مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، جمادي الثانية 1432هـ = مايو 2011م ، العدد : 6 ، السنة : 35

 

 

أنباء الجامعة

 

 

 

 

 

المحدث الفقيه المحقق الناقد العلامة الشيخ  محمد بن محمد عوامة / حفظه اللّه

يزور الجامعة

 

بقلم :   الأستاذ محمد ساجد القاسمي   

أستاذ بالجامعة                            

 

 

 

 

                                                                                                                           

 

        لقد زار الجامعةَ الإسلاميةَ:دارالعلوم، ديوبند- الهند، المحدثُ الفقيهُ المحققُ الناقدُ العلامةُ الشيخُ محمد بن محمد عوامة الحنفي الحلبي المدني/حفظه الله، صاحب المؤلفات القيمة النافعة أمثال: أثرالحديث في اختلاف الأئمة الفقهاء، وأدب الاختلاف في مسائل الدين، وتحقيق مسند عمربن عبد العزيز رحمه الله، وتقريب التهذيب لابن حجر، والكاشف للذهبي، والتعليقات الغالية الأنيقة على المصنف لابن أبي شيبة، وقد رافقه في هذه الزيارة نجله البار: الدكتورمحي الدين محمد عوامة، وذلك يوم الأحد 9/ ربيع الأول 1432هـ الموافق 13/فبراير2011م.

        وصل مَضْيَفَة الجامعة في نحو الساعة التاسعة صباحًا، وكان في استقباله  مسؤولو الجامعة وكبار أساتذتها كالشيخ أرشد المدني، والشيخ نعمت الله الأعظمي، والشيخ نورعالم خليل الأميني، والشيخ عبدالخالق السنبهلي، ومن إليهم. فرحبوا به واستقبلوه استقبالاً حارًا.

        وقدتمَّ ترتيب جلسة لقاء للأساتذة مع الشيخ في مكتب رئيس الجامعة، وذلك في الساعة الثالثة ظهرًا، فحضر الجلسةَ مسؤولو الجامعة وجميع أساتذتها، حيث قابلوا الشيخ واستفادوا مما أوصى به في شأن التربية والتعليم،حيث قال:

        «إنه من أكبر نعم الله أنكم تعيشون جوًا علميًا حرًا، وحريةً دينيةً كبيرةً في هذه البلاد، فاغتنموا هذه النعمة واشكروا الله عليها. وقد ورثتم آباءكم وأجدادكم في العلم من المشايخ والعلماء الكرام المورثات العلمية العظيمة، فأنتم في قناعة علمية، لاتحتاجون معها أن ترسلوا طلابكم إلى جامعات ومعاهد أخرى.

        وأنا أقول لكم أيها السادة! أن تركزوا عنايتكم على أمرين مهمين: أحدهما أن يكون تدريس المقررات الدراسية في الجامعة باللغة العربية، وثانيهما أن يُعنى بتحفيظ الطلاب الأحاديث النبوية - على صاحبها الصلاة والسلام- فقد سألت واحدًا من متخرجي الجامعة كم تحفظ من الأحاديث؟ قال: نحو خمس مئةحديث. فعجبت أشدَّ العجب، لأنه قرأ الصحيح للبخاري، والصحيح لمسلم، والسنن لأبي داود، والسنن للنسائي، وجامع الترمذي، وغيرها من الكتب الحديثية، فلم يحفظ منها إلا خمس مئة حديث؛ فلابد لكل طالب أن يحفظ- على الأقل- كتاب رياض الصالحين للنووي، فلهذا الكتاب مزيتان: المزية الأولى: أنه عُني فيه المؤلف بجمع الأحاديث الصحيحة، والمزية الثانية: أنه قد جمع فيه الأحاديث التي تتعلق بالجانب العملي للحياة. إذا حفظه الطالب يعمل هو بنفسه بها، ويدعو الناس إلى العمل بها أيضًا.

        كذلك يجب أن توجهوا عنايتكم إلى تحفيظ الطلاب كتب المتون؛ فإنه مهم جدًا، مثلا: إذا سألتم طالبا ما هي مواضع إنَّ وأنَّ، فإن حفظ كتب المتون كالألفية لابن مالك، فهو يُجيب بسهولة.

        قبل ثلاثين سنة جاء إلى مدينتي«حلب» بسورية عالم من علماء باكستان في جماعة التبليغ، اسمه الشيخ أحمد جان، وكان من تلاميذ العلامة الشيخ  محمد أنور شاه الكشميري، فلقيته وتحدثت إليه، فذكر لي أنَّ الشيخ كان يحفظ خمسة وعشرين ألف بيتٍ من كتب المتون.

        وهذا يدل على أن مشايخنا كانوا يُعنَون بحفظ كتب المتون أشدَّ العناية، فلابد لنا أن نُحفِّظَها طلابنا»

        وقد استمرت هذه الجلسة العلمية الممتعة إلى الساعة الرابعة عصرًا تقريبًا، ثم انتهت بدعاء الشيخ.

        ثم عقدت الجامعةُ حفلةَ ترحيب في جامع رشيد الكبير، وذلك بعد صلاة المغرب مباشرة، حضرها مسؤولوالجامعة وأساتذتها وطلابها. قام بإدارتها الشيخ شوكت علي القاسمي البستوي أستاذ بالجامعة، فابتدأت الحفلة بتلاوة المقرئ آفتاب عالم- أستاذ التجويد والقراءات بالجامعة- آيات من القرآن الكريم، ثم ألقى الشيخ أرشد المدني حفظه الله- كلمةً موجزةً باللغة الأردية أمام الحضور من الطلاب وغيرهم، سلط فيها ضوءًا  خاطفًاعلى شخصية الشيخ ومكانته العلمية وخدماته ومؤلفاته، وعلاقته الوطيدة بمشايخ الجامعة السابقين واللاحقين، ومؤلفاتهم وخدماتهم العلمية.

        كما قام الشيخ شوكت علي بتعريف الشيخ وخدماته وأعماله الجليلة، وذلك باللغة العربية، ثم قدَّم كلمةَ التحية والترحيب الشيخُ محمد عارف جميل الأعظمي أستاذ بالجامعة من قبل فضيلة الشيخ عبد الخالق المدراسي نائب رئيس الجامعة.

        ثم ألقى الشيخ كلمةً قيمةً حافلةً بالتوجيهات والنصائح الغالية، فقال في أدب وتواضع بالغين: «إنني طُويلب علمٍ بينكم، ولكنَّ غربتي أجلستني  هذا المجلس، فيأيها السادة! سادتُنا ومشايخُنا ومشايخُكم أولى بهذا المجلس مني. إن هذه الدار [دارالعلوم، ديوبند] - الله يعلم أنني منذ خمسين سنةً أشتاق إلى التشرف برؤيتها ودخولها والانغماس في هوائها؛ لمافي نفسي من ثقة وطمانينة وحب لها ولشيوخها السابقين واللاحقين. أسأل الله العظيم من فضله العظيم أن يمنَّ عليها وعلى القائمين عليها، وعلى مثيلاتها من دورالعلم الصحيح الصافي السليم المتصل سندًا كابرًا عن كابرٍ، أن يمنَّ عليهم بالبقاء والدوام، وجزيل العطاء إلى يوم الدين».

        كما أوصى الطلاب قائلا: «ياشباب! ويا رجال العلم في المستقبل القريب- إن شاء الله أرجو من كل واحد بدءًا من نفسي ومنكم ومن غيرنا من طلاب العلم أن يعرفوا حق الله والعلم عليهم، علينا نحن الذين شرَّفَنا الله - عزوجل- فاختارنا للانتساب إلى شرف العلم، علينا أن نعرف قدر هذا الشرف».

        وأضاف قائلا: «لا تنظر إلى نفسك بأنك طالب علم، وغيرك من زملائك ممن درسوا معك في الابتدائية من أبناء حيّك وحارتك، فلان صارطبيبًا، وفلان صار مهندسًا ، وفلان صار رجلَ أعمال، وأنت رجل درويش... لا، أبدا، اعرف نفسك ياطالب العلم! إنك أعزُّ مخلوق على وجه الأرض، لاحظ في نفسك هذا الشرف العظيم... كم وكم في شوارع الهند شبابا ضائعين في أعماركم، وأما أنتم فاختاركم الله عز وجل لحوز هذه الأمانة، لشرف هذا العلم، لشرف «قال الله وقال رسوله»، لشرف وراثة محمد صلى الله عليه وسلم، فلا تنظروا إلى أنكم في مكان مهين أبدا، أنتم أقدامكم فوق هامات الرجال الآخرين».

        كان الحضور في الحفلة خلال كلمة الشيخ آذانًا مصغيةً وقلوبًا واعيةً، وانتهت الحفلة بدعاء الشيخ في نحو الساعة الثامنة ليلاً.

        ثم بعد صلاة العشاء حضر الشيخ  برفقة جمع من أساتذة الجامعة دارَالحديث التي كانت مغتصَّةً بالطلاب الذين كانوا قد يرغبون في إجازة الحديث من الشيخ. فألقى الشيخ درسه يتحدث فيه عن  أهمية أحاديث المسلسلات من النواحي المختلفة، فأجاد وأ طال. ثم أجازهم الأساتذة والطلاب الحاضرين في دار الحديث- بالحديثين: المسلسل بالأولية، والمسلسل بالآخرية، وأوصاهم بالعمل بالعلم، وبقراءة الأدعية المأثورة في ساعات من الليل والنهار. وقداستمرهذا الدرس إلى الساعة العاشرة تقريبًا.

        فرح الشيخ  بزيارته التاريخية للجامعة أشدَّ الفرح- حيث أعرب عن فرحه وسروره هذا في كل مجلس من مجالسه خلال إقامته القصيرة بالجامعة - كما فرح أساتذة الجامعة وطلابها بلقائه المبارك، ورأوا فيه مثالاً حيًا لمشايخهم وعلمائهم الربانيين.

        وفي صبيحة اليوم التالي:10/3/1432هـ ذهب الشيخ إلى جامعة مظاهر علوم التي طالما سمع عنها، وقرأ مؤلفات علمائها، لاسيما الشيخ خليل أحمد السهارنفوري صاحب بذل المجهود شرح أبي داود، والشيخ محمد زكريا الكاندهلوي صاحب أوجزالمسالك إلى موطا الإمام مالك، وبعد زيارتها عاد إلى الجامعة. ثم زار دارالعلوم وقف مساءً، حيث اجتمع به أساتذتها وطلابها، ثم عاد إلى مضيفة الجامعة وأقام بها ليلاً.

        وفي نحو الحادية عشرة ضحى من اليوم الثالث: 11/3/1432هـ غادر الشيخ إلى دهلي، حيث ركب متن طائرة مسافرة إلى لكناؤ وفقا لبرنامجه المرسوم.

*  *  *