مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، رمضان وشوال 1432هـ = أغسطس وسبتمبر 2011م ، العدد : 9-10 ، السنة : 35

 

 

الفـكر الإســــــــلامي

 

 

من رؤية الهلال إلى كرم الصيام

 

 

بقلم : الأستاذ حافظ محمود

 

 

 

        «صيام، صيام على ما حكم قاضي الإِسلام».

        كنا في طفولتنا نسمع هذه العبارة تكاد تكون مُغَنَّاةً من مجموعة الذين يحترفون الحرف الرمضانية مثل «المسحراتية» ومن إليهم..

        وكانت هذه العبارة تتردد إثر ثبوت رؤية هلال رمضان..

        أما عبارة «على ما حكم قاضي الإسلام» فكان ذلك تعبيرًا من أولئك العامة على القرار الذي كان يصدره رئيس المحكمة الشرعية العليا بثبوت الرؤية إذ لم يكن ذلك من اختصاص فضيلة المفتي كما هو الآن.

        وكانت لرؤية هلال رمضان رنة الفرح عند كل الناس عامةً، وعند الأطفال من أمثالنا آنذاك بصفة خاصة.

        كان «فرحًا» تصحبه موسيقات قوات الأمن، وهي تدق طبولها من فوق خيولها البيضاء، وهي تتقدم فرقة الأمن التي كان موكبها يبدأ من دار محافظة القاهرة التي كان مقرها بميدان باب الخلق خلف مبنى دار القضاء ثم يأخذ الموكب مساره إلى دار المحكمة الشرعية العليا التي كان مقرها بحي الحلمية على ناصية شارع «نور الظلام».

        وكان يقام هناك في هذه المناسبة سرادق كبير يشغل فناء دار المحكمة حيث يختلف إليه مع علماء الدين كبار الموظفين الإداريين، وعلى رأسهم محافظ القاهرة.

        وعند باب المحكمة يصطف عساكر الموكب على جانبي الطريق.. ويبدأ الاحتفال بتلاوة آيات الذكر الحكيم، بينما يكون النظارة للهلال وقوفًا في أماكن مختلفة من جبل المقطم يحملون المناظير المكبرة فإذا رأوا الهلال، وغالبًا ما يرونه؛ لأن العملية كانت محسوبةً فلكيًّا بحساب الأشهر الهجرية وعندئذ يصدر رئيس المحكمة الشرعية العليا قراره بثبوت «الرؤية» وبدء شهر الصيام.

        وينطلق المنادون وهم يرددون:

        «صيام، صيام، على ما حكم قاضي الإسلام» وكان ثبوت الرؤية يبلغ جميعَ قرى مصر ومدنَها عن طريق تليفونات وزارة الداخلية ليبعث مأمور والمراكز والعمد بتكليف المنادين لينادوا في الناس بهذا النداء الجميل.

        واضح أن هذه الصورة كانت تسبق ظهور الإذاعة في مصر سنة 1934. فكان أولئك هم الإذاعة البشرية عن بداية شهر رمضان المعظم.

        أما الذين لا تصلهم أصوات أولئك المنادين فكانوا يعتمدون على شيء آخر وهو أن جميع مآذن القاهرة الأكثر من ألف مئذنة تضاء مصابيحها عقب قرار قاضي القضاة بالمحكمة الشرعية العليا مباشرةً.

        وكان يؤكد ثبوت الرؤية أطفال الأحياء الوطنية الذين ينطلقون في كل مكان حاملي فوانيسهم الملونة منشدين النشيد الرمضاني القديم «وحوى يا وحوى».

*  *  *

        ومنذ اللحظة الأولى كانت تبدو المشاهد الرمضانية ومنها أن أصحاب البيوت الذين أفاء الله عليهم من فضله كانوا يضعون أمام أبواب بيوتهم موائد حافلةً بما يسمونه «ياميش رمضان» فكان الذين بهم خصاصة يجدون فوق هذه الموائد ما يغترفون منه لصغارهم.. فيبدأ الشهر الفضيل بلا تفرقة بين غني وفقير.

*  *  *

        لكن السهرة في المساجد الكبرى كانت متعةً لنا في تلك الأيام، حيث كنا ندخل ساحة المسجد الزينبي فتلقانا نفحات من الروائح العطرية المستحبة في تلك الأحياء التي كان يتبرع بها تجار كل حي.

*  *  *

        لكن أعجب التبرعات التي استوقفت أنظارنا تبرع طبيب عيون كان قد وفّقه الله لاختراع قطرة تجلو أي عين.. وكان هذا الطبيب يحمل زجاجةً ضخمةً مليئةً بهذه القطرة وللزجاجة «قطارة خاصة» تحدد عدد القطرات التي تطيقها كل عين إلى جانب ما كان بها من منظف تلقائي يضغط كل عين إلى جانب ما كان بها من منظف تلقائي يضغط عليه الطبيب عقب كل تقطير في عين كل من شاء من الساهرين في ساحة هذا المسجد للاستماع إلى كبار قراء الآيات البينات ومشاهيرهم.

        وكانت تتخلل السهرة أحاديث يلقيها كبار علماء الدين تطوعاً على طريقة شيخنا الجليل الشيخ الشعراوي.

*  *  *

        وذات ليلة كنا نستمع من أحاديث العلماء حديثًا عما يوحى به شهر رمضان من نفحات الإحسان.

        وعقب خروجنا من المسجد لاحظنا أن أحد رفاق الطفولة يبكي، وكان يتيمًا مثلي.. فألحجت عليه أن يفصح عما يبكيه.. فإذا به يقص عليّ قصةً ما ضاع من ثروة أبيه الذي كان صديقًا لأبي، وأن هناك قضايا في المحاكم؛ لكن أمه لا قدرة لها على تكاليف هذه القضايا.

        ورغم أن هذا الزميل استحلفني ألا أبوح بشيء من هذا لرفاقنا إلا أنني كنت أعرف رفيق طفولة من مجموعة أخرى ينتمي إلى أسرة الشيخ «محمد عزالعرب» الذي كان نقيبًا للمحـامين الشرعيين دون أن اقترح عليه شيئًا.

        وفوجئت في اليوم التالي بأن هذا الصديق الطفل يقول لي: إن عمه النقيب يريد أن يطّلع على أوراق هذه القضية.

        وبعد جهد جهيد اقنعت الخالة أم الزميل المحزون بأن تجئ بأوراقها لعرضها على الشيخ النقيب.

        وقابلنا المحامي الشرعي العظيم الذي أطلق اسمه على شارع المبتديان حتى الآن مرحبًا بنا ثم انصرف عنا لحظات لقراءة أوراق هذه القضية.. ثم رفع رأسه عن هذه الأوراق قائلاً: «ياست: أنا مستعد لرفع هذه القضية والحضور فيها بنفسي».

        وسألته السيدة: وكم تكون «الأتعاب» يا فضيلة الأستاذ.

        فأجاب الرجل: أنا سآخذ اتعابي من المبالغ التي سأحصلها لكم.

        وبكت السيدة بكاءً حارًا.

        ولاحظ الرجل أن وراء هذه الدموع مأساة، فإذا به يقدم لها مبلغاً من المال قائلاً لها: «في أول كل شهر تبعثين إلى بمن اعطيه هذا المبلغ كي يحمله إليك، ولا تحسبي أنها صدقة».

        إنني واثق بإذن الله أنني سأحصل كل مالي عند الحكم في هذه القضية إن شاء الله.

        وهمس رفيق طفولتي ابنُ هذه السيدة في أذني قائلاً: قل لأصحابنا دون أن نقص عليهم قصتنا إنّ رمضانَ كريمٌ.