخطوات متسارعة متصلة وبكل الوسائل وعلى نار هادئة من المراوغة والمناورة، ومسلسلات من المفاوضات العبثية التي كلُّها انْصَبَّتْ وتَنْصَبُّ في قناة الأرباح الصافية دونما مقابل لصالح إسرائيل وحدها، التي كسبتِ الوقتَ حتى تُهَوِّد القدسَ، وتَهْدِم المسجد الأقصى، وتَبْنِي الهيكل المزعوم مكانَه، وتَلْتَهِم فلسطين كلَّها من النهر إلى البحر، وتُكَثِّف الاستيطانَ في الضفّة الغربيّة والقدس، وتَنْقَضَّ متى تشاء على قطاع «غزة» وتعلن الحرب الشعواء عليها. وكلُّ ذلك يتمّ بتأييد علنيّ من الرئيس الأمريكي الحالي «أوباما» - الذي حَاوَلَ خداعَ العرب والمسلمين بكلماته المعسولة عبر خطاباته العامة وخطابه الخاص في العام الماضي من القاهرة، وخطابه الآخر في العام الحالي من إندونيسيا حيث أرسل برقيتي تهنئة في 15/ مايو 2010م في ذكرى قيام الكيان الصهيوني إلى كلّ من «نتنياهو» و«شمعون بيريز» قال فيهما: «فلسطينُ التاريخية هي الوطن التأريخي لليهود». إن أوباما وغيره من الرؤساء الأمريكيين مضطرون أن يظلّوا رهنَ إشارةِ الصهاينةِ داخلَ أمريكا وخارجها، لكي يَبْقَوْا رؤساءَ يُؤَدُّون دورَهم ويحتفظون بحياتهم ومصالحهم، وإلاّ فتطولهم أيدي الصهاينة باغتيالهم وعائلاتهم بالاختطاف. إن أمريكا رهينةٌ بالمصالح الصهيونيّة وهي اليوم مُسْتعْبَدَة تمامًا من قبل الصهاينة، فلا يجوز لها ولا تتجرأ هي على القفز على المصالح الصهيونيّة.

     من ثم فَشِلَت جميعُ المفاوضات التي أُجْرِيت بين الفريقين الصهيوني والفلسطيني، ولم تقدر الولات المتحدة على تجميد الاستيطان رغم إطلاقها وعودًا كثيرة بذلك، فأعلنت تراجعَها عن الوعود، وقد كثرت المقالةُ في وسائل الإعلام بشأن أن «أوباما» شَجَّعَ فعلاً فكرة إغلاق ملف القدس في العام الحالي، وهو في سبيل تطبيق قرار الكونغرس الأمريكي بأن القدس عاصمةٌ مُوَحَّدَة لليكان الصهيوني، راجيًا أن ذلك سيؤدّي إلى زيادة شعبيته بين اليهود وحلفائهم، مما يُمَكِّنه من التجديد لمدة رئاسيّة ثانية.

     أما العراق المُثْخَن بالجراح الغائرة القاتلة، فقد حَدَثَ فيه أن الاستعمار الأمريكي قد أعلن انسحابه منه صوريًّا لا حقيقيًّا؛ لأنه أبقى فيه قواعده العسكريّة، و 56 ألف جندي تحت الطلب، وتَمَّ تدمير العراق كليًّا، والعملُ جارٍ على استكمال الفصول المتبقية من الإفساد والتدمير، والسعي لتقسيمها إلى دويلات، حسب المشروع الأمريكي الذي سَبَقَ الإعلانُ به، الذي جاء فيه تلويحُ الأكراد بالانفصال، استنادًا إلى «حق تقرير المصير» الأمرُ الذي شَجَّعَ الشيعةَ في البصرة على المطالبة بالحكم الذاتي، لأنهم يعلمون أن إقليمهم غنيٌّ بثروة النفط، فلهم حقٌّ كما يعتقدون  في تملكه واحتكاره والتصرف فيه كما يشاؤون.

     أما مصر العربية الإسلاميّة التي كانت وستظل بإذن الله عزّ وجل العمودَ الفقريّ في الجسم الإسلاميّ، ولذلك ظلّت مُسْتَغَلَّةً من قبل القوى الاستعماريّة كلها لتمزيق أوصال العالم العربي، والأمة الإسلامية كلّها.

     والمؤسفُ للغاية أن الرئيس المصري حسني مبارك الذي يحكم مصرَ الحبيبةَ منذ 1981م بقوة الحديد والنار، ويبطش بالإسلاميين ويُشَجِّع الملحدين والعلمانيين، ويتسارع على شاكلة سلفه السادات إلى إبداء الغرام الشديد بالدولة الصهيونية، ويُنَفِّذ حرفيًّا أوامر سادته الأمريكيين والغرب، ويستند في البقاء في الحكم إلى القوى الصليبية الصهيونية وحلفائها العلمانيين المتنكرين للإسلام، يسير سيرة أخيه الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي في كبت الشعب المصري الشقيق، وتعذيب الإسلاميين ومحاكمتهم محاكمة عريضة ظالمة، والزج بهم في السجون، وفرض الغرامة الماليّة الباهظة عليهم، وزرع المتاريس في طريق الإسلاميين حتى لايتوصّلوا إلى الحكم والسلطة؛ كما يعمل على توجيه من أمريكا المتصهينة بتجفيف منابع الدين في مصر الإسلامية العربية: مصر الأزهر الشريف، مصر التي فتحها سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه لصالح الإسلام ورسالة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.

     وقد وردت الأنباء بأن الشعب المصري الذي يعاني المشاكل الاقتصادية والاجتماعيّة والسياسيّة ضاق به زرعًا، وتَشَجَّعَ بعد الثورة الشعبية في «تونس» التي أطاحت بحكم زين العابدين بن علي، وخرج متظاهرًا في مسيرات مزدحمة ضد حكومة حسني مبارك، وقوبل المتظاهرون من قبل قوات الشرطة بمقاومة شديدة، حيث استخدمت الشرطة العصيّ وقنابل الغاز المسيلة للدموع، وتناولتهم بالضرب المبرح، حتى سقط منهم جرحى وقتلى، فيوم الثلاثاء 20/صفر 1432هـ الموافق 25/يناير 2011م، لقى ثلاثة من المتظاهرون مصرعهم بالإضافة إلى شرطيّ من قوات الشرطة التي كانت تتعامل مع الموقف بالعنف والقوة. وكالعادة صَرَّحت السلطات المصريّة أن المظاهرات والمسيرات إنما هي مُوَجَّهة من قبل الإسلاميين ولاسيّما الإخوان المسلمين الذين يقودون ويُنَظِّمون ويُشَجِّعون الشعبَ على هذه المظاهرات، والجديرُ بالذكر أن الرئيس المصري حسني مبارك يعالج الموقف على غرار زين العابدين في تونس، ويعتبر الاتنفاضة الشعبية «تطرفًا إسلاميًّا» ولا ينظر إليها بعين الواقع، ولا يودّ أن يعالج الأسبابَ الواقعيَّةَ التي دفعت الشعبَ إلى التظاهرات وهي المعاناة الاقتصاديّة، والبطالة، وغلاء الأسعار، والفساد المالي والسياسيّ الذي أخذ بتلابيب المسؤولين كلهم والدكتاتورية التي يعمل بها ويعتبرها سفينةَ نجاةٍ لنفسه ولعائلته ولزمرته الفاسدة المفسدة.

     الغليان الشعبي في مصر قد يُوَدِّي إلى حدوث الثورة العارمة ضدّ حسني مبارك مثلما حدث في «تونس» ضد زين العابدين بن علي. والحكيمُ من وُغِطَ بغيره، وقرأ كتابات الجدار، كما يقول المثل الفارسيّ. ومن المعلوم أن «تونس» ليست ولم تكن ولن تكون مصر، فأحداث الأولى لم تكن بعيدة المدى بالنسبة إلى البلاد العربية والإسلامية كلّها، ولكن مصر، أحداثها قد تهزّ العالم الإسلاميّ كله، لأن لها أهميّة قصوى في خريطة العالم الإسلاميّ، ليست لأي دولة عربية أو إسلامية أخرى. والاستعمارُ العالميُّ بشطريه الصهيونيّ والصليبيّ يدرك ذلك بكلّ أبعاده، فهو مُنْتَظِرٌ بفارغ الصبر أن يأتي دورُه الفاعلُ وتُتَاح له الفرصة حتى يُلقى على النار المتقدة الزيتَ لتزداد اتّقادًا، وتلتهم الأخضرَ واليابسَ لا في مصر وحدها بل في الجزء الأكبر من العالم الإسلامي، ولاسيّما لأن التظاهرات لاتزال يتسع نطاقُها ليوم كتابة هذه السطور: يوم الخميس 22/ صفر1432هـ الموافق 27/يناير 2011م حيث إنها طالت بعدما تجاوزت القاهرةَ كلاًّ من مدينة السويس والإسكندرية والمدن ذات أهميّة في البلاد.

     وذكرت الأنباء الأخيرة أن سقط من المتظاهرين أكثر من 60 قتلى وعدد كبير من الجرحى، وأن حسني مبارك قد حلّ البرلمان، والمتظاهرون يصرون على استقالته هو.

     واليمن كذلك فيه الغليانُ على الأصعدة كافّةً؛ حيث حركة الانفصال والتصدّع تضربه بقوة متناهية؛ لأن الحكومة اليمنية تتوزع قوتَها جبهتان في وقت واحد: الحوثيون في الشمال والحراك الجنوبي في الجنوب، بالإضافة إلى العناصر التي تنتمي إلى «تنظيم القاعدة» الذي اتخذت منه أمريكا غولاً أسود مخوفًا تُخَوِّف به كلاًّ من البلاد العربية والإسلاميّة وبلاد العالم لتحقق لها بذلك مصالح شاملة عسكرية واستراتيجية واقتصاديّة، وتخدم من خلال ذلك مصالح صهيونية صليبية بعيدةَ المدى. ولذلك نهضت تُشَمِّر عن ساق الجدّ لتجعل من اليمن باكستانًا أخرى تحتلّه كما احتلت باكستانَ بعدما احتلت كلاً من أفغانستان والعراق، وتُدَمِّره عن آخره بطائرات بدون طيارين في غارات عشوائية تستهدف الأبرياء وتجعلهم أشلاء متناثرة. وذلك بحجة ملاحقة عناصر «القاعدة» وتصفيتها مما يوقع كل يوم ضحايا عُزّلاً في كل من أفغانستان وباكستان.

     واليمن في جانب آخر يعاني الفسادَ الماليَّ والسياسيَّ وشحَّ المياه، والنضوبَ المتوقع للنفط الموجود لديه. وكلُّ ذلك يهدّد اليمن بالتشرذم والتمزق لاقدّر الله.

     أمّا لبنان، فيوشك أن تنفجر؛ لأنها الآن انقسمت بشدة إلى السنة والشيعة وبين تيارى 8 و 14 مارس وبين المسلمين والمسيحيين. وأمريكا وإسرائيل مُسْتَعِدَّتان كلَّ وقت لتُفَجِّرا الموقفَ في لبنان، والمحكمةُ الدولية تُشَكِّل اليوم عنصرَ تفجير؛ لأن قيادة حزب الله تقتنع بأن رأس الحزب مطلوب من خلال اتهامه بقتل الحريري.

     والجزائر والمغرب العربي، الصراعُ القائمُ بين المغرب العربي والجزائر قنبلة موقوتة، من خلال النزاع القائم بينهما في موضوع الصحراء الذي يزداد تعقيدًا لحد احتمالات حرب بين الدولتين المسلمتين، كما أن قضية الأمازيع والبربر هي الأخرى تُمَثِّل لغمًا موقوتًا بين البلدين قابلاً للانفجار، كما أن قضية تنظيم القاعدة أيضًا تدعو للتدخل الأجنبيّ الصهيوني الصليبي الفرنسي الأمريكي في المغرب العربي.

     والصومال يعيش اليوم فوضى خلاّقة بالمصطلح الأمريكي ناتجة عن قيام اللادولة، فهو يعاني خطر التمزق الواقعي إلى دويلات صغيرة متناحرة.

     وباكستان تعيش اليوم حالةَ غليان قصوى من الاحتلال الأمريكي الصامت الذي تمّ عن طريق الجيش الباكستاني بدوره، وخطر التمزق قائم ويُهَدِّد سلامة البلاد ولاسيما من أجل غارات أمريكية متتابعة تغتال العزّل الأبرياء من المواطنين. والحكومةُ القائمة اليوم مهزوزة الجذور، واللاثقةُ على أشدّها بين أمريكا وباكستان؛ لأن أمريكا كانت تتوقع أن القادة الباكستانيين سيبيعون باكستانَ لأمريكا بالكامل، ويقتلون المواطنين بعدد أكبر وشكل أفظع مما يحدث حالاً، وذلك لم يتم ولن يتم من أجل المعارضة الشعبيّة القوية، كما أن البطالة والغلاء والفساد المالي وقلة فرص العمل تهدد باكستان كما تهدد جميع البلاد الإسلامية والعربية.

     أمّا أفغانستان، فتكاد أمريكا بعد ما دمّرتها عن آخرها تفشل فيها بالكامل، وتولّي منها مدبرة منهزمة؛ ولكنها لكي تحتفظ بماء في وجهها تحتال وتراوغ، وكان عام 2010 كارثيًّا على جميع المستويات بالنسبة للقوى الغربية التي أقبلت إليها بدعوة من أمريكا المجرمة حالمةً بتحريرها وتصفية «القاعدة»وحركة «طالبان» التي صارت اليوم أقوى من ذي قبل، لأنها تتعاظم يومًا بعد يوم. وحصيلةُ قتلى القوات الأجنبية والأمريكية بلغت 2270، ثلثاهم من الأمريكان، إلى أن أمريكا تتكبد سنويًّا في جهودها الحربية في أفغانستان مبلغ 113 مليار دولار في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد الأمريكي خسارة باهظة وعجزًا مُرَوِّعًا. وأعلن الصليبُ الأحمر أن أفغانستان اليوم الوضعُ فيها هو الأسوأ من الثلاثين عامًا الماضية.

     أما قلنا أنفًا أننا لسنا أحرارًا حتى في داخل بلادنا وأننا محكومون بالأجانب المستعمرين الصهاينة والصليبيين والوثنيين إما حكمًا مباشرًا أو حكمًا غير مباشر عن طريق العملاء والمأجورين من أبناء البلاد.

     لسنا نعاني المصائب من قلة في العَدَد والعُدَد، وقلة المصادر والموارد، وإنما لأننا نمنا طويلاً غافلين حتى حَزَقَ بنا الأعداءُ من كل جانب.

     الحاجة ماسّة إلى الصحوة الواعية؛ حتى نأخذ طريقنا إلى الإعداد المستطاع للقوة المرهبة لأعداء الله ورسوله وأعدائنا، بعدما نكون قد أصلحنا أنفسنا ورَتَّبنا بيوتنا، ووَظَّفْنا عقولنا، وتخلصنا من حالة الضياع والهوان على الأعداء الذين يفعلون بنا الأفاعيلَ التي تجعل المتفرجين في العالم يضحكون علينا.

 

(تحريرًا في الساعة 8 من الليلة المتخللة بين الجمعة والسبت: 23-24/صفر 1432هـ الموافق 28-29/يناير 2011م)

 

نور عالم خليل الأميني