مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، ربيع الثاني – جمادى الأولى 1432هـ = مارس - أبريل 2011م ، العدد : 4 - 5 ، السنة : 35

 

 

دراسات إسلامية

 

 

الشريعة الإسلاميّة في مواجهَة أحداث السَاعَة

 

بقلم :   الأستاذ محمود الكولي

 

 

 

 

 

          * الإسلام دعوة للقوة ونشر للخير بين كل البشر.

        * حل مشكلات أزمات: الطعام .. والفقر.. والأمن العام. الكفر والإلحاد والصهيونية والشيوعية والخوارج يثيرون الرياح ضد المسلمين.

        * يواجه المسلمون في كل مكان رياحا عاتية.. وعواصف حادة تريد اقتلاعهم من فوق كل أرض يضعون عليها أقدامهم.. ويجتمع الكفر والإلحاد والصهيونية والشيوعية لقهرهم وإذلالهم..

        ولكن الإسلام دائمًا يقف صامدًا في مواجهة خصومه من أعداء المسلمين.. ولا يشترط على المسلمين شيئًا إلا أن يؤمنوا بالله إيماناً كاملاً.. وينصروا الله بتنفيذ شريعته وتحكيم دينه في كل أمورهم.. (إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ ويُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (سورة محمد/7).

        * وعلى المستوى العالمي سجل الميزان الدولي اختلالاً في الاقتصاد العالمي وإنذارًا لكافة الشعوب أنها تقف على حافة الجوع والهلاك.. وأن العالم يعاني من نقص في الطعام والثمرات.

        * كما سجلت الأحداث العالمية خوفًا وفزعًا ينتشر في ربوع العالم بفعل منظمات إرهابية خدعت الشباب بالمال والنساء، وشاع قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق..

        * ولم تكن كل هذه الظواهر إلا دليلاً جديدًا يؤكد ضرورة عودة المسلمين إلى الإسلام وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في كل مكان.

        * ولم تكن هذه الظواهر مفاجئةً للمسلمين فإنهم يؤمنون أنها.. ابتلاء من الله.. وفي أيديهم أن يعملوا لرفع هذا البلاء.

        نعم.. لقد نزل القرآن الكريم منذ 1414هـ (حيث كان عمر الرسول صلى الله عليه وسلم أربعين عاماً) وقبل الهجرة بسنتين وعشر سنوات يعلن هذا للمسلمين حيث يقول رب العالمين: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوْعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصّٰبِرِين﴾ (البقرة/155).

        * ومع اختلاف علماء الاقتصاد والاجتماع في الإسباب التي انتهت بالعالم إلى هذا المصير فإنهم لن يختلفوا معنا كمسلمين بل سيجمعون على رأينا في التحليل الإسلامي لهذه الظاهرة:

        1 إن (نقص الأموال) الذي أشار إليه القرآن الكريم موجود فعلاً ولاتعبر عنه كثرة الأرقام المتداولة في أيدي الناس.. ولكن عبر عنه فعلاً ذهاب البركة في القيمة الشرائية التي يسميها علماء الاقتصاد: (القوة الشرائية).. وأن معظم هذه (الأموال) الضخمة.. ليس لها (غطاء إنتاجي) أو (غطاء ذهبي) يغطيها.

        بينما كان أحدادنا يشترون بالدراهم القليلة ما نشتريه اليوم بدنانير كثيرة.

        2 كما أن (نقص الأنفس) لايعبر عنه قلة إنجاب البنين والبنات وإنما يعبر عنه التدهور المستمر في (البنية الصحية)، والمواهب العقلية التي خرجت فحول العباقرة والعلماء من الرجال.. وضعف همة الشباب عن التحمل والصبر والجلد كما كان أجدادهم الأولون.

        3 وأما (نقص أمن الإنسان وسلامته) فهو الذي عبر عنه القرآن (بالخوف) والاضطراب النفسي الذي يعيش فيه الناس.. ولاتعبر عن (الأمن) مظاهر الترف مع استئجار الحراس.. وإنما يعبر عنه قول الله تعالى: ﴿أُولٰئِكَ لَهُمُ الأَمْن وَهُمْ مُهْتَدُوْن﴾.

        4 ووجود (النقص في الثمرات) لاتعبر عنه قلة المساحات المنزرعة من الأرض.. أو قلة المعروض من السلع. وإنما تعبر عنه «التقارير الدولية» التي تهدد العالم بالمجاعة البشرية في مستقبل الأيام..

        * وهنا يتحرك سؤال هام..

        إذا صح هذا التحليل وهو صحيح فما المخرج مما نحن فيه؟ وما العلاج؟

        وهنا نجد القرآن الكريم واضحًا ليجيب بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوْا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ..﴾ (الأعراف/96).

        * وبهذا.. وبكل ما جاء في كتاب الله العزيز الحكيم شرع الله لنا من الدين ما يغنينا عن (استيراد المذاهب) الإلحادية والمادية.. شرقية كانت..أو غربية..

        * ولن تكون الشريعة الإسلامية حكرًا لنا لإسعادنا.. بل إنها تفتح دراعيها.. لكل العالم بمبادئها السامية.

        * وقد (مرت) الشريعة الإسلامية عند تطبيقها في صدر الإسلام بمواقف اجتازتها.. وأثبتت فيها صلاحيتها حتى فتحت لها أوروبا أبوابها.. واستقرت عشرات ومئات السنين..

        كما نشطت في آسيا وأفريقيا.. وأقامت أقوى إمبراطورية عادلة بين جميع الشعوب.

        * وكان سر صلاحيتها لكل الناس أنها في حكم الشعوب تراعي هذه الأصول الإسلامية للحكم في تطبيق الشريعة الإسلامية وهي:

        أولاً: أنها جعلت أساس الحكم (لله) فقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لله﴾(الأنعام/57) وأثابت الحاكم في أن يحكم بما أنزل الله ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ (المائدة/49).

        وثانيًا: لم تجعل للشعوب حق العصيان والخروج على الحاكم.. بل نظمت (الشورى) و(إجماع خيار المسلمين) أساسًا لبيعة الحاكم وذلك حتى لايخضع نظام الحكم في الإسلام لنزوات الأفراد حكامًا كانوا أو محكومين وهذا النمط من نظام الحكم الإسلامي لا أعتقد أن تشريعًا بشريًّا في الأرض وصل إلى ما وصل إليه.

        ثالثًا: قامت الشريعة الإسلامية على أساس رفع الحرج، ويسر التكاليف، والبساطة في كل شيء قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّيْنِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج/78).

        كما قامت على رفض التعقيد والبحث عن المشقة فقال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا لاَتَسْأَلُوْا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (المائدة/101).

        ورابعًا: قامت الشريعة على التدرج في التشريع كما تدرجت في «تحريم الخمر».

        وتأمل معي التدرج في «عقوبة الزنا»..

        - فهي قد بدأت بحبس المرأة في البيت، حيث قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِيْنَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوْا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوْا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ (النساء/15).

        - ثم جاء حد الزنا بعد ذلك واضحًا محددًا في آيات القرآن الكريم.

        وخامسًا: الأخذ «بالسنة النبوية» مصدرًا أساسيًّا مع القرآن الكريم لتطبيق الشريعة الإسلامية؛ حيث يقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُوْلُ فَخُذُوْهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر/7).

        وسادسًا: تتحرك الشريعة الإسلامية في مواجهة كل المستحدثات على الساحة العالمية في أي زمان ومكان.. وتستقبل الأزمنة كلها.. وتواجه مشكلاتها عن طريق (فتح باب الاجتهاد الشرعي) في كل الأمور إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

        ويقرر (علماء الأصول) ومن بينهم الإمام الشاطبي أن أحكام الشريعة الإسلامية قسمان:

        أ قسم يتعلق بشؤون الآخرة، وهو الفرائض والعبادات.. وكلها قائمة على (الاتباع التعبدي) وكل ما يندرج تحت هذا القسم الأخروي) لانقاش فيه ولايبحث عن علته.

        ب (القسم الثاني) ويتعلق بتنظيم شؤون الدنيا.. ومصالح العباد.. وكل أموره صالحة للاجتهاد بما يحقق مصالح الحياة في شؤون الدنيا.. و(لايتعارض) مع النصوص الصريحة للشريعة الإسلامية.

        ج وقد (توسع الإمام مالك) في القسم الثاني الخاص بشؤون الدنيا، فأباح أن يتم الاجتهاد على أساس قاعدة: «المصالح المرسلة» للناس، و«الاستحسان» عند الناس حتى قال رحمه الله: (الاستحسان تسعة أعشار العلم) ومعنى هذا إباحة المصالح المرسلة التي (تجلب) مصلحة للناس، أو (ترد) عنهم مفسدة، ولم يشهد الشرع لها بالبطلان، وذلك مراعاة لتجدد مصالح الناس بتجدد العصور.. في حدود القواعد الأصولية:

        - (لا ضرر.. ولا ضرار).

        - و (الضرورات.. تبيح المحظورات).

        - و(المشقة تجلب التيسير).

        - و(المعروف عرفًا.. كالمشروط شرطاً).

        - و(مالا يتم الواجب إلا به.. فهو واجب).

        - و(إذا تعذر الأصل.. يصار إلى البدل).

        وبهذا تصبح الشريعة الإسلامية شريعةً حيةً ناميةً، وتمثل (ثروة تشريعية) كاملة.. لأكمل دين ونعمة كبرى لخير أمة أخرجت للناس..

        * والعالم المجتهد الذي يتعرض لبيان حكم الله فيما تستحدثه العصور.. إنما يستنبط الحكم الشرعي للحدث الجديد بالقياس على مثيله في صدر الإسلام. فإذا لم يجد له مثيلاً.. يكون الاجتهاد في حدود ما أباحه الله لعباده (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبٰتِ مِنَ الرِّزْقِ) (الأعراف/32).

        * وقد اجتهد الرسول صلى الله عليه وسلم في «أسرى بدر» حيث لم تكن هناك حالة مماثلة.

        * وأقر الرسول (معَاذًا) على الاجتهاد حين بعثه إلى أهل اليمن..

        وسأله الرسول: كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟

        قال معاذ: أقضي فيه بما في كتاب الله تعالى.

        قال الرسول: فإذا لم يكن في كتاب الله؟

        قال معاذ: فبسنة رسول الله.

        قال الرسول: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟

        قال معاذ: أجتهد رأيي.. لا آلو..

        فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على صدره مستحسنًا وقال: الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضى رسول الله.

        * ومن الأصول الفقهية كذلك أن (من اجتهد فأخطأ فإن له أجرًا واحدًا.. ومن اجتهد فأصاب.. فله أجران).

        * والمجتهد المعتصم بكتاب الله وسنة رسوله يعصم نفسه واجتهاده من الخطأ قال تعالى: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِالله فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (آل عمران/101).

        * وأخيرًا فإن الشريعة الإسلامية هي:

        1 (صِبْغَةَ الله وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً) (البقرة/138) (مَا فَرَّطْنَا في الْكِتٰبِ مِنْ شَيْءٍ) (الأنعام/38).

        2 كمال الإسلام: (اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ.. وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي.. وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيْنًا) (المائدة/3).

        3 أباحت كل ما على الأرض من حلال طيب (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) (البقرة/29).

        4 سوت بين الأغنياء والفقراء.. والضعفاء.. والأقوياء..

        قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ) (الحجرات/13) .. وقال صلى الله عليه وسلم: (كلكم لآدم.. وآدم من تراب).

        5 حرمت الاعتداء على النفس: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مَتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيْهَا (النساء/93). كما حرمت الاعتداء على المال: (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) (البقرة/188).

        6 دعت إلى حسن القدوة: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب/21).

        7 أمرت بالعدل وحرمت الظلم: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل/90).

        8 وأمرت بالوفاء بالعهد (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ) النحل/91).

        9- وكفلت الحياة للصغير حتى يكبر ويتكسب.. وللفتاة أو الأرملة أو الخالية من الزوج حتى تتزوج وللفقراء والمساكين حتى يغنيهم الله من فضله، حتى يصون وجوه هؤلاء جميعاً من ذل الحاجة.

        01 رفضت الشريعة الإسلامية غلواء اليهودية، ورهبانية المسيحية، وكانت ديناً وسطاً: (وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيْدًا) (البقرة/143).

        11 ولا تؤاخذ العبد إلا بما فعله قادرًا مختارًا قال صلى الله عليه وسلم: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان.. وما استكرهوا عليه).

        12 وقد اشترى الله من المؤمنين أنفسهم وأموالهم مع أنه سبحانه خالق النفس ورازقها بالمال: (إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة/111).

*  *  *