مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، ربيع الأول 1432 هـ = فبراير 2011 م ، العدد : 3 ، السنة : 35

الفكرالإسلامي

طرائق استنباط السنن الإلهية من القرآن الكريم

(2/2)

 

بقلم: الدكتور أبو اليسر رشيد كهوس

 

7 – ورود فعل اللّه عزّ وجلّ أو امتناعه منوطاً بغاية:

     نحو قوله تبارك  وتعالى في سنة العقاب الدنيوي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾(69)، وقوله تقدس وتعالى في سنة التمييز: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّٰى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَآءُ فَاٰمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾(70)، وقوله تبارك وتعالى في سنة التغيير:﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾(71).

 

8 – ترتب الجزاء من اللّه عزّ وجل أو امتناعه منوطاً بحال(72):

     نحو قوله تبارك وتعالى في سنة الوحي إلى رسله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾(74)، وقوله عز من قائل في سنته في الكافرين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اٰمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ اٰمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾(75)، وقوله عز سلطانه في سنته في هلاك الأمم: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾(76).

 

9 – الأمر بالشيء مع بيان ما فيه من مصالح:

     في مواضع يأمر الله U بالشيء مبيناً ما فيه من مصالح، نحو قوله تبارك وتعالى في سنة الإعداد: ﴿وَأعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَاٰخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾(77)، وقوله تبارك وتعالى في سنة التحرز من الشيطان: ﴿إِنَّ الشَّيْطٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾(78)؛  فعداوة الشيطان عامة قديمة لا تكاد تزول بمقتضى سنة الله المطردة.

 

10 – النهي عن شيء مع بيان عواقبه السيئة:

     نحو قوله تبارك وتعالى في سنته في الذين يتبعون السبل: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصّٰكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾(79).

 

11 – ورود لفظة (كذلك) بمعنى: (مثل ذلك)

        في سياق فعل اللّه عزّ وجل أو قصة قرآنية:

     نحو قوله تبارك وتعالى في سنته في القوم المجرمين: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنٰتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾(80)، وقوله عز وجل في سنته في إخماد الباطل وإزهاقه وقطع دابر أهله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسٰكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾(81)، والآية في سياق الحديث عن «عاد»  قوم «هود» عليه السلام وما حل بهم من الهلاك والاستئصال لما كذبوا الرسل وأنكروا رسالة نبي الله «هود» عليه السلام.

 

12 – وعود مطلقة على صفات مخصوصة:

     نحو قول الله تعالى في سنة الاستخلاف والتمكين: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ اٰمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضٰى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفٰسِقُونَ﴾(82)، وقوله سبحانه وتعالى في  سنته في نصر المرسلين: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغٰلِبُونَ﴾ (83)، وقوله تبارك وتعالى في سنته في نصر المستضعفين: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْاٰخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾(84).

     هذه بعض الطرائق التفصيلية في كيفية استخراج السنن، ومما لا ريب فيه أن طريقة استخراج السنن من القرآن الكريم كثيرة، ويمكن استعمال كل مسالك العلة التي ذكرها علماء الأصول في باب التعليل في استنباطها واستخراجها.

 

     - نماذج لاستخراج السنن واستنباطها على وجه الإجمال:

     ما ذكرناه سابقاً من نماذج كان  على وجه التفصيل، أما على وجه الإجمال فيمكننا استخراج السنن من القصص القرآني(85) الذي يشغل مساحة واسعة من القرآن الكريم - تقارب ثلث القرآن- ومن الأمثال القرآنية كذلك، والآيات التي ورد فيها ربط الأسباب بالمسببات والنتائج بالمقدمات:

 

1 - القصص القرآني:

     إن إلحاح القرآن الكريم على الأمر بالسير في الأرض، لا لمجرد التسلي والوقوف على مصارع الأقوام الغابرة، والنظر في عاقبة المكذبين على مدار التاريخ، ولكن للاعتبار، وتجنب أسباب الهلاك التي وقعوا فيها، واكتشاف سنن الله التي لا تتعطل ولا تنخرم في التاريخ حتى لا تسقط الأمة فيما سقطوا فيه وتحصدها عجلة السنن.

     فالتاريخ يعيد نفسه، وتظهر فيه سنن الله جلية واضحة. ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحٰبِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكٰتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنٰتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوٓا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون﴾(86). فأحداث التاريخ تتكرر، وسنة الله ثابتة مطردة على مدار التاريخ.

     هذا وقد سعى القصص القرآني «لكشف تفاعل السنن الإلهية في واقع الناس لاستخلاص العبر والعظات بأن لاشيء يخرج عن عهوده الربانية والتي هي كلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر  ولا فاجر»(87).

     يقول الدكتور «صلاح عبد الفتاح» الخالدي: «لماذا القصص القرآني عبرة؟ العبرة من العبور، وكأن الواحد منا عندما يقف أمام قصص السابقين في القرآن يعبر إلى الماضين، كأنه يتخلص من قيد الزمان والمكان، ويتحرر من أسْر الواقع، ويستعلي على النظر القاصر القصير، وينطلق إلى عوالم فسيحة من تاريخ الأقدمين، وقصص السابقين فيعايشهم ويراقبهم ويتعظ بهم.

     إنها نماذج بشرية مكررة تقدمها لنا قصص السابقين في القرآن: نماذج المؤمنين ونماذج الكافرين، نماذج الضعفاء الأذلاء، ونماذج الرجال الصادقين الأقوياء. وإنها قيم دائمة توحي لنا بها قصص السابقين: قيم الحق وقيم الباطل، قيم الفضيلة وقيم الرذيلة.

     إنها المعركة المستمرة بين الحق والباطل، وإن التاريخ يعيد الكثير من ميادين هذه المعركة وأساليبها وصورها ومجالاتها. ولا يختلف فيها إلا الأشخاص فقط.

     كم يقدم لنا قصص القرآن من دروس ودلالات وعبر، ومن قيم وحقائق وسنن، ومن زاد وعدة وسلاح، ومن طمأنينة وثقة وسعادة وثبات.

     إن قصص القرآن كنزٌ لا ينفد، ومَعين لا ينضب، في دروسه ودلالاته وعِبَره، وفي الإيمان والعقيدة، وفي العمل والدعوة، وفي الجهاد والمواجهة، وفي المنطق والأسلوب، وفي الصبر والثبات، وفي الموازين والحقائق»(88). ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُّفْتَرٰى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾(89).

     هذا علاوة على أن أفضل الفوائد والفرائد وأهم الدروس و العبر في القصص القرآني هو تنبيه الناس على سنن الله -تعالى- في نشوء المجتمعات واندثارها، وتأثير أعمال الخير والشر فيها، ومطالعة أمر الله في أحوال الكافرين وسنته المطردة التي -لا تتعطل- فيهم: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾(90).

     فمن قصص السابقين -غير الأنبياء- قصة قبيلة (سبأ) التي أنشأت حضارةً قويةً في اليمن؛ لكنها أعرضت عن الله وكفرت بأنعمه وطغت طغياناً كبيرًا؛ فحصدتها عجلة التاريخ، وكان ما حدث لها سنة إلهية مطردة لا تتعطل ولا تتوقف، تحكم البشرية في كل زمان ومكان. فكل من أعرض عن الله، وطغى وتجبر وعاث في الأرض فسادًا، حل به عقاب الله وانتقامه، وحصدته سنة الهلاك والدمار، قال الحق جل ثناؤه في القصة المذكورة: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ اٰيَةٌ جَنَّتٰنِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ  فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنٰهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ  ذَلِكَ جَزَيْنٰهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجٰزِيٓ إِلَّا الْكَفُورَ ﴾(91). «سبأ قبيلة معروفة في أداني اليمن، ومسكنهم بلدة يقال لها «مأرب»، ومن نعم اللّه ولطفه بالناس عموماً، وبالعرب خصوصاً أنه قص في القرآن أخبار المهلكين والمعاقبين، ممن كان يجاور العرب، ويشاهد آثاره، ويتناقل الناس أخباره؛ ليكون ذلك أدعى إلى التصديق، وأقرب للموعظة فقال: ﴿ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ أي: محلهم الذي يسكنون فيه ﴿آيَةٌ﴾ والآية هنا: ما أدرَّ الله عليهم من النعم، وصرف عنهم من النقم، الذي يقتضي ذلك منهم، أن يعبدوا الله ويشكروه. ثم فسر الآية بقوله: ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ وكان لهم واد عظيم تأتيه سيول كثيرة، وكانوا بنوا سدًا محكماً يكون مجمعًا للماء، فكانت السيول تأتيه، فيجتمع هناك ماء عظيم فيفرقونه على بساتينهم التي عن يمين ذلك الوادي وشماله، وتُغِلُّ لهم تلك الجنتان العظيمتان من الثمار ما يكفيهم، ويحصل لهم به الغبطة والسرور، فأمرهم اللّه بشكر نعمه التي أدرَّها عليهم من وجوه كثيرة، منها: هاتان الجنتان اللتان غالب أقواتهم منهما.

     ومنها: أن اللّه جعل بلدهم بلدةً طيبةً، لحسن هوائها، وقلة وخمها، وحصول الرزق الرغد فيها.

     (...) ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بكفرهم بالله وبنعمته، فعاقبهم الله تعالى بهذه النعمة التي أطغتهم، فأبادها عليهم، وأرسل عليها سيل العرم.

     أي: السيل المتوعر الذي خرب سدهم، وأتلف جناتهم، وخرب بساتينهم، فتبدلت تلك الجنات ذات الحدائق المعجبة، والأشجار المثمرة، وصار بدلها أشجار لا نفع فيها، ولهذا قال: ﴿وَبَدَّلْنٰهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾ أي: شيء قليل من الأكل الذي لا يقع منهم موقعاً ﴿خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ وهذا كله شجر معروف، وهذا من جنس عملهم.

     فكما بدلوا الشكر الحسن بالكفر القبيح، بدلوا تلك النعمة بما ذكر ؛ ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ﴾ أي: وهل نجازي جزاء العقوبة - بدليل السياق - إلا من كفر باللّه وبطر النعمة؟

     فلما أصابهم ما أصابهم تفرقوا وتمزّقوا بعدما كانوا مجتمعين، وجعلهم الله أحاديث يُتَحَدَّثُ بهم، وأسمارًا للناس، وكان يضرب بهم المثل فيقال: «تفرقوا أيدي سبأ» فكل أحد يتحدث بما جرى لهم، ولكن لا ينتفع بالعبرة فيهم»(92).

     ومن قصص الأنبياء السابقين قصة سيدنا «نوح» عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، قال الحق جل ذكره: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادٰى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنٰهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَنَصَرْنٰهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِاٰيٰتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنٰهُمْ أَجْمَعِينَ﴾(93)، وهذه سنة إلهية  دائمة في نصر رسل الله وأنبيائه عليهم السلام.

     أما قصص السيرة النبوية فهي موضوع أطروحتنا وسنفصل في ذلك في الجانب التطبيقي منها.

 

2 -  الأمثال القرآنية(94):

     لم تذكر الأمثال في القرآن عبثاً، وإنما ذكرت لاستقراء ما وراءها من عبر غوالٍ، ودروس بالغة، وسنن إلهية ثابتة،  ينكشف بها اللبس، وتتبين العثرات، حتى يدرك الناس ما ينفعهم، فيسعوا لتحصيله، ويدركوا ما يضرهم فيجتنبوه، قال الحق جل وعلا في بيان الحكمة من ضرب الأمثال: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾(95)، وقال عز من قائل: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾(96)، وقال جل جلاله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾(97).

     ولذلك فإن للأمثال القرآنية شأناً عظيماً في تزكية النفوس والرقي بها نحو المعالي، فمن الأمثال -مثلاً- التي تتضح فيها سنن الله جلية واضحة، قوله تبارك وتعالى:﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ اٰمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ  وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظٰلِمُونَ﴾(98). وفي المثل سنة مطردة وهي سنة الله في النعم وتغييرها.

 

3- الآيات التي ورد فيها ربط النتائج بالمقدمات:

     نحو قوله تبارك وتعالى في سنته في تيسير المخرج للمؤمنين: ﴿يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ اٰمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾(99)، وقوله عز وجل في سنة النصر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ اٰمَنُوْٓا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾(100).

     إذًا فسنة الله ترتيب الأسباب على المسببات والنتائج على المقدمات، وترتيب المرحلة على المرحلة، والمعلومات على العلة، وتغيير النعم على تغيير ما بأنفس الناس، والنصر في ساحة الوغى على إعداد القوة المستطاعة المعنوية والمادية.

     هذا، وما خفي أعظم، وأبعاد سنن الله المطردة لا متناهية. قال الدكتور «محمد رشاد خليل»: «وسنن الله كثيرة لا تقع تحت حصر، منها ما نعرفه ومنها ما نجهله وقد نعرفه بعد البحث، ومنها ما لا يحيط بعلمه إلا الله (...) ذلك أن السنن ليس ما نعرفه فقط وإنما ما لا نعرفه أيضاً، وما لا نعرفه أكثر كثيرًا مما نعرفه»(101).

     ولا ننسى ما ورد في السنة النبوية المطهرة من سنن إلهية مطردة، نجدها وأشتاتاً في أسفار كتب الحديث: فعَنِ «ابْنِ عُمَر» رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله  صلى الله عليه وسلم يَقُولُ ﴿إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ﴾(102).

     والحديث يتحدث عن سنة الله في الجهاد، فإذا اشتغل الناس بالزرع في زمن يتعين فيه الجهاد، وتبايعوا بالعينة، حصدتهم سنن الله في الجهاد، وسلط عليهم عقابه وفق سننه العادلة.

 

*  *  *

الهوامش :

(69) سورة الأعراف: 40.

(70) سورة آل عمران: 179.

(71) سورة الرعد: من الآية 11.

(72) وغالبا ما يكون صدر الجمل في هذا الباب بنفي أو بالكون المنفي (لم يكن، ما كنا، ما كان)، أي مجيء مشتقات فعل الكون مع (ما) أو (لم)، وقد تأتي بعدها لام الجحود وهي أبلغ، وقد لا تأتي.

(73) سورة الشورى: 51.

(74) سورة النساء: 137.

(75) سورة الحجر: 4.

(76) سورة الأنفال: 60.

(77) سورة فاطر: 6.

(78) سورة الأنعام: 153.

(79) سورة يونس: 13.

(80) سورة الأحقاف: 25.

(81) سورة النور: 55.

(82) سورة الصافات: 171-173.

(83) سورة القصص: 83.

(84) والقصص في القرآن الكريم على أنواع ثلاثة: 1- قصص الأنبياء السابقين عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام. 2- قصص الأمم والأحداث الغابرة.3- قصص السيرة النبوية المحمدية .

(85) سورة التوبة: 70.

(86) منهاج الفتوى على ضوء السنن الإلهية، ص98.

(87) مع قصص السابقين في القرآن، ص30.

(88) سورة يوسف: 111.

(89) سورة الرعد: 31.

(90) سورة سبأ: 15-17.

(91) تفسير السعدي، ص677-678.

(92) سورة الأنبياء: 76-77.

(93) الأمثال القرآنية المقصودة في درسنا تلك التي جاء بعدها إلحاح على الاعتبار بها واستنباط الدروس منها، أو تلك التي جاءت في سياق القصص القرآني.

(94) سورة إبراهيم: من الآية 25.

(95) سورة الزمر: 27.

(96) سورة الحشر: من الآية 21.

(97) سورة النحل: 112-113.

(98) سورة الأنفال:29.

(99) سورة محمد: 7.

(100) دفاع عن التاريخ الإسلامي، ص 105-106.

(101) سنن أبي داود، كتاب الإجارة،  باب في النهي عن العينة، 3462.