مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، ربيع الأول 1432 هـ = فبراير 2011 م ، العدد : 3 ، السنة : 35

الأدب الإسلامي

أحلام ولا أحلام

(5/5)

 

بقلم : أديب العربية معالي الشيخ الدكتور عبد العزيز عبد اللّه الخويطر

الرياض ، المملكة العربية السعودية

 

     ومن المتوقع أن يغضب الناس لقتل رجل له مكانة في المجتمع، ومنزلة في القلوب، خاصةً بالنسبة لعلوي في أثناء خلافة الدولة العباسية، ومركزه نقيب العلويين، وبسبب رفضه القول بأن القرآن مخلوق؛ والعطف عليه لايستنكر، ومحاولة الدفاع عن موقفه يشعر كثيرون أنها من واجبهم، ويجدون في شخصه وسيلةً للوم من قتله، بطرق مؤثرة، والحلم وسيلة مثالية لإبداء الرأي الأخروي تجاه التصرفات التي تثير الناس؛ وما يقال عن طريق الحلم لا يجد من عنوا بالعتب عليهم، أو لمزهم، أن هناك مدخلاً لهم عليهم، وأحد الأسباب أن أضغاث الأحلام حجة معدة، إلا ما رئي فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، مما تكون الحجة فيه أنه ليس لهم يد فيها، وأمر قتل الواثق، بيده، «أحمد بن نصر الخزاعي» أحد نقباء بني العباس؛ لأنه رفض أن يقول: القرآن مخلوق، وأن الله يُرى يوم القيامة ورد فيه عدة رؤى منها:

     «قال إبراهيم بن إسماعيل بن خلف:

     رأيته في المنام، وعليه السندس، والإستبرق، وعليه تاج فقلت:

     ما فعل الله بك، يا أخي؟

     قال: غفر لي، وأدخلني الجنة، إلا أني كنت مغموماً ثلاثة أيام.

     قلت: ولَم؟

     قال: رأَيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بي، فلما بلغ خشبتي حوَّل وجهه عنِّي، فقلت له بعد ذلك:

     يا رسول الله، قتلتُ على الحق، أو على الباطل؟

     قال: أنت على الحق، ولكن قتلك رجل من أهل بيتي، فإذا بلغت إليك أستحي منك»(1).

     والرؤيا الثانية كما يلي:

     «قال إبراهيم بن الحسن:

     رأى بعض أصحابنا «أحمد بن نصر بن مالك» في النوم، بعدما قُتِلَ، فقال:

     ما فعل بك ربك؟

     فقال: ما كانت إلا عفوة، حتى لقيت الله، فضحك إليَّ»(2).

     والرؤيا الثالثة كما يلي:

     «قال محمد بن عبيد:

     رأيت «أحمد بن نصر» في منامي، فقلت:

     يا أبا عبد الله، ما صنع بك ربك؟

     فقال: غضبت له، فأباحني النظر إلى وجهه»(3).

     بقي كلمة لابد أن تقال عن السبب في قتله، خلافًا لما قيل عن قوله بعدم خلق القرآن. يقال: إن «أحمد بن نصر» كان ينوي القيام على الواثق. فإذا صح هذا فقد يجد الواثق من يعذره في تصرفه مع «أحمد بن نصر»؛ لأن الأمر سياسي، والنظرة إلى محاربة المبايع تختلف عن النظرة إلى الجدل الديني، وإن كان بينهما ارتباط كبير في ذلك الزمن؛ لأن بعض التفرد بمذهب، قد يكون وسيلةً لجمع أنصار يقلقون الخليفة.

     ونعرض رؤيا طريفةً تتصل بالموت؛ ولكنها تأتي من زاوية غير الزوايا التي مرت بنا، والنص خير إيضاح لها، وهو هكذا:

     «كان أبو الحسن علي بن أحمد يقول:

     إذا مت، فلا تدفنوني إلا بعد ثلاث؛ فإني أخاف أن يكون فيَّ سكتة.

     قال: وكان حثيثًا، صاحب بلغم، وكان يصوم رحبًا في كل سنة؛ فلما كان قبل رجب بالمحرم في السنة التي توفي فيها قال لنا:

     كنت قد وصيتكم بأمر، وقد رجعت عنه؛ إذا أنا مت فادفنوني في الحال، فإني قد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، وهو يقول:

     يا علي صم رجبًا عندنا.

     قال: فمات ليلة رجب رحمه الله - »(4).

     ورؤيا أخرى يرى فيها أحدهم النبي صلى الله عليه وسلم فيصحح له الرسول صلى الله عليه وسلم خطأ وقع فيه في اليقظة، وفكر به داخل نفسه، ولم يبح به لأحد، ولم يزد أن يكون تعجبًا من مظهر ظن أن فيه تناقضًا، والرؤيا هكذا:

     «قال السوسنجردي:

     خرجت ليلةً من الليالي إلى «الكرخ»، أبصر المساجد في شهر رمضان، فرأيت الشيخ «أبا أحمد بن أبي مسلم» الفرضي، يصلي في مسجده، خلفه ثلاثة كذا أنفس، وعنده قنديلين كذا من زجاج، ففكرت في نفسي، وقلت:

     هذا الرجل مع جلالته، محله، ليس عنده أكثر من ثلاثة كذا أنفس؛ وانصرفت، وأنا أفكر في ذلك. فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي:

     يا أبا الحسن، قلت في نفسك إن أبا أحمد يصلي خلفه ثلاثة كذا أنفس، وعنده قنديلين؟ كذا، فقلت:

     نعم، يا رسول الله.

     فقال: أما إنه ليصلي خلفه سبعون صفًّا من الملائكة، وعقد بيده»(5).

     وهناك حلم طريف، يكاد يكون مسرحيةً كاملةً، ذات فصول متعددة، فيها عظة بالغة، ولفتة ذكية، وإن «عبيد الله بن عمر» القواريري، رائي الرؤيا ليُهنأ على هذه الذاكرة الصافية، التي استطاعت أن تحفظ دقائق الرؤيا، فلم تدعها اليقظة تبهت، أو تنقص من أجزائها شيئًا، هذا إذا صح أن عبد الله رأى ذلك من أجزائها شيئًا، هذا إذا صح أن عبد الله رأى ذلك في الحلم، ولم يكن موعظةً فكر فيها في اليقظة، فألبسها ثياب الحلم، لتدرج على مدرج سمح، ولتقبل لشرف صورتها، ونبل مقصدها، وشريف حلتها.

     والقصة تجري تفاصيلها كالآتي:

     «قال القواريري:

     لم تكن تكاد تفوتني صلاة العتمة(6) في جماعة، فنزل بي ضيف، فشغلت به، فخرجت أطلب الصلاة في قبائل البصرة، فإذا الناس قد صلوا، فقلت في نفسي:

     روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

     «صلاة الجميع تفضل على صلاة الفذ إحدى وعشرين درجةً، وروي: خمسًا وعشرين درجةً، وروي: سبعًا وعشرين».

     فانقلبت إلى منزلي، فصليت العتمة سبعًا وعشرين مرةً، ثم رقدت، فرأيتني مع قوم راكبي أفراس، وأنا راكب فرسًا كأفراسهم، ونحن نتجارى، وأفراسهم تسبق فرسي؛ فجعلت أضربه لألحقهم، فالتفت إليَّ آخرهم، فقال:

     لاتجهد فرسك، فلست بلاحقنا.

     قال: فقلت: ولم ذاك؟

     قال: لأنا صلينا العتمة في جماعة»(7).

     وهنا رؤياً عن القواريري هذا، رآها رجل رآه في المنام، ودار بينه وبينه الحوار المعتاد عن مصيره بعد مماته، ولا تخلو من فكرة جديدة أضيفت على العبارات المعتادة، ولعل هذه الإضافة هي التي جعلت للحلم مدلولاً عند أهلها.

     والقصة كما يلي:

     «قال حفص بن عمر الربالي:

     رأيت «عبيد الله بن عمر» القواريري في المنام، فقلت: ما صنع الله بك؟

     قال: فقال: غفر لي، وعاتبني، وقال: يا عبيد الله، أخذت من هؤلاء القوم؟

     وقال: قلت: يا رب، أنت أحوجتني إليهم، ولو لم تحوجني لم آخذ.

     فقال لي: إذا قدموا علينا كافأناهم عنك؟

     ثم قال لي: أما ترضى أن أكتبك في أم الكتاب سعيدًا؟!»(8).

     ومعروف الكرخي شخص معروف بزهده، وتزخر الكتب بأخباره، ومواقفه مع الناس، وله نصيب من الأحلام، وأمامنا اثنان منها، أحدها يسير هكذا:

     «قال أبو العباس أحمد بن يعقوب:

     رئي معروف في النوم، فقيل له:

     ما صنع بك ربك؟

     قال: أباحني الجنة، غير أن في نفسي حسرة، أني خرجت من الدنيا، ولم أتزوج أو قال: وددت أني كنت يعني تزوجت»(9).

     وقد يكون الحلم حلم موعظة، وأن من سلك مسلك معروف في العزوف عن الزواج، ولم يتبع هدي الدين الإسلامي فيه، سوف يندم، ولات حين مندم.

     والقصة الثانية تروى هكذا:

     «قال محمد بن موسى:

     رئي معروف الكرخي في المنام، فقيل له:

     ما صنع الله بك؟

     فقال:

     موت التقيّ حياة لا انقطاع لها

                قد مات قوم وهم في الناس أحياء»(10).

     وهكذا فإن معروفًا لم يحرم من الحلم ذي الصيغة المعتادة، التي رأيناها تتكرر مع العلماء الأفاضل، والمنقطعين للعبادة؛ ولم تخل من الرد المتميز، وقد جاء في هذه القصة شعرًا، وهذا لائق بمعروف.

     وهناك قصة حلم طويلة، وهي عن أناس لهم مكانتهم، ولهم مقامهم العلمي، وتفصيلها ورد في ترجمة «محمد بن جرير الطبري» هكذا:

     «قال أبو العباس البكري، من ولد «أبي بكر الصديق»:

     جمعت الرحلة بين محمد بن جرير، ومحمد بن إسحاق ابن خزيمة، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن هارون الروياني، بمصر، فأرملوا، ولم يبق عندهم ما يقوتهم، وأضرَّ بهم الجوع.

     فاجتمعوا ليلةً في منزل كانوا يأوون إليه، فاتفق رأيهم على أن يستَهِمُوا، ويضربوا القرعة، فمن خرجت عليه القرعة سأل لأصحابه الطعام، فخرجت القرعة على «محمد بن إسحاق بن خزيمة»، فقال لأصحابه:

     أمهلوني حتى أتوضأ، وأصلي صلاة الخيرة.

     قال: فاندفع في الصلاة، فإذا هم بالشموع، وخصي من قبل والي مصر يدق الباب، ففتحوا الباب، فنزل من دابته، فقال:

     أيكم محمد بن نصر؟

     فقيل: هو هذا.

     فأخرج صرةً فيها خمسون دينارًا، فدفعها إليه.

     ثم قال: أيكم محمد بن جرير؟

     فقالوا: هو ذا.

     فأخرج صرةً فيها خمسون دينارًا، فدفعها إليه.

     ثم قال: أيكم محمد بن هارون؟

     فقالوا هذا.

     فأخرج صرةً فيها خمسون دينارًا، فدفعها إليه.

     ثم قال: أيكم محمد بن إسحاق بن خزيمة؟

     فقالوا: هو ذا يصلي.

     فلما فرغ دفع إليه الصرة، وفيها خمسون دينارًا.

     ثم قال: إن الأمير كان قائلاً بالأمس، فرأى في المنام خيالاً، قال: إن المحامد طووا كشحهم جياعًا، فأنْفَذَ إليكم هذه الصرار، وأقسم عليكم إذا نفدت فابعثوا إليَّ أمدّكم»(11).

     و«رابعة العدوية» وانقطاعها للعبادة معروف، ويروي عنها كثير من الأخبار في ذلك، ولها نصيب من الأحلام كذلك، نذكر منها النص التالي:

     «حدث مسمع بن عاصم قال:

     قالت رابعة العدوية:

     اعتللت علة قطعتني عن التهجد، وقيام الليل، فمكثت أيامًا أقرأ جزئي إذا ارتفع النهار، لما يذكر أنه يعد بقيام الليل. ثم رزقني الله العافية، فكنت قد سكنت إلى قراءة جزئي بالنهار، وانقطع عني قيام الليل.

     فبينا أنا ذات ليلة راقدة إذ رأيت في منامي كأني قد دفعت إلى روضة خضراء، ذات قصور، وبيت حسن، فبينا أنا أجول فيها، أتعجب من حسنها، إذا أنا بطائر أخضر، وجارية تطارده، كأنها تريد أخذه، فشغلني حسنها عن حسنه، فقلت لها:

     دعيه، ما تريدين منه؟ فوالله ما رأيت طائرًا قط هو أحسن منه.

     فقالت: فهلا أريك شيئًا هو أحسن منه؟

     قلت: بلى.

     فأخذت بيدي، فأدارتني في تلك الرياض، حتى انتهيت إلى باب قصر، فاستفتحت، ففتح لها باب مخرق إلى بستان.

     قال: فدخلت، ثم قالت:

     افتحوا لي باب المقه.

     ففتح لنا بابٌ شع منه شعاع استنار من ضوء نوره ما بين يدي، وما خلفي، فدخلت ثم قالت:

     ادخلي، فدخلت. فتلقانا فيه وصفاء بأيديهم المجامر، فقالت لهم: أين تريدون؟

     قالوا: نريد فلانًا، قتل في البحر شهيدًا، نجمِّره.

     فقالت لهم: أفلا تجمِّرون هذه المرأة؟

     فقالوا: قد كان لها في هذا حظ، فتركته.

     فأرسلت يدها من يدي، ثم أقبلت عليَّ بوجهها، وقالت:

     صلاتك نور والعباد رُقـود

                      ونومك ضدٌّ للصلاة عميـد

     وعمرك غنم إن عقلت ومهلة

                      يسـير ويفنى دائم ويبيـد

     ثم غابت عني، واستيقظت بنداء الفجر.

     فقالت رابعة: فوالله ما ذكرتها، فتوهمتها، إلا طار عقلي، وطار نومي»(12).

     في هذا الحلم حث على قراءة الجزء في الليل، وقد تكون «رابعة» رأت هذا الحلم فعلاً، وقصته كما ورد، وقد يكون قيل على لسانها احتسابًا، وطلبًا للأجر.

     أما ما يرد عن الصوفية في اليقظة والمنام، فخارق للعادة، وموجب للشك، وأحيانًا للرفض؛ لأنه يخرج عن نطاق العقل، خاصةً عندما يعطى شخص أكثر مما أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم  في الدنيا، مثل التنبؤ بما يحدث مستقبلاً، وتسخير الحيوانات بطرق مستحيلة، ولكنها أمور تُلبَّس على بعض العباد؛ لإضفاء الأهمية عليهم، وإعطائهم في مجتمهم أكثر مما لهم، وبعض هذه الحكايات تقال عنهم، أو على لسانهم، بعد وفاتهم، حتى لا يكذبوها لورعهم وزهدهم، وكثير من هذه الأمور راجت حتى وصلت إلينا، ومن ذلك القصة الآتية، وقد نقلها الخطيب البغدادي في ترجمة «محمد بن إسماعيل» خير النساج، ولغرابتها وأمثالها قال عنها:

     «وللصوفية عن «خير» حكايات عجيبة جدًّا، نحن نذكر بعضها مع البراءة من عهدتها»(13).

     والقصة الغريبة، غير المعقولة كما يلي:

     «قال أبو الخير الديلمي:

     كنت جالسًا عند خير النساج، فأتته امرأة، وقالت: أعطني المنديل الذي دفعته إليك.

     قال: نعم، فدفعه إليها.

     فقالت: كم الأجرة؟

     قال: درهمان.

     قالت: ما معي الساعة شيء، وأنا قد ترددت إليك مرارًا، فلم أرك، وأنا آتيك به غدًا إن شاء الله.

     فقال لها خير: إن أتيتني به، ولم تريني فارم به في الدجلة، فإني إذا رجعت أخذته.

     فقالت المرأة: كيف تأخذ من الدجلة؟

     فقال خير: هذا التفتيش فضول منك، افعلي ما أمرتك.

     قالت: إن شاء الله.

     فمرت المرأة.

     قال أبو الخير:

     فجئت من الغد وكان «خير» غائبًا، فإذا بالمرأة جاءت، ومعها خرقة فيها درهمان، فلم تر «خيرًا»، فقعدت ساعةً، ثم قامت، ورمت بالخرقة في دجلة، فإذا بسرطان تعلقت بالخرقة، وغاصت.

     وبعد ساعة جاء «خير»، وفتح باب حانوته، وجلس على الشط يتوضأ، فإذا بسرطان خرجت من الماء تسعى نحوه، والخرقة على ظهرها، فلما قربت من الشيخ أخذها.

     فقلت له: رأيت كذا وكذا.

     فقال: ألا تبوح به في حياتي.

     فأجبته إلى ذلك»(14).

     قبل أن أقص حلمًا عنه، أود أن أناقش القصة الماضية، وقبل ذلك أود أن أقول أنه ليس من المؤكد أن لـ«خيرٍ» هذا علم بما قيل عنه، فقد يكون قيل عنه بعد وفاته، وركب عليه ليؤدي غرضًا مؤملاً فيه، وهو رفع شأن «خير»، وهذا سيكون وسيلةً لرفع شأن الصوفية في تلك الفترة.

     والقصة مشكوك فيها لطبيعتها، ومخالفتها للقوانين التي وضعها الله لكونه؛ ولأنه لا يعقل أن يكون أبو الخير الديلمي، راوي القصة، قاعدًا في حانوت «خير» في اليوم الأول لمجيء المرأة ثم في المرة الثانية، عندما جاءت لتوفيه حقه، ثم عندما ذهبت إلى دجلة، ورمت الصرة فيه، ورأى السرطان التي تعلقت بالخرقة وغاصت، ثم بعودة «خير» إلى حانوته، ثم بذهابه إلى النهر ليتوضأ، ثم خروج السرطان لتعطيه النقود، أظن أنه لو كان مستأجرًا ليتابع الأمر لما استطاع إتقان المتابعة، بهذه الدقة، وبهذه الصورة من الترتيب، وبهذا الإصرار من حب الاطلاع.

     ثم تأتي مرحلة مهمة في درجات الشك، وهي أن خير يطلب عدم البوح بما رآه الديلمي، ولو كان «خير» لايريد أن تعرف كراماته لما طلب من المرأة أن تلقي النقود في نهر دجلة، فالوسائل الطبيعية لوصولها إليه كثيرة، أقربها أن تعطيها جاره، أو تضعها على عتبة حانوته، وكرامته تأتي في أن يضع عليها طلسمًا يعمي السارق عنها، ولا أحد يعلم حينئذ عن هذا الطلسم، ومفعوله الكرامي!

     لهذا يترجح أن يكون هذا الخبر مختلقًا، ولا أساس له من الصحة، ومثله مثل بعض الأحلام التي مرت بنا، ألفها مؤلفوها لتخدم غرضًا ما، بعد وفاة من قيلت عنه.

     ونختم برؤيا عن «خير» ينطبق عليها ما قلناه من أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وقد حجب عن نبيه صلى الله عليه وسلم، وليس هناك من هو أولى بالكرامات، التي تُري المغيب، من نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولو كان الله سبحانه متيحًا هذا لأحد لأتاحها له صلى الله عليه وسلم، ولهذا فالحلم الآتي يحيطه الشك ويتوغل فيه، ويبقى السبب في وضع ذلك الحلم مجهولاً.

     والحلم تجري حوادثه كالآتي:

     «قال أبو حسين المالكي:

     كنت أصحب «خير» النساج، سنين كثيرةً، ورأيت له من كرامات الله تعالى ما يكثر ذكره، غير أنه قال لي قبل وفاته بثمانية أيام:

     إني أموت يوم الخميس المغرب، فأدفن يوم الجمعة، قبل الصلاة، وستنسى، فلا تنساه.

     قال أبو الحسين: فأنسيته إلى يوم الجمعة، فلقيني من خبرني بموته، فخرجت لأحضر جنازته، فوجدت الناس راجعين، فسألتهم: لم رجعوا؟

     فذكروا أنه يدفن بعد الصلاة.

     فبادرت، ولم ألتفت إلى قولهم، فوجدت الجنازة قد أخرجت قبل الصلاة، أو كما قال. فسألت من حضره عن حاله عند خروج روحه. فقال:

     أنه لما حضر غشي عليه، ثم فتح عينيه، وأومأ إلى ناحية باب البيت وقال:

     قف، عافاك الله فإنما أنت عبد مأمور، وأنا عبد مأمور، وما أمرت به لا يفوتك، وما أمرتُ به يفوتني، فدعني أمضي لما أُمرتُ به، ثم امضِ لما أمرتَ به.

     فدعا بماء فتوضأ للصلاة، وصلى، ثم تمدد، وغمض عينيه، وتشهد.

     وأخبرني بعض أصحابنا أنه رآه في النوم فقال له:

     ما فعل الله بك؟

     فقال: لا تسألني أنت عن هذا، ولكن استرحنا من دنياكم الوضرة. وسبق أن جئنا بهذا الحلم شاهدًا على جانب من جوانب الأحلام (15).

     وبعد:

     هذه نماذج لبعض الأحلام، القوي منها والضعيف، ما قد يكون صادقًا قد وقع، أو مكذوبًا لم يسبق له أن حدث، وإنما هو من نسج الخيال، جيء به لهدف أخفي، فما بان لأحد، أو نمَّ عن نفسه، رغم محاولة إبهامه، أو جاء لهدف معلن صراحةً.

     ورأينا أن بعضها لتبجيل شخص، أو لمزه، ولمدح عِلْم، أو تقليل شأنه، وبعضها لرفع مقام فئة، أو تقديم مذهب، وبعضها لخفض فئة، أو تأخير مذهب، وبعضها لتبرير عمل، والمحاماة عنه.

     وفي رأينا أن من قيل أنه رأى الرؤيا لم يرها، وإنما علقت عليه لتروج، وتشيع بين الناس، وكذلك من كانت الرؤيا عنه، قد لا تكون ادعيت إلا بعد وفاته، فلاحق لأحد أن يلومه. وقد مرت بنا رواية علقت على الأصمعي مثلاً، والأصمعي كثيرًا ما تعلق عليه الأمور الغريبة.

     وهذه صور للأحلام رسمت في تراجم وردت في كتاب «تاريخ بغداد» وفي «ذيله» وفي «المستطاب على الذيل»، وهي مجلدات تسعة عشر، متتالية؛ ولو أراد شخص أن يتتبع الأحلام التي وردت في التراجم في كتب أخرى، لجاء من ذلك حصيلة عظيمة، ملأى بما يلفت النظر، ويكشف جوانب من حياة الناس في الأزمنة الماضية المختلفة، وما كانوا يعتقدونه، وما كانوا يأتون به؛ لأن الأحلام تكاد تكون صورةً لتفكير الناس في اليقظة، ولأعمالهم، يرصد منها المتتبع حركة التفكير لدى الرائين للرؤى، فيعرف مدى مراعاتهم لفكر القارئ، أو الاستهانة به، أو أنه لم يخطر على بال أحدهم، ولم يكن يهم واضع الحلم إلا أن تولد مولودته، قبلها الناس أو رفضوها!.

 

*  *  *

الهوامش:

(1)         تاريخ بغداد: ترجمة أحمد بن نصر الخزاعي، 5/179.

(2)         تاريخ بغداد: ترجمة أحمد بن نصر الخزاعي، 5/179.

(3)         تاريخ بغداد: ترجمة أحمد بن نصر الخزاعي، 5/180.

(4)         ذيل تاريخ بغداد: ترجمة علي بين أحمد بن محمويه اليزدي، 18/50.

(5)         ذيل تاريخ بغداد: ترجمة علي بن أحمد بن عبد الله السوسنجردي، 8/72.

(6)         صلاة العتمة أي صلاة العشاء الآخرة.

(7)         تاريخ بغداد: ترجمة عبيد الله بن عمر القواريري، 10/321.

(8)         تاريخ بغداد: ترجمة عبيد الله بن عمر القواريري، 10/223.

(9)         تاريخ بغداد: ترجمة معروف بن ميرزان الكرخي، 13/206.

(10)    تاريخ بغداد: ترجمة معروف الكرخي، 13/207.

(11)    تاريخ بغداد: ترجمة محمد بن جرير الطبري، 2/164.

(12)    تاريخ بغداد: ترجمة محمد بن إسماعيل الشكلي، 2/40.

(13)    تاريخ بغداد: ترجمة محمد بن إسماعيل خير النساج، 2/48.

(14)    تاريخ بغداد: ترجمة محمد بن إسماعيل خير النساج، 2/48.

(15)    تاريخ بغداد: ترجمة محمد بن إسماعيل النساج، 2/49.