مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، شعبان  1432هـ = يوليو 2011م ، العدد : 8 ، السنة : 35

 

 

إلى رحمـــــــــــة اللّه

 

 

الفقيه الهندي الفريد ظفير الدين المفتاحيّ

في ذمة اللّه

1344/1926م = 1432هـ/2011م

 

 

بقلم : محمد أبرار كليم القاسمي (*)

 

 

 

 

        فُجِعَت الأوساط العلميّة الفقهيّة خاصة والأمة الإسلامية عامة بالعالم الجليل والفقيه البصير والمحقق الضليع الشيخ ظفير الدين المفتاحي المفتي بدارالعلوم/ ديوبند ورئيس مجمع الفقه الإسلامي الهند مؤخرًا؛ حيث توفي يوم الخميس 25/ربيع الثاني 1432هـ 30/مارس 2011م في أرض وطنه فوره نوديها بيهار الهند عن عمر يناهز 85 عامًا في أعقاب تداعيات الشيخوخة المتكاثرة والأمراض الناجمة منها. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

        عاش الشيخ ظفير الدين المفتاحي رحمه الله عالماً صالحاً ومفتيًا ورعًا يُشَارُ إليه بالبنان؛ حيث أدى جلائل الأعمال في مجالات العقيدة والفقه والإفتاء والقضاء والتأريخ والأدب مما تخلد شخصيته الفذة وتبقيها على مدار الزمان إن شاء الله.

        كان واسع العلم بالدين، قويّ البصر بالفقه مما جعله مرجعًا للعلماء وذوي الفقه، فكانوا يعتمدون عليه كلما أشكل عليهم أمر دينيّ ويُعوّلون على فهمه كلما استغلق على أفهامهم حكم شرعيّ. كما كان نبيل النفس، جم المروءة، كبير الإخلاص، شديد الورع والتقى، سليم دواعي الصدر، عالي الهمة، ثبت الجنان، راجح الحصاة، مفتوح القلب، بلبل المنطق، عذب النبرة، توقّع كلماته على أوتار القلب، وتفعل بالعقول فعل السحر.

        وُلد في بيئة متديّنة في أرض آبائه «فوره نوديها» بيهار، الهند، فنشأ في ريفها الساحر الجميل وشبّ ودرج، وارتوى في مختلف المدارس الإسلامية الأهلية في الهند ونيفال، كما تلقى الدراسات المتوسطة على ابن عمه الكريم الشيخ عبد الرحمن أمير الشريعة الإسلامية الرابع للإمارة الشرعية بولاية بيهار، الهند، حتى التحق بمفتاح العلوم بمدينة مئو، الهند لتلقي الدراسات الإسلامية العليا، فمكث في رحابها العلمي الفقهيّ الأدبي يستفيد من العلماء البررة والمحدثين الأتقياء ولاسيما من زلفاه لدى العلامة الجليل والدراكة النبيل والمحدث الفريد الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، والعالم العامل الشيخ عبد اللطيف النعماني، والشيخ الكبير شمس الدين المئويّ.

        وهؤلاء العلماء كانوا أقوى العناصر في تكوين ظفير الدين الفقيه بعد استعداد فطرته وتوجيه ابن عمه الكريم، فكان يحفظ الكتب الدراسية غيبًا عن ظهر قلب، ويتصيّد الشوارد الفقهيّة، ويصوغ المقالات الأدبيّة، ويعالج الموضوعات الدينيّة والاجتماعيّة، فتسير له شهرة في رحاب المدرسة بذكاء القريحة وروعة الأسلوب فيقربه الأستاذ المحدث حبيب الرحمن الأعظمي ويرسم له الطريقة المثلى في الإفتاء والقضاء حتى تخرج عليه كاتباً قديرًا وفقيهاً بصيرًا.

        ثم انقطع إلى ممارسة شؤون التدريس فتقلبت به الوظائف في مختلف المدارس الإسلاميّة في أرجاء الهند، حتى ساقه حظه الموفور إلى كبرى الجامعات الإسلاميّة الأهليّة في شبه القارة الهندية: دارالعلوم/ ديوبند، فوكّلت إليه في رحابه أعمال التأليف والترجمة، فنقل وألّف، كما أنتج كتابًا حول «الجماعات الإسلاميّة واتجاهاتها الدينيّة»، ثم تحوّل إلى قسم ترتيب مكتبة الجامعة، فقام بترتيبها خير قيام، ثم أنجز ترتيب الفتاوى الدينيّة المنتشرة في بطون السجلات البالية لصاحبها المفتي الصالح عزيز الرحمن العثماني وذلك باسم فتاوى دارالعلوم في اثني عشر مجلدًا.

        ولما أقامت الجامعة عام 1384هـ قسمًا مستقلاً لدراسة علوم القرآن الكريم عيّنته مشرفاً عاماً له حتى نهاية عام 1388هـ حيث أغلق القسم لأسباب ملحة، وكان القسم عاملاً قويًا في تنشيط العلماء ذوي الكفاءة الفائقة، وتوجيه الطلاب الأذكياء وجهة رشيدة في مجالات التفسير والترجمة والتأليف.

        واختاره المجلس الاستشاريّ للجامعة كاتبًا لافتتاحيّة مجلة دارالعلوم الأردية الشهرية الصادرة عن دارالعلوم، فقام بذلك خير قيام نحو سبعة عشر عامًا عالج خلالها الموضوعات الساخنة التي طرحتها الظروف في مختلف أنحاء العالم، وتناول القضايا الكثيرة التي تماسّ العقيدة والدين، وقدّم للمشاكل الاجتماعية حلولاً ناجعة صائبة على أساس مصادر الإسلام الأصيلة، وأيقظ الوعي الإسلامي في قلوب المسلمين، وجنّب الشباب الإفراط والتفريط في فهم الدين وتطبيقه، موضحًا أن الإسلام رسالة الله الأخيرة الخالدة التي تصلح لكل زمان ومكان بما يحمل من مرونة ونعومة.

        وقد وقع عليه الاختيار عام 1993هـ مفتيًا لجامعة فكانت ترِدُه الأسئلة من شتى أرجاء العالم في موضوعات متنوّعة وخاصة القضايا الكثيرة التي طرحتها ولا تزال المعطيات العلميّة، والمكتسبات التكنولوجيّة، والاكتشافات الطبّية الحديثة التي لازال ركبها سيّارًا وركضها دؤوباً، فيرُدّ على كلها بشكل يسُرُّ الخواطر ويجلو النواظر، كما أنه أهلّ خلال ذلك العلماء الشباب للرد على الأسئلة الفقهيّة، والتأليف في الموضوعات الفقهيّة الساخنة خاصة والموضوعات الإسلاميّة عامة، فتخرج عليه فقهاء كتّابٌ ومفتون مؤلفون بارعون في مواجهة التحديات وتفنيد الشبهات التي يثيرها المتغربون من المثقفين بالثقافة العصريّة نحو الإسلام وتعاليمه، داعين إلى ابتكار إسلام جديد يسيغ تغيير ما أنزل الله من الحلال والحرام، وإحداث مرونة في ثوابت الشريعة التي لايأتيها الباطل من بين يديها ولامن خلفها.

        وظل يتقلّد المفتي المنصب الإفتائيّ الاستنباطي للجامعة، ويدرس ويؤلف، ويفتي ويرشد، ويعمل جاهدًا على خدمة الإسلام وأهله، ويُنشِّط العلماء من أجل إيجاد حلول صائبة للقضايا الفقهية التي تتطلب الدراسة حتى استقال عنه يوم الخميس 19/شعبان 1429هـ = أغسطس 2008م نظرًا للضعف الناجم عن الشيخوخة والأمراض المتكاثرة التي قعدت به عن القيام بعملية الإفتاء في الجامعة فعاد إلى أرض وطنه بعد ما أجرت له الجامعة معاش التقاعد لحين حياته.

        وقد أتيح لي أن أتشرف بلقائه أيام إقامتي طالبًا في رحاب الجامعة، فوجدته حسن الخلق، ليّن العريكة، وافر الحنان للطلاب، كثير الإرشاد إلى هدفهم المنشود، كبير النصيحة لهم في السراء والضراء، شديد الإنكار للذات، بسيطاً في المأكل والمشرب، جريئًا في إبداء الحق، لايعرف الهوادة في أمر الدين، ولايخاف في الله لومة لائم، كثير التلاوة لكلام الله العزيز، دائم التسبيح لله بحمده، سخيّ الدمعة على عواقب العصيان، عظيم الرجاء لرحمة الله تعالى. كان المفتي رحمه الله أديبًا موهوبًا إلى جانب كونه عالماً كبيرًا ومفتيًا ورعًا، حظ الطبع فيه أكثر من حظ الصنعة، يؤلف ويكتب في لفظ قويّ ومعنى رشيق، وأسلوب سهل مبتكر، بعيد عن الزخرف والصنعة، حيث أنتج مئات من الكتب والمقالات في موضوعات متنوّعة تعكس علو كعبه في العلوم وتعمقه في الدراسات، وصحة فهمه وسلامة فكره، وصفاء قريحته، وحبه للدين والعقيدة، بالإضافة إلى روعة الأسلوب وعذوبة الوصف، ومؤلفاته الغوالي الكاشفة عن موسوعيّته النادرة لقيت قبولاً وإعجاباً بالغاً في الأوساط العلميّة والفقهيّة والدينيّة والاجتماعية على السواء حتى نقل بعضها إلى اللغات الأكثر انتشارًا في العالم.

        فمضى وقد أبقى آثاره

                              ومن الرجال معمر الذكر

        ونظرًا لأعماله العظيمة في مجالات العلم والفقه، اختارته الهيئة المركزية لمجمع الفقه الإسلامي بالهند رئيسًا له إثر وفاة مؤسسه فقيه الهند في العصر الأخير القاضي مجاهد الإسلام القاسمي رحمه الله وبقي المفتي يتولّى مسؤولية رئاسته حتى ناداه ربه تعالى فلبّاه، وورّي جثمانه في مقبرة آبائه في أرض وطنه بعد ماصلّى عليه حشد غفير من العلماء والدعاة والمفكرين، والقادة، ووجهاء البلد ورجال السياسة والأعمال.

        اللّٰهم ارحمه رحمة واسعة، واغفر له زلاته، وتغمده بواسع غفرانك، وأسكنه بحبوحة جنانك، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.

*  *  *



(*)   مدرس للتربية الإسلامية واللغة العربية بمدرسة التكامل الهندية جليب الشيوخ - الكويت. Qasmikw@yahoo.com