مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، جمادي الثانية 1432هـ = مايو 2011م ، العدد : 6 ، السنة : 35

 

 

دراسات إسلامية

 

 

 

 

 

الحرب على الإسلام

 

بقلم:    الكاتب الإسلامي فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن سعد الشويعر      

الرياض ، المملكة العربية السعودية                                                 

 

 

 

 

        تتكرر في كل عصر ومكان، اعتداءات على رموز الإسلام، بدافع الحقد والكراهية لدين الله؛ ولكن السحاب لا يضرّه نبح الكلاب، وإنما هو ما ينفثونه، وشنشنه تتكرر، تنبئ عن حقد مكنون لدين الله الحق.. وقد كان حديثاً سابقاً عن النصرانية، والتنصير الذي يسمونه تبشيراً... وقد وعدت القارئ بالزيادة بقدر ما يسمح به المقام عن دولة إسلامية، رمى المنصّرون ثقلهم فيها، طامعين تحويلها لحضيرة النصرانية، لتكون منطلقاً لهجماتهم الشرسة على الإسلام في شرق وجنوب آسيا، وما حولها في المناطق والجزر في المحيطين الهندي والهادي.

        وهي مناطق شاسعة وواسعة، حيث امتدت بحمد الله دائرة الإسلام، في تلك الأصقاع، ولا تزال بحمد الله امتدادات جذوره تتوالى، رغم ما يبذله أولئك، من جهود في التخطيط والإنفاق والمساهمات والأفكار والتخطيط، وهي جهود تعتبر مكررة، إذا رجعنا تاريخياً، وقارناهم بالجهود والإمدادات في الحروب الصليبية، على بلاد الشام، حيث تسلطوا فترة من الزمن نتيجة جهل المسلمين وتهاونهم في دينهم.

        فلما هيأ الله صلاح الدين الأيوبي، قائداً مظفراً ومتحمساً يقظاً، التأم خلفه شمل المسلمين ليدحروا تلك الحشود المتكاثرة بنصر من الله مؤزر؛ حيث أقيمت أول صلاة للجمعة في بيت المقدس، وخطب الإمام محمد بن الزكي، قاضي دمشق بحضور صلاح الدين، يوم الجمعة 4 شعبان عام 583هـ، يشكر الله على النصر، ويبين أن أعداء الإسلام في حربهم ضده، قد عملوا كل ما في وسعهم لتحويل الناس إلى النصرانية، طمعاً في تغيير هوية الشام الإسلامية، بتكاثر هجرة النصارى الوافدين على الشام، وقد عطلوا صلاة الجمعة في المكان المبارك، منذ دخلوا بيت المقدس في عام «491هـ» ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾(30) سورة الأنفال؛ إلا أن حماسة المسلمين، وتوكلهم على خالقهم، زادهم إيماناً وثباتاً، فحقق الله النصر على يد القائد المظفر صلاح الدين، فدالت دول النصارى، وتوالت الانتصارات، بسقوط ممالكهم، ومدن الشام التي كانت تحت أيديهم: واحدة إثر أخرى، وقد كان يوماً مشهوداً، امتزجت فيه دموع الفرح، بأصوات التكبير والتهليل والحمد لله؛ لأنهم نصروا دين الله فنصرهم الله، وأذل أعداءه، فخرجوا من أرض فلسطين وبيت المقدس أذلاء.

        وقد أبان الخطيب كما توضحه كتب التاريخ، أن هذه المكرمة والفتح المبين، لم يفعلها في بلاد الشام، وقوفاً أمام عناد النصارى بعد عمر بن الخطاب، غير صلاح الدين، وهذا من توفيق الله وعنايته، حيث جعل همه إصلاح وبناء المسجد الأقصى الذي دنّسه النصارى، وجعلوه مستودعاً للقائم التي عملها اليهود، بمقر كنيستهم وعلى الصخرة قسرى أنبياء الله، فبنوها ورموا كل النفايات على المسجد، إهانة منهم لهذا الموقع المقدس، الذي اهتم به المسلمون بعد فتحهم للبلاد الشامية، وكان نور الدين زنكي، قد أمر النجارين بتجهيز منبر بديع، ليهيء لبيت المقدس، إيماناً منه بأن نصر الله آتٍ؛ لكنه توفي قبل إدراك ذلك النصر، فأمر صلاح الدين، بإحضاره من حلب بعد أن مكث هناك في انتظار هذا اليوم الغالي على كل مسلم، أكثر من عشرين سنة، حسبما ذكر صاحب الكامل وغيره، وبعد ذلك اتجهت جهود النصارى، لتسليط حرب على المسلمين في الأندلس وشمال إفريقيا، فهزمهم المسلمون في الأولى، ثم قويت عزيمتهم في الثانية، ولله الأمر كله. والمسلمون اليوم، بعد أن استفحل أمر اليهود في فلسطين يسألون الله أن يعجل بوعد الرسول فيهم.

        والنصارى يحلمون اليوم بتحويل تلك الدولة القضية من آسيا إلى النصرانية وإبعادهم عن خطوة الإسلام، بعد أن نجحوا في فترة سابقة بإبعاد اللغة العربية، عن فئة منهم، ثم تحويل الكتابة في ديارهم، وديار كثير من المسلمين، إلى الحروف اللاتينية، لتكون أول غزو للتغريب؛ لأن هدفهم مساعدة المسلمين عن فهم القرآن وتلاوته وفهم شرائعه، إذ كان الهدف صرفهم عن القرآن الكريم ولو لم يعرفوا معانيه.

        وهذه الأعمال التي نجحوا فيها، في أغلب ديار المسلمين، جزء يسير من الأعمال المقصودة في الحرب ضد الإسلام وأهله، ولعل هذا من الغايات الكثيرة التي أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم في حرب الأعداء على الإسلام وأهله، مما يستلزم الصبر والتصدي.

        إن التقارير والكتابات عن جهود المنصّرين، لتلك الدولة وغيرها، كثيرة وذات أنماط شتى، وإن التعرض لها في موضوع قصير لا يروي ظمأ، ولا يوقد أواراً؛ لكنني سألقي نظرة عاجلة، على كتاب واحد، ألفه «فيري.ت. ويلزي» وصدر عن مكتبة «وليام كاري». في كاليفورنيا بطبعته الثانية عام 1978م، وهو ممن جنّد نفسه للدعوة لعقيدته، في تلك الدولة حيث أمضى عشر سنوات من عام 1964م إلى عام 1974م، وقد ملأ كتابه هذا بالنتائج التي توصل إليها، والأعمال التي قام بها، والسبل التي يسرت له، حتى أدى دوره، بل كوفئ بأن عاد لتلك الديار؛ لكي يواصل مسيرته، ويزيد من نتائجه.. كيف لا.. وهو الذي جعل كتابه هذا بما فيه رسالة عظيمة، قدّمها إلى كلية اللاهوت، بمعهد التنصير اللاهوتي الجنوبي الغربي، في مدينة فورث فرزت بولاية تكساس لتكون جزءًا من متطلبات الحصول على درجة الدكتوراه في اللاهوت، حيث ذكر المؤلف، أن إدارة الكلية، تفضلت مشكورة بالسماح، بتوزيع نتائج هذا البحث على نطاق واسع، ومع هذا لم ينسَ أن يشكر في مقدمته، أساتذة التنصير الذين ساعدوه، وعلّموه فن التنصير، وكذلك الكنائس، وهيئات التنصير وجمعياته، وبصفة خاصة، رؤساء الكنائس، في تلك الأصقاع، الذين فتحوا له صدورهم وجيوبهم، وأعانوه بما تحت أيدهم، من أموال طائلة، وطائرات متعددة، وإمكانات واسعة؛ لكي يلعب دوره في الدعوة لعقيدته، ويعمل جهده من أجلها.

        ولكي يكون كتابه لافتاً للنظر، فقد جعل عنوانه: لماذا تنصّر مليونا مسلم؟!

        يقع هذا الكتاب في أكثر من 250 صفحة، حيث ختمه ببيانات، وببليوجرافية مختارة، بالإضافة لعدة أشكال إحصائية، وجداول بيانية توضح نمو الكنائس، وتطور أعداد المنصرين في تلك الديار، ويباهي بالعوامل التي ساعدت على ذلك. وإذا كان الكاتب، قد ركز على أمور جعلها محور النجاح في العملية التنصيرية في تلك المناطق، ويهيب ببني جلدته في اغتنام مثائلها في بلاد الله الواسعة؛ لكي ينفذوا لقلوب الناس، ومن ثم ترغيبهم في النصرانية بمثل:

        1- الفقر، 2- الجهل، 3-الروحانيات، 4- الثقافة المهزوزة لدى المتعلمين، 5- التنافر بين المسلمين، 6- الرغبة في المناصب وحب المديح..

        فإذا كانت هذه هي نظرته نحو المسلمين التي تسهل مهمتهم في الغزو، حيث يرى أن هذه قد حققت نتائج مرضية، بسببها دخل كثير من أبناء المسلمين النصرانية برغبة: بعدما عالجنا مرضاهم، وساعدنا محتاجهم، وقدمنا بذوراً لمزارعهم، وساعدناهم في شق ترع لجلب المياه إليهم، ووقفنا مع الفقراء نساعدهم في بناء بيوتهم المتهدّمة، ونعطيهم ملابس عورات أطفالهم، وأحذية ينتعلونها، وحليباً لأطفالهم، ولعباً لأولادهم، وأموراً أخرى دخلنا بها إلى قلوبهم، فمنحونا الأراضي لنقيم عليها الكنائس، وتجمعوا إلينا لاستماع القصص والحكايات التي تخاطب قلوبهم الفارغة.

        ثم يوجه كلامه إلى كل منصّر بأن عليه لكي يرتاح إليه الآخرون، ويحقق أشياء مماحققناه هناك أن يتعلم لغة القوم، وأن يستأنس بهم، ويأنسوا به، وأن يجعل الحديث عن المخلّص -ويعنون به عيسى عليه السلام- والدور المطلوب منه لكي يكون نصرانياً مرتاح الضمير، بعد فترة من الزمن.

        إنها أساليب التنصير: الصبر والبذل، والتحمل والسخاء، ولماّ كان يقول عمر بن الخطاب: عجبت لأهل الحق ونكوصهم عن حقهم، ولأهل الباطل، وتمسكهم بباطلهم؛ فإن المسلمين لكي يقفوا أمام هذا الزحف، الذي يكيد به هؤلاء أبناء المسلمين؛ فإنه يجب عليهم الاهتمام وبذل الجهد في عمل موحد، وبنية وإخلاص، في أسلوب عملي للدعوة، وبأمور محسوسة تتفاعل مع كل ما يعانيه كل فرد، فبدل الأسلوب الخطابي، نحرص في دعوتنا، إلى تلبية وتوفير ما يعيش هؤلاء: كساءً وطعاماً وراحة نفس. فلن يتقبل من دعاتنا كلاماً وهو مريض أو جائع أو عريان، أو بيته متهدم، أو طفله لا حليب له.

        إن المطية التي امتطاها هؤلاء في الدعوة لباطلهم، يحسن بالدعاة المسلمين أن يقابلوها بجهود هيأها الله للمسلمين لينفعوا غيرهم، ويؤجروا على عملهم من رب كريم، معين على كل إذا صدقت العزائم:?فَإِنَّهُمْ يَأْلَمونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ? (104) سورة النساء.

        وإذا كان النصارى وغيرهم من الملل والنحل، ينفقون ويبذلون، في سبيل عقيدتهم، التي نسختها رسالة محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإن في مبادئ دينهم، والحالة الاجتماعية والتعاون، والصدق وحسن الخلق، وغير ذلك من الصفات التي تأسى بها رعيل أمة الإسلام، ما لو حرصنا عليه، كما أخذ به سلف هذه الأمة، لتحقق الكثير، عندما يتعاون الجميع في جهد، يبذل فيه الغني ما يسد رمق الفقير، ويعطي فيه الطبيب، ما يعين في شفاء الأمراض، ويوفر في دعوة للتبرع: من الزكاة أو الصدقات، ما يعين الفقراء في تخطي الصعاب التي تعترضهم تحقيقاً لأمر الله جل وتعالى: ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (33) سورة النور.

        فالمال في أيدي الناس، هو مال الله، لينظر سبحانه، ماذا يُعمل فيه، حيث أُمر الإنسان بتفقد إخوانه المسلمين، وغير المسلمين ليجذبهم للإسلام، وما فيه من تكافل وتعاون، ويقول سبحانه في أهمية البذل لمن هم في الحاجة والعوز: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ (60) سورة الأنفال. وآيات الإنفاق في طريق الخير كثيرة في القرآن، تحلّ أزمات، وتثبت مشككاً، وتعين محتاجاً، وتستر خللاً، وتهدي ضالاً، وتُشبع جائعاً. وما ذلك إلا أن نفاذ الإسلام للقلوب، أقصر من طرق أولئك، والجهود التي يجب أن تبذل في المحافظة على الإسلام، عند المستجيبين إليه، أو لدعوة الناس إليه مجدداً، أيسر من الجهود التي يبذلها من يريدون الصدّ عنه، والقلوب أميل؛ لأنه دين الله الحق، ودين الفطرة التي فطر الناس عليها، والواجب بذل الوسع في هذا الطريق، وبالإخلاص والصدق يحقق الله الأصلح والأنفع، فالهادي هو الله سبحانه، ولا ننسى حسن الخلق والقدوة الصالحة مع الدعاء.

* *