مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، رمضان وشوال 1432هـ = أغسطس- سبتمبر 2011م ، العدد : 9-10 ، السنة : 35

 

 

دراسات إسلامية

 

 

الصحابة تلاميذ المدرسة النبوية

 

 

بقلم :  الأستاذ محمد ساجد القاسمي(*)

 

 

 

المدرسة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام

        إن الرعيل الأول من الأمة الإسلامية وهم صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم تلاميذ المدرسة النبوية، وأمثلة رائعة للتعليم النبوي، تجلت فيهم عبقرية المعلم الأعظم صلى الله عليه وسلم التعليمية والتربوية بأسمى مظاهرها،فعادوا صورًا حيةً للقرآن، ومعاييرساميةً للإيمان بالله ورسوله، وقدوةً عليا لمن يأتي من بعدهم إلى يوم القيامة.

        إذا تصفحنا كتب التاريخ الإنساني وجدنا في عهودها المختلفة مدارس كثيرة ومتنوعة وأصحابها المعلمين البارعين؛ ولكنا لم نجد من بينها مدرسةً أرفع شأنًا، ولاأشمخ بناءً، ولاأشمل فنونًا، ولاأسدَّ تربيةً، ولاأرشد توجيهًا، ولاأكثر إنتاجًا، ولاأغزر عطاءً، ولاأعمق أثرًا، ولاأنجح هدفًا، ولاأعود نفعًا على البشرية، من المدرسة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام.

        لقدكثرت خيرات هذه المدرسة، وعمَّ نفعها البشريةَ جمعاء، وتركت آثارًا بعيدة المدى على الحضارات والثقافات، ونسخت الملل والديانات، وغيرت مجرى التاريخ.

المعلم العبقري

        أماصاحب هذه المدرسة فمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو الرسول الخاتم، قال الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون(1). والمعلم العبقري، قال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2). وقال صلى الله عليه وسلم: إنما بعثت معلما(3). والمربي الفريد، قال تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(4). وقدوة في الأعمال والسلوكيات والآداب، قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا(5). وذوالخلق العظيم والصفات الفاضلة والقيم الرفيعة، قال الله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ(6). والقائد الجريء، يقول سيدنا علي كرم الله وجهه: كنا إذا حمي الوطيس واشتد القتال احتمينا برسول الله فلم يكن أحد أقرب إلى العدو من رسول الله(7).

        فهذا الرسول الخاتم، والمعلم العبقري، والمربي الفريد، والقدوة في الأعمال والسلوكيات، وذوالخلق العظيم، والقائد الجريء، قداختاره الله تعالى معلمًا لتعليم البشرية دينَه وشريعتَه الخالدة الخاتمة.

        وكان هذا المعلم المصطفى من الله لتبليغ شريعته للناس معلمًا بمظهره ومخبره، وحاله ومقاله، وجميع أحواله. قال معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه: مارأيت معلما لاقبله ولابعده أحسن تعليما منه(8).

        لقد أثبت التاريخ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معلمًا عظيمًا، فماكانت عليه البشرية قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم، وما آلت إليه بعد رسالته ودعوته يدل دلالةً واضحةً على ثبوت عبقريته التعليمية والتربوية.

        وهل تخرج على يد معلم في التاريخ ما تخرج على يديه صلى الله عليه وسلم من العدد الكبير من أصحابه وأتباعه؟ وكيف كانوا قبله وكيف صاروا بعده؟ إنَّ كل واحد من أصحابه دليل ناطق على عِظَم هذا المعلم الفريد. حتى قال أحد جهابذة الأصوليين- الإمام القرافي- : «لولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم معجزة إلا أصحابه، لكفوه لإثبات نبوته»(9).

الكتاب المقرر هو القرآن الكريم

        أما الكتاب المقرر في هذه المدرسة فهوالقرآن و وحي الرحمن، قال تعالى: لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ(10). الكتاب الذي رفع الله به الأمة العربية إلى ذروة المجد وسماك العلى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين(11). الكتاب الذي قال صلى الله عليه وسلم عمن يشتغل به تعليماً وتعلما: خيركم من تعلم القرآن وعلمه(12). الكتاب الذي، مَن درسه وعكف عليه  فهو من أهل الله وخاصته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله أهلين من خلقه، قالوا ومن هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته (13).

 تلاميذ المدرسة النبوية

        تلاميذ هذه المدرسة هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين اختارهم الله لصحبة نبيه، و شرح صدورهم لقبول دعوته. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار لي من أصحابي أربعة: أبا بكرو عمر وعثمان وعلياً رضي الله عنهم(14). وأعلن الله لهم عن مرضاته، فقال تعالى: وَالسَّابِقُونَ الاْوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالانْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الانْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذالِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (15). وجعلهم خلفاءه بعد وفاته، وألقى عليهم مسؤولية نشردينه وتبليغه إلى العالم. قال صلى الله عليه وسلم: ألا فليبلغ الشاهد الغائب (16).قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: من كان مُستنّاً فليستنَّ بمن قد مات، أولئك أَصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا خير هذه الأمّة، أبرَّها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلَّها تكلُّفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيِّه صلى الله عليه وسلم ونقل دينه، فتشبَّهوا بأَخلاقهم وطرائقهم؛ فهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا على الهدى المستقيم(17).

التربية النبوية

        ربَّاهم النبي صلى الله عليه وسلم فأحسن تربيتهم، وأدَّبهم فأحسن تأدبيهم، و وجَّههم فأحسن توجيههم، وصاغهم في قوالب إيمانية فريدة. وكان الصحابة مُهَيَّئِين بطبعهم واستعداداتهم ومواهبهم وقدراتهم، وبما شرح الله نفوسهم من حب لله ورسوله لهذه التربية النبوية.

        ربَّاهم وخرَّجهم على الإيمان بالله وتقواه، وحب الله ورسوله، والطاعة والانقياد لهما، والجهاد في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم، ومحاسبة النفس، والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والإيثاروالنصح للمسلمين.

        لقد خالطت هذه المعاني السامية والصفات العظيمة، والآداب الإسلامية قلوبَهم وأرواحَهم، حتى أصبحوا صورًا حيةً للقرآن تمشي على ظهر الأرض، ونماذج بشرية فريدة لم يسبق لها نظير في التاريخ. قال النبي صلى الله عليه وسلم: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم(18).

        لقد تحققت غاية تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتربيته في أصحابه، حيث عاد كلُ واحد منهم ممثلا لقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (19)

         كان كل واحد منهم صالحاً لكل مكان، ولكل مسؤولية تناط به، فكان منهم الخليفة الراشد، والجندي المقاتل، والقاضي العادل،والخازن الأمين، والداعية المخلص. وكانوا لايتولون أي منصب على أنه شرف، وإنما هو مسؤولية يُحاسَبون عليها أمام الله. وربما يغلب بعضَهم خوفُ الله ومحاسبته، فلايتولى أيَ منصب أو وظيفة.

        تكوَّن من الصحابة مجتمع إسلامي أوَّل، أُسِّسَ على المؤاخاة، والحبِّ والوئام، والإيثار والمؤاساة، والمساواة, والتراحم، والاحترام المتبادل، فكان خير المجتمعات البشرية وأفضلها.كما قامت الدولة الإسلامية الأولى التي كانت نموذجاً أسمى للحكومة العادلة. وكان خلفاؤها الراشدون مثالاً للنـزاهة والتقوى، وبسط العدل، وأداء الحقوق، والمحافظة على القيم الإنسانية.

        فلما لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى خلفوه وحملوا أعباء دينه، ونشروه في أقطارالعالم. فإذا فارس مسلمة، وإذا رومة مسلمة، وإذا الناس يدخلون في دين الله أفواجًا.

        فبفضل التربية النبوية المدهشة أصبح الصحابةُ جماعةً متميزةً ونخبةً نادرةً من البشر، وصدرت عنهم نوادر وغرائب في العقيدة والإيمان وتحمل الشدائد في سبيلهما، وحبِّ الله ورسوله، وطاعتهما والانقياد لهما، والشوق إلى الشهادة، والزهد في حطام الدنيا، والإيثار والمؤاخاة، ومحاسبة النفس، لايرجى ولايتصور أكثر منها من الإنسان.

تحمل الشدائد في سبيل العقيدة والإيمان

        لقد خالط الإيمان قلوب الصحابة رضي الله عنهم، جتى جري منهم مجرى الدم؛ فتحملوا في مكة في سبيل العقيدة والإيمان من الشدائد، وذاقوا من أصناف الأذى ما تقشعر لمجرد سماعها الجلود، وتذوب لهولها القلوب. فهذه أسرة ياسر: زوجه سمية وابنه عمار أسلموا جميعًا، فكان كفار مكة يعذبونهم في الله أشدَّ العذاب، فمرَّ بهم رسول الله، فقال لهم: صبراً يا آل ياسر، صبراً يا آل ياسر؛ فإنَّ موعدكم الجنة. وطعن أبوجهل سميَّة في قُبُلها فماتت، ومات ياسر في العذاب، فكانت سمية أول شهيدة في الإِسلام(20).

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

        ولما ضاقت أرض مكة على المسلمين بما رحبت، وبلغ السيل الزبى، أذن الله لهم بالهجرة، فهاجروا إلى المدينة، فتلقاهم أهلها بالترحاب، ونصرهم نصرًا مؤزرًا، وعاملوهم بالإيثار، والأخوة، ورحابة الصدر معاملةً منقطعةَ النظير، حتى أثنى الله تعالى عليهم ثناءً عاطرًا، حيث قال تعالى: لِلْفُقَرَآء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ الله وَرِضْواناً وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (21).

        قال البراء بن عازب رضي الله عنهما: أول من قدم علينامن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مُصعب بن عمير وابن أمِّ مكتوم رضي الله عنهما، فجعلا يُقْرِآنِنا القرآن. ثم جاء عمار وبلال وسعد رضي الله عنهم. ثم جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عشرين. ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به. (22).

        ولما هاجر عبد الرحمن بن عوف إلى المدينة كان فقيرًا لا شئ له، فآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع أحد النقباء، فعرض عليه أن يشاطره نعمته، وأن يطلق له أحسن زوجتيه، فقال له: بارك الله لك في أهلك ومالك، ولكن دلني على السوق(23).

الجهاد في سبيل اللّه

        بايع الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجهاد في سبيل الله، وقد وفوا بما بايعوا وعاهدوا، فجعلوا ذلك أكبرهمهم وغاية حياتهم، وآثروا عيش الآخرة على متاع الحياة الدنيا. قال أنس رضي الله عنه: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غَدَاة باردة، ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم. فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:

اللّهمَّ إِنَّ العيشَ عَيْش الآخرهْ

فـاغفــرِ الأنصـارَ والمهاجـرهْ

        فقالوا مجيبين له:

نحن الذين بايعوا محمداً

   على الجهاد ما بقينا أبـداً (24)

        بل بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت في سبيل الله قال سَلَمة رضي الله عنه: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ثم عدلت إلى ظلِّ الشجرة. فلمَّا خفَّ الناس قال: يا ابن الأكوع ألا تبايع؟ قال: قلت: قد بايعت يا رسول الله. قال: أيضاً، فبايعته الثانية، فقلت له: يا أبا مسلم على أي شيء كنتم تبايعون يومئذٍ؟ قال: على الموت(25).

حب رسول اللّه S

        كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلى الصحابة من أنفسهم؛ فقد حفظ لنا التاريخ الإسلامي من حبهم له صلى الله عليه وسلم وفدائهم مايتضاءل دونه حب العشاق والمحبين.

        قدم وفد من قبائل عضل والقارة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أن أنباء الإسلام قد وصلتهم.. ويحتاجون إلى من يعلمهم الدين، ويقرئهم القرآن الكريم.. فأرسل النبى صلى الله عليه وسلم رهطاً من الدعاة يبلغون عشرة رجال يرأسهم عاصم بن ثابت .. حتى إذا كانوا بين عسفان  و مكة  قريبًا من هذيل عند ماء يقال له «الرجيع» ظهر الغدر المبيّت.. فما شعر الدعاة إلا بالسيوف تحصد رقابهم بأيدى هؤلاء الغدرة الفاجرين.. وبمعونة قوم من  هذيل، واستسلم ثلاثة للأسر، وبيع الأسرى  لقريش .. فحاول أحدهم عبد الله بن طارق أن يفلت فقتلوه، واشترى صفوان بن أمية الأسير الثانى: زيد بن الدثنة ليقتله بأبيه.. وعندما أراد قتله حدث مشهد من أروع ما خلده التاريخ: زيد يتهيأ لفصل رأسه من عنقه، وأبو سفيان يناقشه:  أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدًا الآن عندنا مكانك تضرب عنقه وأنت فى أهلك؟ فقال البطل المؤمن: والله ما أحب أن محمدًا الآن فى مكانه الذى هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس فى أهلى، فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا، ثم قتل زيد، وصدق الشاعر:

        أسرت قريش مسلمًا فى غزوة

                              فمضى بلا وجل إلى السياف

        سألوه هل يرضيك أنك آمن

                              ولك النبى فدى من الإتلاف

        فأجاب كلا لا سلمت من الردى

                              ويصاب أنف نبينا بـرعــاف (26)

        لما انفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصحابة رضي الله عنهم، يوم أحد ولم يبق معه إلا بضعة رجال، انتهز المشركون هذه الفرصة، فأخذوا يمطرون عليه وابلاً من السهام، فترس أبودجانة عليه صلى الله عليه وسلم، والنبل يقع فيه، وهولايتحرك.

        هذا مشهد من مشاهد الحب والفداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل رأى التاريخ مشهدًا أعجبَ وأغربَ من هذا المشهد.(27)

محاسبة النفس

        لقد بلغ الصحابة من خوف الله وتقواه ومحاسبة النفس على ما تصدر عنها من المعاصي في حين من الأحيان أنه إذا سقط أحد سقطةً، أو قارف معصيةً وخزه عليها ضميره، فيقف بنفسه أمام القانون، ويطالبه أن يعاقبه عليها، حتى يلقى الله طاهرًا من ذنبه. فقد روى عبد الله بن بريدة عن أبيه أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله إني قد ظلمت نفسي وزنيت وإني أريد أن تطهرني. فرده فلما كان من الغد أتاه فقال يا رسول الله إني قد زنيت. فرده الثانية فأرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى قومه فقال:  أتعلمون بعقله بأساً تنكرون منه شيئًا.

        فقالوا ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضاً فسأل عنه فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله، فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم.

        قال فجاءت الغامدية فقالت يا رسول الله إنى قد زنيت فطهرني. وإنه ردها فلما كان الغد قالت يا رسول الله لم تردني لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا فوالله إني لحبلى. قال: أما لا فاذهبي حتى تلدي. فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة قالت هذا قد ولدته. قال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه. فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام. فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها، فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فتنضح الدم على وجه خالد، فسبَّها فسمع نبى الله -صلى الله عليه وسلم- سبه إياها فقال: مهلاً يا خالد، فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبةً لو تابها صاحب مكس لغفر له. ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت(28).

الإيثار

        عرفت المجتمعات البشرية الإيثارو قضاء حوائج الآخرين، وعاملت بهما المحتاجين، غير أن الإيثار الذي عامل به الصحابة بعضهم بعضاً، لم تعرف المجتمعات البشرية له نظيرًا في تاريخها الطويل.

        قال أبوجهم بن حذيفة العدوي: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عمي و معي شنة من ماء أو إناء فقلت : إن كان به رمق سقيتهُ من الماء أو مسحتُ به وجهه فإذا أنا به ينشع فقلت : أسقيك فأشار أي نعم فإذا رجل يقول : آه فأشار ابن عمي أن انطلق به إليه، فإذا هو هشام بن العاص أخو عمرو، فأتيته فقلت أسقيك فسمع آخر فقال : آه فأشار هشام أن انطلق به إليه فجيئه فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات (29).

الشوق إلى الشهادة

        أثار رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحابة رضي الله عنهم كوامن الشوق إلى الشهادة، ورباهم على الاستهانة بالموت، فكان اليافعون والفتيان والشبان، حتى الشيوخ يتحرّقون شوقًا إلى الشهادة، ويتسابقون فيها، ويحرصون على الموت حرصَنا على الحياة. وهذا أحد أسرار الانتصارات العظيمة التي حققها الصحابة الكرام رضي الله عنهم.

        كان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج، وكان له أربعة بنين شباب يغزون مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا غزا، فلما أراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يتوجه إلى أحد، قال له بنوه: إن الله عز وجل قد جعل لك رخصة، فلو قعدت فنحن نكفيك، فقد وضع الله عنك الجهاد، فأتى عمرو بن الجموح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال : يا رسول الله، إن بني هؤلاء يمنعوني أن أخرج معك، والله إني لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة. فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد. وقال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه لعل الله عز وجل يرزقه الشهادة؟. فخرج مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقتل يوم أحد شهيدًا(30).

الزهد في الدنيا

        هذا خالد بن الوليد سيف الله المسلول، وأعظم قواد العالم، وكان النصرحليفه أينما توجه، وسقطت على يديه دولتا الفرس والروم، وهل كان يملك قصورًا فخمةً، وأموالاً طائلةً، وأراضي واسعةً؟ كما عهدنا أصحاب القيادات اليوم، فلنسأل كتب التاريخ عما كان يملكه هذا القائد العظيم لدى وفاته.

        لما توفي أبو بكر، و ولي عمر بن الخطاب، عزل خالدًا عما كان عليه، و ولى أبا عبيدة بن الجراح، فلم يزل خالد مع أبي عبيدة في جنده يغزو، وكان له بلاء وغناء وإقدام في سبيل الله حتى توفي، رحمه الله، بحمص سنة إحدى وعشرين، وأوصى إلى عمر بن الخطاب، ودفن في قرية على ميل من حمص.

        ولما مات خالد بن الوليد لم يدع إلا فرسه وسلاحه وغلامه، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، رحمه الله، فقال: يرحم الله أبا سليمان، كان على غير ما ظننا به (31).

        إن الصحابة رضي الله عنهم قد تخرجوا في مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم على القرآن، وتربَّوا في أحضانه المباركة على وحي الرحمن. واقتبسوا من أنواره واقتدوا بهديه، وسلكوا على دربه، وحملوا رأية دينه بعده. فهم نماذج بشرية فريدة في إيمانهم وعقيدتهم، ودينهم ودعوتهم، وحبهم لله ورسوله، وجهادهم في سبيل الله، وزهدهم في الدنيا، ورغبتهم في الآخرة، وخلقهم وآدابهم، وسلوكهم ومعاملاتهم؛ بل في جميع شؤون حياتهم. فهم قدوة لمن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة، وحياتهم وسيرتهم معين لاينضب للأمة الإسلامية تستقي منه حركتها ونشاطها، وتنعش به حياتها،كلما عراها نصب أو أصابها فتور في سفرها الطويل.

        رضي الله عنهم ورضوا عنه وأرضاهم.

الهوامش :

(1)   سورة سبأ/28.

(2)   الجمعة/3.

(3)   سنن ابن ماجه 1/83، رقم:229

(4)   النحل44.

(5)   الأحزاب21.

(6)   القلم/4.

(7)   عبقرية محمد للعقاد ص: 52.

(8)   رواه مسلم2/70 رقم:1227.

(9)   الرسول المعلم للشيخ عبد الفتاح أبوغدة ص:14.

(10)  فصلت/42.

(11)  أخرجه مسلم: حديث/ 817، 1/559.

(12)  فضائل القرآن لابن كثير.

(13)  فضائل القرآن للنسائي.

(14)  حياة الصحابة3/228.

(15)  التوبة: 100.

(16)  صحيح البخاري 490  رقم:4406.

(17) حياة الصحابة1/25.

(18) جامع الأصول 8/556 رقم:6369.

(19) آل عمرآن/110.

(20) حياة الصحابة1/308.

(21) الحشر: 8، 9.

(22) حياة الصحابة1/365.

(23) سير أعلام النبلاء 1/91.

(24)  حياة الصحابة 1/339.

(25) صحيح البخاري ص 415.

(26) دروس وعبرمن سيرة خيرالبشر للأستاذمحمد المختارمحمد  المهدي1/52.

(27)  فصول من السيرة1/133.

(28)  مسلم رقم:4528.

(29)  شعب الإيمان3/260.

(30)  السنن الكبرى للبيهيقي9/24.

(31)  الطبقات الكبرى لابن سعد7.

*  *  *

(*)       أستاذ الأدب العربي بالجامعة الإسلامية دارالعلوم/ ديوبند



(*)     أستاذ الأدب العربي بالجامعة الإسلامية دارالعلوم/ ديوبند