مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، ربيع الأول 1432 هـ = فبراير 2011 م ، العدد : 3 ، السنة : 35

دراسات إسلامية

سقوط الأندلس

التشتيت وزيادة القهر (1570-1608م)

 

بقلم : د. علي المنتصر الكتاني

 

     ابتدأت قبيل انهيار ثورة «غرناطة» الكبرى (1568-1570م) مأساة جديدة لم ير شعب مثلها؛ ففي 5/3/1570م، قرر المجلس الملكي الإسباني، إقصاء المورسكيين من مملكة «غرناطة» وتوزيعهم على قشتالة(1). وصدر أمر الملك بذلك في 28/10.. وفي 1/11، قبل استشهاد «ابن عبو»، ابتدأ جيش خوان النمساوي بجمع سكان القرى والمدن المورسكيين، ليقودهم بالقوة إلى أماكن تهجيرهم. وصدر القرار بمصادرة جميع أملاك المهجرين الثابتة، وسمح لهم بنقل أملاكهم المنقولة. وقد اعتقدت «أسبانيا» النصرانية حكومة وكنيسة، أن تشتيت الغرناطيين على أنحاء قشتالة هو الحل النهائي لإدماجهم في المجتمع النصراني.

     حدد القائمون على التهجير مراكز التجمع في السبع نقط التالية: غرناطة، وبسطة، ووادي آش، والمرية، وبيرة، ومالقة، ورندة. وفي كل نقطة تجمع أساسية، عدد من النقاط الثانوية، تنكب فيها.. دامت المرحلة الأولى من التجمع أسبوعاً كاملاً، أذاق فيها الجيش أهل الأندلس صنوفاً من العذاب لاتوصف. فجمع حوالي 000, 46 شخص، بينما التحق آخرون بالجبال، حيث انضموا للمقاومة. ثم ابتدأت مرحلة التهجير الثانية، بنقل المهجرين مشيًا باتجاه الشمال والغرب، في قوافل تتكون كل واحدة منها من حوالي 1500 أندلسي و200 عسكري نصراني، تتبعها عربات تحمل أمتعة المهجرين. فمشى المهجرون تحت المطر والثلج الأسابيع المتواصلة، رغم أن جلهم كانوا من الشيوخ والنساء والأطفال، مات منهم في الطريق عشرهم، ووصل منهم 000, 21 إلى «البسيط»، و 6000 إلى «طليطلة»، و 22000 إلى «قرطبة»، و 5500 إلى «إشبيلية».

     وابتدأت المرحلة الثالثة من التهجير، بالتشتيت من مراكز الوصول الأساسية الأربعة إلى مراكز ثانوية.. ثم تبعتها المرحلة الرابعة، بتوزيع المهجرين على المدن والقرى الثانوية، لتكون نسبتهم من السكان أقل ما يمكن. ولم تنته هذه العملية إلا في 20/12/1570م. ولم يبق من المهجرين، بعد هذه المآسي، سوى حوالي 33000 شخص في حالة يرثى لها، من الجوع، والفقر، والمرض، والبؤس، بينما مات منهم 17000 شخص. وفي 22/11/1571م، قررت الحكومة مرةً أخرى تهجير الغرناطيين من مناطق الأندلس القديمة إلى «قشتالة». ولم تنته عمليات تهجير أهل مملكة غرناطة إلا سنة 1574م. وهُجِّر بذلك ما مجموعه حوالي 80000 غرناطي.(1) وحيث إن عدد أهل غرناطة كان أكثر من هذا، يظهر أن الدولة عملت على القضاء على القوى الحية في المجتمع الغرناطي، بتهجيرها وتشتيتها، وليس على تفريغ مملكة غرناطة من سكانها.

     وفي 24/2/1571م، صدر مرسوم ملكي جديد بمصادرة أملاك الغرناطيين، المجاهدين منهم والمسالمين، المنقولة وغير المنقولة، وجعلها ملكاً للملك. وعين الملك مجلساً لإعادة تعمير مملكة غرناطة برئاسة رئيس «محكمة التفتيش». فاستقطب 50000 نصراني من الشمال، ووُزِّع عليهم بعض أملاك الغرناطيين؛ لكن حركة الاستيطان هذه فشلت، لقلة دراية المستوطنين الجدد بالزراعة. فرجع أكثرهم إلى قراهم بالشمال. بينما رجع لغرناطة عدد من المهجرين المسلمين. وبقي في غرناطة معظم مسلميها، إما متسترين كنصارى، أو مختبئين في الجبال، حيث كوَّنوا فرقًا فدائيةً، تزرع الرعب في أوساط الكنيسة والدولة والمستوطنين الجدد.

     دامت حركة الفداء الإسلامية في «الأندلس» إلى أواخر القرن السادس عشر الميلادي، وشملت كل مقاطعات «أسبانيا»، ولم تستطع الدولة القضاء على الفدائيين، الذين يسهل عليهم التمون من الأرض وسكانها، رغم مجهوداتها الضخمة. ففي مناطق حكم «قشتالة»، نشرت فرق الزريق الرعب في منطقة «المرية» بين سنتي 1571و 1573م، وجاهدت فرق «ابن المليح» في منطقة «رندة» بين سنتي 1573و 1576م.

     ولما قررت الحكومة من جديد تهجير الغرناطيين من منطقة «الأندلس» القديمة، تدخلت المجالس البلدية وعارضت القرار، فلم يطبق بصفة فعلية. وتدخلت كذلك السلطات المحلية في مملكة مرسية، لمنع تنفيذ قرار إخراج الغرناطيين. ورجع عدد كبير من المهجرين، خاصةً من مقاطعة «جيان»، إلى مملكة «غرناطة». وعملت الدولة والكنيسة على مقاومة هذا الرجوع، بينما تدخلت السلطات المحلية في مملكة «غرناطة» في تيسيره. وتتابعت أوامر الطرد بين سنتي 1576 و 1585م، وأخذت الحكومة المهجرين إلى مناجم المعدن الرهيبة، التي لم يكن يمكث العامل فيها أكثر من سنتين، ويموت بسبب أوضاع العمل السيئة .

     كانت السلطات الأسبانية، الحكومية والكنيسة، تخاف خوفًا شديدًا من تجمع الأندلسيين، خاصة الغرناطيين منهم، عبيدًا كانوا أم أحرارًا. فهي تشتتهم كلما اجتمعوا.. ولمنعهم من الاتصال بمسلمي «أراغون» وشمالي إفريقيا، أخرجتهم من المدن والقرى الشاطئية. وكانت الدولة تخاف أكثر ما تخاف من اتصال المورسكيين بالدولة العثمانية.

     أدى نقل الغرناطيين إلى «قشتالة»، إلى إحياء الروح الإسلامية في الجاليات القشتالية المدجنة، وسهولة الاتصال بين كل مسلمي «أسبانيا»، وتقوية روح الفداء والأخوة بينهم. وعاش مسلمو «قشتالة» بأمل إحياء الدولة الأندلسية الإسلامية، تقويه أخبار انتصارات العثمانيين على النصارى. وعاش النصارى مع المسلمين في «قشتالة» في جو من الإشاعات والمؤامرات، كما حدث سنة 1580م عندما اكتشفت الدولة مؤامرة في إشبيلية تخطط لإنزال متطوعين مغاربة على مصب الوادي الكبير.

     ونشطت حركة جهاد «اللمنفيين» في مناطق بلد الوليد، وبشترنة، وبطليوس، وأبدة، وإشبيلية بمملكة قشتالة. ومنذ سنة 1572م، أخذت الدولة تقنن اضطهاد الأندلسيين في قوانين همجية: فعلى أهل كل بلدة تسجيل أسمائهم وأوصافهم ونبذة عن حياتهم، لمراقبة تحركاتهم، ومنعهم كل من يرجع إلى «غرناطة»، أو يظهر عليه ارتباط بالإسلام أو ثقافته. وقررت الكنيسة أخذ جميع أطفال المسلمين لتربيتهم على تعاليمها، كما باعت عددًا منهم كعبيد للنصارى القدامى. وتابع «ديوان التفتيش» مطاردة المسلمين دون هوادة، ففي سنة 1591م وحدها مثلاً، سجلت وثائقه 291 قضية ضد المسلمين.

     بعد أن هُجِّر أهل غرناطة، وأضعفت مقاومتهم، انتقلت القيادة الإسلامية إلى مسلمي مملكة «أراغون»، فأصبحوا شغل الدولة الشاغل. وكانوا قد عاشوا عدة قرون مع النصارى كمدجنين، دون أن يقل تشبثهم بالإسلام في شيء، رغم رفضهم المشاركة في ثورة غرناطة الكبرى. وكانت أعدادهم كبيرة، ونسبهم من بين السكان مرتفعة. وكانوا أهل زراعة، يعملون للنبلاء النصارى، ويدفعون ضرائب باهظة. وأدى جهاد غرناطة إلى تقوية الشعور الإسلامي بينهم. وكانت الدولة والكنيسة تخشيان هذا التأثير الغرناطي عليهم. وقد وجد مسلمو غرناطة الملطأ والمساندة من إخوانهم في «أراغون»، رغم منع الدولة لاتصال بينهم.

     واغتنم بعض النصارى حرب غرناطة للهجوم على المسلمين، لسلب أموالهم، وسبي أبنائهم ونسائهم، وبيعهم كعبيد، خاصة لاجئي غرناطة. فكانوا يساقون إلى سوق النخاسة، فيجتهد إخوانهم في «أراغون» في شرائهم لتحريرهم. لكن الدولة منعت عندما عرفت ذلك المسلمين من اقتناء العبيد.

     وبعد أن حرر العثمانيون «تونس»، وحلق الوادي، من يد «الأسبان» سنة 1574م، زاد الرعب من إنزال عثماني في مملكة بلنسية، بمساندة المسلمين، الذين كانوا يكونون ثلث سكانها، وربع سكان مملكة أراغون القديمة. فقرر الملك في 9/10/1575م منع المسلمين من سكنى الشواطيء، فأجلوا عنها. وأخذت الشائعات تنتشر بقرب تحالف ثلاثي بين المورسكيين، والعثمانيين، وبروتستانت فرنسا (الهوكونو)، عندما اكتشفت شبكات اتصالات بينهم. فزادت سلاحهم، لتركهم فريسة سهلة للمجرمين، والمنتقمين، والطامعين من النصارى.

     وفي سنة 1585م، اندلعت حرب أهلية بين نصارى أراغون القديمة (سرقسطة) الساكنين في الجبال، ومسلميها الساكنين في السهول، دامت إلى سنة 1588م، ثم تحول المسلمون إلى حرب عصابات دامت إلى سنة 1591م. وانتشر كذلك الفداء في مملكة بلنسية، بين سنتي 1580م و 1590م. وتابعت الكنيسة حملات التنصير بطرق قمعية، تزيد شراسة كل سنة، للقضاء على العادات الإسلامية. وأصبح التنصير سلاحًا في يد الرهبان، لاستنزاف أموال المسلمين، حيث يئسوا من نقلهم إلى النصرانية. ولم ينج من متابعات محاكم التفتيش لا أقوياء المسلمين ولا ضعفاءهم. ولم يكن يدافع عنهم أحيانًا ضد تجاوزات الدولة سوى النبلاء، لا محبة فيهم، ولكن خوفًا على مصالحهم؛ لأن النبلاء كانوا يعيشون عالةً على المسلمين، الذين يزرعون الأراضي، ويقومون بكل المهن.

     وظلت لمسلمي «أسبانيا» في هذه الفترة صلات وثيقة مع الثلاث جهات المعادية لأسبانيا: الدولة العثمانية، كأكبر قوة إسلامية في البحر الأبيض المتوسط؛ والمملكة المغربية، التي هي الدعم الطبيعي لمسلمين الأندلس عبر التاريخ، وهوكونو فرنسا، الذين يشاركونهم في عداوتهم للكاثوليك.

     ابتدأت علاقة الأندلسيين بالدولة العثمانية منذ سقوط «غرناطة»، وتزايد أملهم في نصرتها لهم بتزايد قوتها. وبعد انهيار ثورة «غرناطة» الكبرى سنة 1570م، عملت السفن العثمانية على حمل اللاجئين، وتحول مركز المقاومة إلى بلنسية. وقدر عدد الحملات العثمانية على الشواطئ الأسبانية، بين سنتي 1528 و 1584م بحوالي 33 حملة. وفي سنة 1575م توصل قضاة محاكم التفتيش في سرقسطة وبلنسية بأخبار مفادها أن المسلمين يهيئون لثورة شاملة بتأطير غرناطي، وإنزال بحري عثماني(1)، وأرسل مورسكيو سرقسطة سفارة إلى الباب العالي يطلبون المال والسلاح. وتجددت الأنباء بين عامي 1578م و 1580م، عن تبادل مبعوثين بين الدولة العثمانية ومسلمي بلنسية وسرقسطة. ولكن أمل المسلمين بوصول الأسطول العثماني لتحريرهم لم يتحقق قط.

     أما علاقة الأندلسيين بالدولة السعدية بالمغرب، فلم تكن جيدةً. نعم كانت لانتصارات محمد الشيخ ضد البرتغاليين أحسن الأثر لدى الأندلسيين، فأيدوه تأييدًا كاملاً، كرجل الجهاد المدافع عن المغرب، والمنقذ للأندلس. وحاول «محمد الشيخ» التحالف مع العثمانيين، لإنقاذ الأندلسيين، لكن خوفه منهم أوقفه عن ذلك. وتحول هذا الخوف إلى خيانة أمام الغالب الذي تحالف ضمينًا مع الأسبان ضد المصالح العليا لكل من المغرب والأمة الأندلسية، والإسلامية بصفة عامة. وخلفه المتوكل في نفس السياسة إلى أن هُزم مع حلفائه البرتغاليين، وقُتل في معركة وادي المخازن سنة 986هـ (1578م). وساند الأندلسيون أبا مروان المعتصم، إلى أن بويع سلطانًا على المغرب سنة 1576م. ثم ساندوا عبد الملك، فأصبح الأندلسيون ركنًا قويًا من أركان دولته وجيشه. لكنه غدر بهم وتعاقد مع الأسبان في حلف ضد العثمانيين، وضد المقاومة الأندلسية.

     ولم تكن معركة وادي المخازن انتصارًا للمغرب على «البرتغال» فحسب؛ بل كانت كذلك انتصارًا للمسلمين على النصارى، إذ كان الجيش البرتغالي يضم أعدادًا كبيرةً من المتطوعين الأسبان وغيرهم من الأوروبيين، بينما جاهد الأندلسيون مع المغاربة ببسالة واستماتة. وبعد المعركة، تابع السلطان «أحمد المنصور» نفس السياسة في مهادنة الأسبان ضد الأندلسيين والعثمانيين، واستعمال المهاجرين الأندلسيين في حروبه الداخلية، وفي غزو مملكة السونغاي المسلمة بتنبكتو.

     ومنذ سنة 1570م، أخذ مسلمو «أراغون» القديمة (سرقسطة) يرسلون سفراءهم إلى «بيارن» بفرنسا، لربط تحالف مع الهوكونو ضد «أسبانيا». وفي سنة 1571م توصلت الدولة الأسبانية بأخبار مفادها قرب وقوع هجوم على السواحل البلنسية من الجزائر، مقترن بغزو لأراغون القديمة من طرف حكم بيارن. وساند هوكونو فرنسا مسلمي أراغون القديمة في حربهم الأهلية ضد النصارى الجبليين بين عامي 1585م و 1588م. وفي سنتي 1592م و1593م، انتشر الرغب في «أسبانيا» عندما لجأ أحد زعماء المسلمين الأراغونيين إلى «فرنسا»، وحصل على وعد أمير «بيارن»، بالمساندة في حالة ثورتهم. وفي سنة 1605م، اكتشف ديوان التفتيش تخطيطاً لثورة المسلمين في مملكتي بلنسية وأراغون القديمة، يتزامن مع إنزال فرنسي في شواطئ بلنسية. ولكن لم يفعل الفرنسيون شيئًا لصالح المورسكيين، إذ يبدو أنهم أرادوا استعمالهم فقط لتخويف الأسبان، وخلق مشاكل لهم عند الضرورة للحصول على مكاسب منهم بأرخص الأثمان.

     ولم يدخل القرن السابع عشر الميلادي حتى وصلت الكنيسة والدولة في «أسبانيا» إلى يأس تام من تنصير المسلمين، قبل أن ييأس الأندلسيون من تخليص أنفسهم من الاستعباد النصراني، فانهزمت الكنيسة أمام ثباتهم على الإسلام، وارتعبت الدولة منهم على ضعفهم، وقلة حيلتهم، وهوانهم على الناس، كلما اكتشفت أو تخيلت مؤامرة ضدها من طرفهم. وعندما وصل اليأس بالدولة والكنيسة إلى هذه الدرجة، أخذوا يفكرون في حل جذري لوجودهم. وانقسمت الاقتراحات إلى ثلاثة حلول: جمع جميع المورسكيين في أحياء خاصة بهم؛ أو إفنائهم؛ أو طردهم خارج «أسبانيا».

     وساند الحل الثالث أكثر رجال الدولة والكنيسة. وابتدأت فكرته تتبلور منذ اجتماعات الأشبونة الكهنوتية التي حضرها الملك فليبي الثاني، بعد عزيمة النصارى في وادي المخازن على يد المغرب. وفي 4/12/1581م، كون الملك لجنةً لدراسة وضع الدولة الداخلي والخارجي الناتج عن «الخطر المورسكي»، توصلت إلى توصية الملك بطرد جميع المورسكيين خارج «أسبانيا». وتدارس مجلس الدولة محاسن ومساوئ الاقتراح، فرأى أعضاؤه أن معظم مساوئه اقتصادية بسبب انخفاض دخل الملك والنبلاء في حال طردهم، وسياسية بسبب احتمال حدوث اضطرابات عند إخراجهم، ودينية بسبب خسارة «أرواح المورسكيين نهائيًا للدين النصراني». ورأى أعضاء المجلس أن كل هذه المساوئ لاتساوي المحاسن التي تترتب عن الطرد، وهي أن يعم السلام والوحدة الدينية البلاد؛ لذا وافقوا جميعاً على مقترح الطرد. فأصدر الملك في 18/1/1585م أمرًا بطرد جميع المورسكيين في ظرف شهرين، والحكم بإعدام كل متخلف، واستثنى الأمر الأطفال من الطرد وقرر تسليمهم للكنيسة لتنشئتهم على الدين النصراني.

     ورغم القرار، تردد الملك في تنفيذه، وترك الوضع معلقًا. فعادت الكنسية إلى أمل تنصير المورسكيين.. وفي 17/9/1587م، أصدر مجلس الدولة توصيةً بإجراء حملة تنصير جديدة بينهم. ودام الوضع على هذا الحال إلى أن مات «فليبي الثاني» سنة 1598م، وخلفه ابنه «فليبي الثالث» الذي كان عكس والده، منعدم الشخصية، ضعيف الإرادة.

     وفي 30/1/1599م، عقد مجلس الدولة اجتماعًا آخر في موضوع المورسكيين، وقرر طرد الرجال الذين تفوق أعمارهم 60 سنةً والنساء، وإرسال الباقين للأشغال الشاقة فوق السفن مدى الحياة، وإعطاء الأطفال دون 15 سنة للكنيسة، ومصادرة جميع أموالهم. ثم اقترح وزير الملك إعدام الرجال بين 15 و 60 سنة عوضًا عن طردهم وتقوية جيوش العداء بهم. ولكن لم يطبق شيء من هذا القرار.

     وفي 3/1/1602م، بعد فشل هجوم «أسبانيا» على الجزائر، اقترح مجلس الدولة طرد جميع المورسكيين، ابتداءً من مملكتي بلنسية، وأراغون القديمة، ووافق بعض أعضائه على نقلهم إلى شمالي إفريقيا شريطة الاحتفاظ بأطفالهم. ولكن ترددت الكنيسة في الموافقة على القرار، إذ رأت أن «من الفظاعة طرد رجال ونساء نصروا إلى بلاد المسلمين، وإجبارهم بذلك على الدخول في الإسلام». وأوصى «البابا» في رسالة في 5/1606م بالتركيز على تنصيرهم تنصيرًا جيدًا. ولم تأخذ الأوضاع مجرى جديدًا إلا بدخول سنة 1608م.



(1)        محمد عبده حتاملة، «التهجير القسري لمسلمي الأندلس في عهد الملك فليب»، عمان الأردن، عام 1982م.

(1)         B. Vincent "combien de Morisques Ont-ils Ete Expulses du Royaume de Grenade?" Melanges la Casa Velazquez, Vol. vii, 1971.

(1)         Raphael Carrasco "peril Ottoman et Solidarite Morisque" Revue d’Historie Maghrebine, No. 25-26, Juin 1982.