مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، رمضان وشوال 1432هـ = أغسطس وسبتمبر 2011م ، العدد : 9-10 ، السنة : 35

 

 

الفـكر الإســــــــلامي

 

 

على المسلم أن يستقبل هذا الشهر بما يليق به من الاحترام

 

 

بقلم : فضيلة الشيخ صالح بن فوزان  الفوزان

 

 

 

        شهرُ رمضان شهر عظيم، ينزل علينا ضيفاً كريمًا، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيْ أُنْزِلَ فِيهِ القرآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَان..﴾ (البقرة:185)، جعل الله صيامَه أحد أركان الإسلام، وقيام ليله من النوافل العظام، وهو شهر الصبر، وشهر التلاوة للقرآن، وشهر الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، وشهر مضاعفة الحسنات وتكفير السيئات، شهر ينتصر فيه الحق على الباطل فيتغلب فيه المؤمن على النفس الأمارة بالسوء، ويغل فيه الشيطان فتزول المعوقات عن فعل الطاعات. شهر فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم.

        فينبغي للمسلم أن يستقبل هذا الشهر بما يليق به من الاحترام، وليسأل ربّه فيه أن يعينه على فعل ما يرضيه، ويتقبل منه صالح الأعمال فيه؛ فإن من بلَّغه الله شهرَ رمضان ومكنه فيه من فعل الخيرات فقد منَّ عليه بنعمة عظيمة يجب عليه أن يفرح بها غاية الفرح كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (يونس:58).

        فالفرح المحمود إنما يكون بفضل الله وبرحمته وهو الفرح بالهدى ودين الحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا سيّما في مواسم الهدى والدين كهذا الشهر المبارك؛ فإن المؤمن يفرح بدومه ويستبشر بحلوله وإدراكه ليناله من خيره ويصيب من بره ونفحاته.

        وأما الفرح بحصول مطامع الدنيا وملذاتها فهو فرح مذموم، قال الله تعالى: ﴿.. وَفَرِحُوا بِالْحَيَوٰةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَوٰةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ﴾ (الرعد:26)، وهذا الفرح هو الذي لا يحب الله أهله كما قال الله تعالى: ﴿.. إنَّ اللهَ لايُحِبُّ الفَرِحِيْنَ﴾ (القصص:76)؛ لأنه فرح بمتاع زائل وطَمع عَاجَل على الأشر والبطر ويلهي عن الطاعة وينسي الآخرة.

        وإن أعظم ما يتقرَّب به إلى الله في هذا الشهر وفي غيره هو المحافظة على الفرائض وأداء الواجبات وترك المعاصي والمحرمات. يقول الله تعالى في الحديث القدسي: «ومَا تقرب إلي عبدي بمثل ما افترضته عليه».

        وأعظم فرائض الله بعد الشهادتين أداء الصلوات الخمس في مواقيتها في بيوت الله مع جماعة المسلمين في شهر رمضان وغيره؛ فإن بعض الناس يستاهلون بأداء هذه الصلوات طوال السنة فإذا جاء شهر رمضان، اجتهدوا فيه وهم مضيعون للصلوات الخمس قبل رمضان وبعده، فهؤلاء لا ينفعهم اجتهادهم في رمضان؛ لأنههم مضيعون لأعظم أركان الإسلام، فهم مثل من يحاول الحصول على ربح وليس معه رأس مال، والربح لا يتحقق إلا بعد سلامة رأس المال.

        وكذلك الاجتهاد في النوافل أو الاجتهاد في بعض الأوقات لا ينفع منع تضييع الفرائض؛ لكن من كان مضيعًا مفرطاً فيما مضى ثم تنبه لما جاء شهر رمضان فتاب إلى الله توبةً صحيحةً يستمر عليها في المستقبل طوال حياته فإن الله يتوب عليه ويكون شهر رمضان سبباً ليقظته ومبدأً لتوبته.

        ومن أعظم فرائض الله في شهر رمضان بعد الصلوات الخمس صيام أيامه، وقد جعله الله أحد أركان الإسلام، ومبانيه العظام، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ..﴾ (البقرة: 183)، وقال تعالى: ﴿.. فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ..﴾ (البقرة:185).

        وإن من أعظم المزايا التي اختص بها هذا الشهر المبارك صلاة التراويح فهي سنة مؤكدة لا ينبغي للمسلم تركها ويستحب فعلها جماعةً في المسجد؛ لأنها من الشعائر الظاهرة، وقد قال صلى الله عليه وسلم : «من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتِبَ له قيام ليلة»، وقال صلى الله عليه وسلم : «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدّم من ذنبه»، وهي في هذا الشهر.

        لايجوز للإمام أن يخفف صلاة التراويح تخفيفًا مخلاً فيسرع في القراءة بسرعة يسقط معها بعض الحروف أو لا يستفيد مَن وراءه، أو يخفف الركوع والسجود بحيث لا يستطيع مَن وراءه أن يأتي بالتسبيح الواجب ولا يطمئن الطمأنينة المطلوبة، فليتق الله الأئمة فيمن خلفهم.

        ومما يجب التنبيه عليه أن بعض الأئمة هداهم الله تمتد أصواتهم إلى خارج المسجد في رمضان وغيره بواسطة مكبرات الصوت، وذلك لا يجوز؛ لأنه يشوّه العبادة ويشوِّش على من حوله من المساجد الأخرى، والمطلوب من الإمام أن يقتصر سماع صوته على مَن خلفه فيجب حصر الصوت داخل المسجد.

حاول أن تكون من منة الألف

        كما تحدث فضيلة الشيخ «عائض القرني» قائلاً: أظلكم شهر كريم وضيف عظيم.

        لنعش هذه اللحظات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  وكيف استقبل الشهر العظيم وكيف احتفى بالضيف الكريم فإنه المعصوم بأبي هو وأمي الذي على أقواله تقاس الأقوال وعلى أعماله توزن الأعمال وعلى أحواله تصحح الأحوال.

        ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثيرًا﴾ (الأحزاب:21)، فلا إلٰه إلا الله ما أربح من اتبعه واقتدى بسنته واهتدى بسيرته.. ولا إله إلا الله ما أعظم خسارةً من تلفظ أقواله ولم يتبعه على منواله.. ولم يقتد بأحواله عليه الصلاة والسلام.

        وفي الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم  كان إذا رأى هلال رمضان قال «اللهم أهله علينا باليمن.

*  *  *