مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، ربيع الأول 1432 هـ = فبراير 2011 م ، العدد : 3 ، السنة : 35

إشراقة

مواقف ايجابية وسلبية بعد أحداث سبتمبر 2001م

 

 

 

     شهدنا بعد أحداث سبتمبر 2001م الأمريكيّة مواقف إيجابيَّةً على الصعيدين الإسلامي والعربيّ أثلجت صدورنا نحن المسلمين والعرب في كل مكان، كان من بينها التوجُّه إلى إنشاء جامعات راقية لتعليم الهندسة والمهن العصريّة والثقافات المتنوعة التي نحتاج إليها في حياتنا المعاصرة؛ لنستغني عن غيرنا من الغرب والشرق؛ ومنها ظاهرة الثقة بالذات التي شهدناها في كثير من شبابنا وعدد من قادتنا؛ ومنها الاتّجاه إلى تبنّى وسائل الاكتفاء الذاتي في مجالات الحياة المتنوعة، حتى ننتهي عن حالة الاستجداء المزرية لدى الغير، التي تعوّدناها منذ وقت غير قصير والتي أذلّتنا وسَخَّرتنا، وأذهبت ريحنا، وأفقدتنا كلَّ قيمة.

     وهذه المواقف كانت جديرة بالإشادة والتسجيل؛ لكن المواقف السلبيّة التي كثرت واطرّدت بجانب ذلك، سلبتِ المواقفَ الإيجابيَّةَ أهميَّتَها وجَعَلَتْها جسدًا بلاروح. كان منها انهيار عدد من القادة لدى أمريكا واطِّراحُهم على عتبتها، وانبهار كثير من بلادنا بالثقافة الغربيّة وتقبُّلها لمظاهر الحضارة الغربيّة، وتنفيذُها لها في مجتمعاتها في اعتزاز وتشرّف وشعور زائد بالكرامة. كان من مظاهر ذلك إقامة جامعات ذات التعليم المختلط، جرى فيها السماح للجنسين بكل الحريّة والتلاقي دونما قيد وسُمِحَ للبنات بالسفور والتصرف في الميحط الجامعي بما تهواه أنفسهن، بحجة إيجاد فرص التعليم الحرة، حتى يتكوّن «مناخ ملائم» للجدّ والاجتهاد، والمراجعة والمذاكرة، ولايشعر الطُلاَّب والطالبات بأيّ حاجز نفسيّ وثقل ذهنيّ يحول دون الاجتهاد المطلوب في الدراسة، وبحجة أن تكون هذه الجامعات على مستوى الجامعات الغربيّة في الرقي والتطور، والحريّة الدراسيّة، والتنوّر الكفريّ، والارتفاع عن عقدة الرجعيّة والتخلّف، التي يُؤَدِّي إليها الحجابُ والتقيد بالمظهر الإسلاميّ الشرعيّ بشكل حتميّ!!.

     ومنها الإكثار من السماح بظهور الفتيات الحسناوات عاريات في وسائل الإعلام وبنشر صور الممثلات السافرات في الصحف والمجلات و تصرفاتهن المثيرة المغرية المُدَغْدِغَة للغرائز الجنسيّة، وكذلك صور عارضات الآزياء ونماذج غريبة على العرب والمسلمين من الأزياء التي تُصَمِّمها مصانع صهيونيّة صليبية للأزياء وتتعمد تصديرَها إلى البلاد العربيّة لتجرّ بناتنا إلى العري والعار، والسفور والفجور.

 

وكانت بعضُ هذه البلاد العربية معروفةً بتقيدها بمظاهر الإسلام، وادّعائها بأنّها في منهاجها للحكم إنما تصدر عن الكتاب والسنّة وتعاليم الإسلام؛ ولكنها بعد أحداث سبتمبر 2001م، تَدَرَّجت على أرض الواقع إلى التخلّي عن كثير من التزاماتها التي بسببها كانت توصف بأنّها «رجعيّة» «قَدَامِيَّة». ولا ندري ما إذا كانت في ذلك مضغوطة من قبل سادتها الأمريكان والغرب الذين ظلّت دائمًا رهنَ إشارتهم أو كانت قد فكّرت أنّها بذلك تنجو من ممارستها أمريكا   للضغوط عليها لتغيير نظامها في الحكم والإدارة؛ لأنها بذلك ستظلّ موضع ثقتها؛ حيث تعود تظنّ أمريكا   أنها لم تعد «رجعيّة» وإنما عادت تمسك بأسباب التقدم والتنوّر، وعادت تتخلّى عن كثير مما ظلّ يُخَلِّفها عن ركب التقدم والازدهار والتنور، وهو التقيّد بالإسلام التقليدي المتزمت المتصلّب الذي لايسمع باختلاط البنين والبنات والرجال والنساء، على حين إن ذلك هو أوّل أسباب التقدم والتنوّر بل هو الخطوة الأساسيّة الأولى نحو تقدم أمّة ما تعزم على النهوض والتخلّص من الرجعيّة والتخلّف!!.

     الأحداث الأمريكيّة المشار إليها شَكَّلَتْ في الواقع نقطةَ تَحوّلٍ لدى كثير من البلاد الإسلاميّة والعربيّة، وأحدثت انقلابًا كبيرًا فيما يتعلّق بكثير من المظهر والمخبر لديها. وذلك من الأهداف التي وَضَعَها مُنَفِّذُو الأحداث من اليهود الصهيونيين والصليبيين المتصهينين نُصْبَ أعينهم؛ لأنّ أهدافَهم كانت شاملةً كثيرة الجهات، انصبّت كلُّها في قناة الإضرار العاجل بما يهم الإسلام والمسلمين على طول الخطّ وعرضه وَضَعُوا لها لأهدافهم عنوانًا مركزيًّا، وهو «الحرب على الإرهاب» أي على الإرهاب الذي لايكون عندهم إلاّ إسلاميًّا، وقد أعلنوا أن حربهم هذه هي حرب صليبيّة. وذلك على لسان ممثلهم القوى الرئيس الأمريكي السابق «بش الابن». وقد أعلنوا على لسانه أيضًا أن حربهم هذه ستكون شاملة وبعيدة المدى وطويلة الأجل تُوَظَّف فيها الوسائل والمُعَدَّات التقليدية وغير التقليديّة، أي إن الحرب لاتُخَاض على مستوى الأسلحة المعلومة المعهودة وإنما تُخَاض على مستوى الثقافة والتعليم والغسيل الدماغي والتطهير الفكري وتجفيف منابع الدين لدى المسلمين، ولا تُخَاض بالقوات الأمريكية وحدها بل بقوات متعددة الجنسيات، وأيضًا قد يُجْعَل المسلمون يحاربون أنفسهم بأيديهم وبأسلحتهم، كما حدث ويحدث في باكستان.

     وقد لَقَّنت أمريكا المُدَارَة اليوم بالصهيونيّة العالميّة البلادَ العربيّةَ والإسلاميّةَ أن «الإسلام القديم» الملتزم المتصلب هو رأس كلّ داء لها وللمسلمين في كلّ العالم، فلا ملجأ ولا منجى لها ولهم إلاّ إلى «الإسلام المعتدل» المتماشي مع كل الديانات والاتجاهات وجميع المعتقدات والتيّارات، وهو الإسلام الذي لا يُرَكِّز كثيرًا على العبادات والالتزام بالتعاليم والأحكام الإسلامية، فهو يسمح بالصلاة وبتركها وبالصوم وبالزهد فيه، والمؤمنُ العامل به مُحَبَّب إلى أبناء كلِّ الديانات؛ لأنّه يسالم الجميعَ ويحبّ أبناءَ البشر كلَّهم على اختلاف الديانات والعقائد.

     فهمست في أذنيها وأَقْنَعَتْها بتحجيم حصص الدراسات الإسلاميّة والتعليم الديني، تمهيدًا للطريق إلى تخريج «المعتدلين» وربّما أقنعت القادة في بعض البلاد العربية بإلغاء الكتاتيب الدينيّة في المساجد، وربما بفرض الحظر على بناء المساجد إلاّ بعد سماح من الحكومة وبشروط تعجيزيّة؛ لأنّها من مصادر تفريخ «الإرهابيين» أي المسلمين المتقيدين بالعبادة والذكر والتلاوة .

     ولم يكن غريبًا أن رَكَّزت أمريكا بقيادة الصهيونيّة العالميّة والصليبية المتصهينة على فرض الحظر على الجمعيّات الخيرية في العالمين الإسلامي والعربي، وقد نجحت فعلاً في ذلك، حتى اختفت عدد من الجمعيات الخيرية الإسلاميّة ذات الدور الملموس في تقديم الإسعاف والمساعدة للمتضررين من الكوارث والزلازل والاضطهادات الطّائفية، وفي تمويل مشاريع بناء المساجد والمدارس والمستشفيات، وحلَّت محلَّها كثيرٌ من الجمعيّات الخيرية المسيحيّة ذات الروح الصليبية التي عملت جديًّا وعن تخطيط مدروس على التبشير بالمسيحية في كل من أفغانستان والعراق والدول الإسلاميّة الفقيرة، وعلى تمهيد الأرضيّة للصهيونية العالميّة في تلك البلاد.

     ولم يكن غريبًا أن نشرت وسائل الإعلام أنباءً متواترة مُؤَكَّدَةً بقتل مئات من العلماء(Scientists) العراقيين إثر الاحتلال الأمريكي للعراق، حتى لاينهض العراق علميًّا وهندسيًّا حتى بعد التخلص من الاحتلال الأمريكي إذا حصل في الواقع بإذن الله الذي هو على ما يشاء لقدير، ويعود مفلسًا للأمد البعيد في مجال العلم والهندسة والثقافة إلى جانب إفلاسه في القدرات العسكريّة والاقتصاديّة.

     ولم يكن غريبًا أن اعتقلت أمريكا المقودة بالصهيونية العالميّة مئات من الشباب العراقي البريء، وزجّت به في سجون مُزَوَّدة بأدواتالتعذيب الوحشيّ الذي لم تعرفه البشريّة من ذي قبل. كما اعتقلت مئات من الشباب الآخر من كل من باكستان وافغانستان ومن شتى أمكنة العالمين الإسلامي والعربي، وزجت به في سجن «غوانتاناموبي» المعروفة على المستوى العالمي بالتعذيب الشامل المُعَقَّد الفاضح الذي إنما عَرَّفَته أمريكا لأول مرة في دنيا البشر، والذي لطّخ جبين أمريكا بالعار الذي سيظلّ يلاحقها مادامت الدنيا قائمة. إنّ التعذيب الوحشيّ الذي نالت به أمريكا الشبابَ المسلم أكّدت أساليبُه أنها صدرت فيه عن الروح الصليبيّة المنتنة التي زادتها عفونةً الصهيونيّة التي آمنت هي بها. إن المسلمين في العالم لن ينسوا هذا التعذيب الجسماني النفسي الغريب الذي بعضُ تفاصيله جعلت المطلعين من كل دين وعقيدة تقشعر جلودهم. إنّ روح الثأر والانتصار تجاه هذا التعذيب ستظلّ تتأجج بين أضلاع كل مسلم غيور، وستظلّ تثير في أعماق قلوبهم كامن المقاومة مهما حاولت أمريكا الصليبية المتصهينة التخفيفَ من غلوائها وعملت على إطفائها.

     إنّ أمريكا صنعت ما صنعت مع المسلمين الشبّان صادرة عن روحها الصليبية التي أذكتها الصهيونية العالميَّة لكي تجعلهم يخلعون «رِبقة الإسلام» عن أعناقهم كما ظنّت، ولكي يكفروا بالله ورسوله اللذين في طريقهما عُذِّبوا هذا التعذيبَ ونُكِّلَ بهم هذا التنكيلَ؛ ولكن ذلك زادهم إيمانًا وهدى ورسوخًا في حبّ الله ورسوله، وتضحيةً في سبيل العقيدة والدين. ولم يُسْمَع لحد الآن أنّ أيًّا من هؤلاء الشبان والفتية المؤمنين قد ضعف إيمانُهم أو أبدوا ما يدلّ على أنهم عادوا يبغضون الإسلامَ الذي في سبيله ذاقوا الويلات.

     القوات الأمريكية المُوَكَّلة بتعذيب هؤلاء الفتية المؤمنين في «غوانتانامو» وفي العراق وفي أفغانستان وفي كثير من البلدان، صنعت معهم ما أبكاهم دماءً لادموعًا، فبالتْ أمامهم على أوراق المصحف الشريف، وَمزَّقتها، وألقتها في دورات المياه، وتناولت الذات الإلهيّة بأشنع الشتائم، وأساءت إساءةً بالغة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأرغمتهم على التصرفات المنكرة العجيبة التي لايجوز لشريف التلفظُ بها؛ ووظّفت لإيذائهم أساليب ألهمتهم الشياطين التي يعبدونها، وما كان أبناء البشر يعرفونها من قبلهم؛ ولكن أيًّا من ذلك لم يفتّ في أعضادهم، ولم يزعزع إيمانهم، ولم يجعلهم أو أيًّا منهم يسيئون الظن بهذا الذين الذي من أجله عُذِّبوا هذا التعذيبَ. إن ذلك كان دليلاً آخر قويًّا على أن هذا الدين هو الحق، وأن هؤلاء الفتية مُحَالَفُون بالتوفيق الإلهي، مُؤَيَّدون بالسعادة الأبديّة، وأن موعدهم الجنة بعد الموت، وأن حظّهم السعادة والذكر الحسن في هذه الدنيا التي أيّامها معدودة.

     إنّ أمريكا والدول الغربية المتضامنة معها قامت بحركة عالمية للإساءة إلى سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم عبر الصحف والمجلات و وسائل الإعلام، وتنافس في ذلك أشقياءُ الغرب، ورصدت بعض البلاد الغربيّة جوائز غالية وأوسمة عالية لهؤلاء الأشقياء المسيئين إلى النبي الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بحجة العمل بحريّة الرأي والفكر؛ لكي تختبر مدى الغيرة لدى المسلمين تجاه نبيهم صلى الله عليه وسلم. وكأن ذلك كله كان جزءًا من الأسلحة غير التقليدية التي خاضت بها أمريكا الصليبية المتصهينة حربَها غير التقليديّة ضدّ الإرهاب أي الإسلام.

     إنّ أمريكا وهي تخوض بعد أحداث سبتمبر 2001م، حربًا غير تقليديّة ضدَّ الإرهابيين أي المسلمين الملتزمين ألهمت قائدتُها: الصهيونيةُ العالميّةُ المتطرفين الهندوس عندنا أيضاً أن يصنعوا قنابلَ متفجرة، وأن يقوموا بتفجيرها في المعابد الهندوسيّة وفي المساجد وأمكنة تجمعات شعبيّة وأن يُحَمِّلوا مسؤوليتَها الشبابَ المسلم، وأن يزجوا به في السجن وأن يحاكموهم محاكمات طويلة عريضة، وأن يقتلوهم في صدام وهميّ مع الشرطة، وأن يكسروا عظامهم في السجون عن طريق مشاطريهم في الفكر من الشرطة والقوات والمسؤولين الحكوميين. وفعلاً زُجّ في السجون بمئات من الشباب المسلم، وفُعِلَ بهم فيها الأفاعيل؛ ولكن الله عز وجل وهو تعالى أقوى من كل قويّ، وأَكْيَد من كل كائد شاء أن يكشف القناع عن الحقيقة ويفضح أمر هؤلاء الهندوس المتطرفين تلاميذ الصهاينة والصليبيين، وأصبح المتورطون في التفجيرات يعترفون بدورهم متطوعين أنهم صنعوا ذلك كلَّه، وأن المسلمين بريئون من ذلك، ورغم ذلك وسائل الإعلام التي تديرها عالميًّا الصهيونيةُ لا تغطّى هذا الواقعَ بشكل مطلوب، بل تظل واجمة في أغلب الأحايين؛ ولكن بعض الصحف والجرائد الهنديّة تغطّى هذه الأنباء وتنشرها على صفحاتها، مما يجعلها معلومة لدى الجميع، رغم كره المتطرفين من الهندوس الطائفيين.

     الصليبية الصهيونية الوثنية اليوم تخوض ضد الإسلام والمسلمين حربًا شاملة شعواء على جميع الجبهات، حتى تتوزع قواهم المسلمين   ومواهبهم، ولا يقدروا على المقاومة، ويرضوا بالاستسلام؛ ولكنها لن تنجح في محاولتها؛ لأنّ الله سيُحِق الحقَّ ويُبطِل الباطل، مهما زرع الباطلُ عوائق ومتاريس في طريق الحق؛ ولكن الصراع قد يطول بين الحق والباطل، وقد يُحْوِج الله لحكمة يعلمها ولا نعلمها أبناءَ الحق أن يذوقو ويلات من قبل أبناء الباطل، ليميز الصادق من الكاذب، ويعلي شأن الأوّل على الآخر.

أبو أسامة نور

*  *  *