مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، ربيع الثاني – جمادى الأولى 1432هـ = مارس - أبريل 2011م ، العدد : 4 - 5 ، السنة : 35

 

 

كلمة المحرر

 

 

الشعوب متعطشة إلى ما لا يوجد إلاّ لدى الإسلام

 

 

 

        طالما رفع الغرب شعار الديمقراطيّة، وصَرَخَ أنها تود وتتحمس لنشرها في العالم العربي هو الآخر، حتى ينعم الشعب بالنِّعَم التي ينعم بها الشعب الغربي، وفعلاً في عهد «بوش الابن» الرئيس الأمريكي السابق قدمت أمريكا مشروع نشر الديمقراطية في العالم العربي، ليحكم الشعبُ كما زعمت أمريكا بلادَه، ويتخلص من سلطة الحكام المستبدّين.

        هل كان الغرب صادقًا في رفعه هذا الشعار؟ لا، وكلاّ! لوكان صادقًا لما حالت أمريكا دون «حماس» ودون امتلاكها للسلطة بعد ما كانت قد فازت بالأغلبية الساحقة في انتخابات جرت نزيهة حرة عادلة شفافة برأي كل المراقبين في العالم، على حين إن ربيبة أمريكا الدولة الصهيونية إسرائيل كانت قد أصرّت على أن ديمقراطية الفلسطينيين هي الشيء الوحيد الذي يمكّنهم من أن يكونوا شركاء مع «الديمقراطية» في إسرائيل لصناعة السلام وبلورته على أرض الواقع.

        وفي الجانب الآخر رحبت أمريكا والغرب ومن ورائهما الصهيونيّة العالمية التي تدير العالمَ منذ وقت طويل بالديمقراطية التي حَوَّلها قادة عرب ومسلمون دكتاتورية، تفوق في سلوكها الاستبدادي وسيرتها العدوانية الإمبراطوريّةَ الأكثر جورًا وبطشًا بكل المقاييس؛ لأنّ هؤلاء القادة ظلّوا يعملون لصالح الغرب ويخدمون مصالح الصهاينة والصليبيين؛ فظلوا في مأمن حصين، وبحبوحة من العيش، وادّخار للثراء الفاحش المطغي، من خلال محاربة الإسلام، وتجفيف منابع الدين، وفرض الحظر على الحجاب والنقاب، والمنع من الأذان والصيام، والحيلولة دون التعليم الديني، وتحجيم حصص العلوم الشرعيّة أو إلغائها تمامًا، والبطش بأصحاب الهويّة الإسلامية باعتبارهم «إرهابيين» أو على الأقل «متطرفين» «متشددين» غير متماشين مع العصر وتنوّراته، والحاضر وتحضّراته، وفرض الحظر على الجمعيات الخيرية الإسلاميّة، والسماح للتنور ومقتضياته، من السفور، والعري، والرقص والغناء، والاختلاط الحرام بين الجنسين، والتعليم المختلط، وتبني مظاهر الحضارة الغربية والمنهج الغربي للحياة، والعمل بجميع مُعْطَيَاته الفاسدة المفسدة، المحولة للإنسان إلى بهائم في فقد الحياء والحشمة واختيار الوقاحة بمظاهرها غير القابلة للحصر؛ ومن خلال التشجيع للعلمانيّة والإلحاد، وانتقاد الدين ورموزه، حتى الإساءة إلى النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم ؛ ومن خلال نشر البطالة والأمية والأزمة الاقتصادية، والحيلولة دون فرص التعليم، و من خلال نشر الفساد والرشوة.

        تلك هي الحال التي استمرت في تونس منذ عهد الجبيب بورقيبة إلى عهد زين العابدين بن علي، واستمرت في مصر على مدى عهود كل من جمال عبد الناصر والسادات وحسني مبارك و في عدد من البلاد العربية المجاورة التي كانت فيها الديمقراطية حلوة عذبة هنيئة مرئية للغرب الصليبي الصهيوني؛ لأنها كانت طيعة لها، خادمة لمصالحها؛ ولكنها هي ذاتها كانت وستظلّ مرفوضة منه وممجوجة مكروهة إذا كانت ضدّ مصالحه الصهيونية الصليبية؛ فالديمقراطيةُ معناها الصحيح الدقيق لدى الغرب بالنسبة إلى الدول الإسلامية والعربية سلطة القادة الدكتاتورين المستبدين الذين يتحكمون في رقاب شعوبهم ويوجهونها إلى غير وجهة دينها وحضارتها وتقاليدها وثقافتها وتاريخها وموروثاتها بالكرباج والعصا والبنادق وكل الأسلحة الفتاكة والاعتقال والسجن والتعذيب، وبمحاربة دينها وعقيدتها ولغتها ومنهج حياتها. ويستثمرون ذلك لمصلحتين: مصلحة الغرب الصليبية الصهيونية، ومصلحتهم هم الفردية المتمثلة في الفساد المالي والإداري وجمع الثراء الطائل والتقلب في أعطاف النعيم على حساب الأمية والبطالة والفقر والتخلف وتقليل وسائل العيش لدى الشعوب.

        الآن بدأت الشعوب العربية الإسلامية تثور ضدّ رموز العمالة الغربية الصهيونية الصليبية هؤلاء، وقد قطعوا الشعوب في ذلك كلَّ الطريق أو بعضَه، وسيقطعون الطريق كلَّه إلى التخلص كلّيًا من العبودية الغربيّة، إذا أعملوا رشدهم، وفوّترا على الغرب فرصة اختطاف الثورة، حتى لايتمكن من نصب عملائه مجددًا. والمسؤوليّةُ في هذه المرحلة من التاريخ باهظة على العاملين للإسلام جاهدين مخلصين، أن يعملوا بالتعقل، ويسترشدوا بالحكمة، ويكونوا ساهرين متيقظين حتى لا يزاحمهم العلمانيون والمتنكرون للإسلام الذين تنمو فيهم دائمًا جرثومةُ العمالة الوفية للغرب الصليبي الصهيوني.

        الشعوبُ متعطشة إلى السلام والعدل والمساواة ومكافحة الأمية والتخلف والبطالة وظلم الحكام وبطش القادة المتجبرين. وعلاجُ ذلك أصلاً لايوجد إلاّ في الإسلام إذا سُمِحَ له بأداء الدور، وأن يمشي بقدميه ويدفع براحتيه، ولا يُرْغَم على المسالمة والمساومة وتقسيم المنافع والأرباح والرضا بأنصاف الأسهم أو أثلاثها أو أرباعها أو...

        اللهم بيدك التوفيق، وأنت على ما تشاء قدير.

[التحرير]   

(تحريرًا في الساعة 4 من مساء يوم الأحد : 23/3/1432هـ الموافق 27/2/ 2011م)