مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، رمضان وشوال 1432هـ = أغسطس- سبتمبر 2011م ، العدد : 9-10 ، السنة : 35

 

 

 

غزوة بدر الكبرى: أول معركة من معارك الإسلام الفاصلة

القلم في التراث العربي والإسلامي

دعوة إلى تحقيق التراث

 

 

دراسات إسلامية

 

 

غزوة بدر الكبرى: أول معركة من معارك الإسلام الفاصلة

 

 

بقلم :  الأستاذ طلال حميد البلوي

 

 

 

        يوم السابع عشر من كل رمضان يعود بنا سريعاً إلى اليوم السابع عشر من شهر رمضان المبارك قبل 1423سنة هجرية خلت أي في السنة الثانية للهجرة حيث وقعت غزوة بدر الكبرى التي كانت أول معركة فاصلة من معارك الإسلام سطرت أروع البطولات للمسلمين إنها معركة لا ولن تنسى على مر التاريخ، والآن سنحدثكم عن هذه الغزوة بإيجاز:

        استعد رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج ومعه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً 313، أو 314، 317 رجلاً، 82 أو 83، 86 من المهاجرين و 61 من الأوس و 170 من الخزرج ولم يحتفلوا لهذا الخروج احتفالاً بليغًا، ولا اتخذوا أهبتهم كاملةً، فلم يكن معهم إلا فرسان، وكان معهم سبعون بعيراً ليعتقب الرجلان والثلاثة على بعير واحد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي ومرثد بن ابي مرثد الغنوي يتعقبون بعيرًا واحدًا.

        أما جيش المشركين فهو نحو ألف وثلاثمائة مقاتل في بداية سيره، وكان معه مائة فرس وستمائة درع، وجمال كثيرة لا يعرف عددها بالضبط وكان قائده العام أبا جهل بن هشام، والقائمون بتموينه تسعة رجال من أشراف قريش، فكانوا ينحرون يوماً تسعاً ويوماً عشرًا من الإبل. وقد خرجوا من ديارهم، كما قال الله: ﴿بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾، واقبلوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بحدهم وحديدهم، يحادون رسوله، ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾، وعلى حمية وغضب وحنق على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لاجتراء هؤلاء على قوافلها.

        تحركوا بسرعة فائقة نحو الشمال في اتجاه بدر، وسلكوا في طريقهم وادي عسفان، ثم قديد، ثم الجحفة، وهناك تلقوارسالةً جديدةً من أبي سفيان يقول لهم فيها: إنكم إنما خرجتم لتحرزوا عيركم ورجالكم وأموالكم، وقد نجاها الله فارجعوا.

        ولما تلقى هذه الرسالة جيش مكة هم بالرجوع، ولكن قام طاغية قريش أبو جهل في كبرياء وغطرسة قائلاً: والله لا نرجع حتى نرد بدرًا، فنقيم بها ثلاثاً فننحر الجزور، ونطعم الطعام ونسقي الخمر، وتعزف لنا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون بهابوننا أبدًا.

        فواصل سيره حتى نزل قريباً من بدر، وراء كثيب يقع بالعدوة القصوى على حدود وادي بدر.

        وأنزل الله عز وجل في تلك الليلة مطرًا واحدًا، فكان على المشركين وابلاً شديدًا منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طلاطهرهم به، وأذهب عنهم رجس الشيطان، ووطئ به الأرض، وصلب به الرمل، وثبت الأقدام، ومهد به المنزل، وربط به على قلوبهم.

        وتحرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيشه، ليسبق المشركين إلى ماء بدر، ويحول بينهم وبين الاستيلاء عليه، فنزل عشاء أدنى ماء من مياه بدر، وهنا قام الحباب بن المنذر كخبير عسكري وقال: يا رسول الله، أرايت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله، ليس لنا ان نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟: قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، قال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من قوم قريش فننزله ونغور أي نخرب ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضاً، فنملأه ماءً، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجيش، حتى أتى أقرب ماء من العدو، فنزل عليه شطر الليل، ثم صنعوا الحياض، وغوروا ما عداها من القلب.

        وبعد أن تم نزول المسلمين على الماء اقترح سعد بن معاذ على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبني المسلمون مقراً لقيادته، استعدادًا للطوارئ، وتقدير اللهزيمة قبل النصر، فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا، ودعا له بخير، وبنى المسلمون عريشاً على تلك مرتفع يقع في الشمال الشرقي لميدان القتال، ويشرف على ساحة المعركة.

        كما تم انتخاب فرقة من شباب الأنصار بقيادة سعد بن معاذ، يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم حول مقر قيادته.

        ثم عبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشه، ومشى في موضع المعركة، وجعل يشير بيده: هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله، وهذا مصرع فلان غدا إن شاء الله، ثم بات رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جذع شجرة هنالك، وبات المسلمون ليلهم هادئ الأنفاس منير الآفاق، غمرت الثقة قلوبهم، وأخـذوا من الراحـة قسطهم، يأملون أن يروا بشائر ربهم يعيــونهم صباحــاً: ﴿إِذْ يُغَشِّيْكُمُ النُّعَاسَ أمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاءِ مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِه وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾.

        كانت هذه الليلة ليلة الجمعة، السابع عشر من رمضان في السنة الثانية من الهجرة وكان خروجه في 18 و 12 من الشهر نفسه.

        ولما طلع المشركون، وتراءى الجمعان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة)، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا.

        وعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوف المسلمين، وبينما هو يعدلها وقع أمر عجيب، فقد كان في يده قدح يعدل به، وكان سواد بن غزية مستنصلاً من الصف، فطعن في بطنه بالقدح وقال: (استو يا سواد)، فقال سواد: يا رسول الله أو جعتني فأفدني: فكشف عن بطنه، وقال: (استفد) فاعتنقه سواد وقبَّل بطنه، فقال: (ما حملك على هذا يا سواد)؟ قال: يا رسول الله قد حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير.

        ولما تم تعديل الصفوف أصدر أوامره إلى جيشه بألا يبدؤوا القتال حتى يتلقوا منه الأوامر الأخيرة، ثم أدلى إليهم بتوجيه خاص في أمر الحرب فقال: (إذا أكثبوكم يعني كثروكم فارموهم، واستبقوا نبلكم، ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم)، ثم رجع إلى العريش هو وأبوبكر خاصةً، وقام سعد بن معاذ بكتيبة الحراسة على باب العريش.

        وطلب المشركون المبارزة ولكن كانت نهاية هذه المبارزة بداية سيئة بالنسبة إلى المشركين، فقدوا ثلاثة من خيرة فرسانهم وقادتهم دفعةً واحدةً، فاستناطوا غضبًا، وكروا على المسلمين كرة رجل واحد.

        وأما المسلمون فبعد أن استنصروا ربهم، واستغاثوه، وأخلصوا له وتضرعوا له، وتضرعوا إليه، تلقوا هجمات المشركين المتوالية، وهم مرابطون في مواقعهم، واقفون موقف الدفاع، وقد ألحقوا بالمشركين خسائر فادحة، وهم يقولون: أحد أحد.

        وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان منذ رجوعه بعد تعديل الصفوف يناشد ربه ما وعده من النصر، ويقول: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك)، حتى إذا حمى الوطيس، واستدرات رحى الحرب بشدة، واحتدم القتال، وبلغت المعركة قمتها، قال: (اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبداً)، وبالغ في الابتهال حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فرده عليه الصديق، وقال: حسبك يا رسول الله، ألححت على ربك:

        وأوحى الله إلى ملائكته ﴿أنِّي مَعَكُمْ فَثَبَتُوْا الَّذِيْنَ آمَنُوْا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِيْنَ كَفَرُوا الرّعْبَ﴾، وأوحى إلى رسوله ﴿أَنِّي مُمِدُّكُم بأَلْفٍ مِنَ الْملاَئِكَةِ مُرْدِفِيْنَ﴾ أي أنهم ردف لكم، أو يردف بعضهم بعضاً إرسالاً يأتون دفعةً واحدةً.

        وأغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم أغفاءةً واحدةً، ثم رفع رأسه فقال: (أبشر يا أبابكر، هذا جبريل على ثناياه النقع) (أي الغبار)، وفي رواية محمد بن إسحاق: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل أخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع).

        ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب العريش، وهو يثب في الدرع، ويقول: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾، ثم أخذ حفنةً من الحصباء، فاستقبل بها قريشاً وقال: (شاهت الوجوه)، ورمى بها في وجوههم، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينه ومنخريه وفمه من تلك القبضة، وفي ذلك أنزل الله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلٰكِنَّ اللهَ رَمَى﴾.

        وحينئذ أصدر إلى جيشه أوامره الأخيرة بالهجمة المضادة فقال: (شدوا)، وحرضهم على القتال قائلاً: (والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة) وقال وهو يحضهم على القتال: (قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض)، (وحينئذ) قال العمير بن الحمام: بخ، بخ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يحملك على قولك: بخ، بخ)؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: (فإنك من أهلها)، فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى أكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل.

        وكذلك سأله «عوف بن الحارث ابن عرفاء» فقال: يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده! قال غمسه يده في العدو حاسرًا، فنزع درعاً كانت عليه، فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل.

        وحين أصدر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر بالهجوم المضاد كانت حدة هجمات العدو ذهبت، وفتر حماسه، فكان لهذه الخطة الحكيمة أثر كبير في تعزيز موقف المسلمين، فإنهم حينما تلقوا أمر الشد والهجوم وقد كان نشاطهم الحربي على شبابه قاموا بهجوم كاسح مرير، فجعلوا يقبلون الصفوف، ويقطعون الأعناق وزادهم نشاطاً وحدةً أن رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع ويقول في جزم وصراحة ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾، فقاتل المسلمون أشد القتال، ونصرتهم الملائكة، ففي رواية ابن سعد عن عكرمة قال: كان يومئذ يندر رأس الرجل لايدري من ضربه، وتندر يد الرجل لايدري من ضربها، وقال ابن عباس: بينما رجل من المسلمين يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربةً بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: اقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة)، وقال أبوداود المازني: أني لأتبع رجلاً من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري، وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا، فقال العباس: إن هذا والله ما أسرني، لقد اسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهاً على فرس أبلق، وما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله فقال: (اسكت فقد أيدك الله بملك كريم). ولما رأى إبليس وكان قد جاء في صورة «سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي» كما ذكرنا، ولم يكن فارقهم منذ ذلك الوقت فلما رأى ما يفعل الملائكة بالمشركين فرونكص على عقبيه، وتشبث به «الحارث بن هشام» وهو يظنه سراقة فوكز في صدر الحارث فألقاه، ثم خرج هارباً، وقال له المشركون: إلى أين يا سراقة؟ ألم تكن قلت: إنك جار لنا، لا تفارقنا؟ فقال: اني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، والله شديد العقاب، ثم فرحتي ألقى نفسه في البحر.

        وبدأت إمارات الفشل والاضطراب في صفوف المشركين، وجعلت تتهدم أمام حملات المسلمين العنيفة، واقتربت المعركة من نهايتها، وأخذت جموع المشركين في الفرار والانسحاب المبدد، وركب المسلمون ظهورهم يأسرون ويقتلون حتى تمت عليهم الهزيمة.

        وانتهت المعركة بهزيمة ساحقة بالنسبة إلى المشركين، وبفتح مبين بالنسبة للمسلمين، وقد استشهد من المسلمين في هذه المعركة أربعة عشر رجلاً، ستة من المهاجرين وثمانيةً من الأنصار.

        أما المشركون فقد لحقتهم خسائر فادحة، قتل منهم سبعون وأسر سبعون، وعامتهم القادة والزعماء والصناديد.

        ولما انفضت الحرب أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وقف على القتلى، فقال: (بئس العشيرة كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، واخرجتموني وآواني الناس) ثم أمر بهم، فسحبوا إلى قليب من قلب بدر.

القرآن يتحدث حول موضوع المعركة

        وحول موضوع هذه المعركة نزلت سورة الأنفال، وهذه السورة تعليق إلهي إن صح هذا التعبير على هذه المعركة، يختلف كثيرًا عن التعاليق التي ينطق بها الملوك والقواد بعد الفتح.

        إن الله تعالى لفت أنظار المسلمين أولاً إلى التقصيرات والتفاريط الأخلاقية التي كانت قد بقيت فيهم، وصدرت بعضها منهم، ليسعوا في تكميل نفوسهم وتزكيتها عن هذه التفاريط.

        ثم أثنى بمن كان في هذا الفتح من تأييد الله وعونه ونصره بالغيب للمسلمين، ذكر لهم ذلك لئلا يغتروا بشجاعنهم وبسالتهم، فتتسور نفوسهم الغطرسة والكبرياء بل ليتوكلوا على الله ويطيعوا رسوله عليه الصلاة والسلام.

        ثم بين لهم الأهداف والأغراض النبيلة التي خاض الرسول الله صلى الله عليه وسلم لأجلها هذه المعركة الدامية، ودلهم على الصفات والأخلاق التي تسببت في الفتوح في المعارك.

        وخاطب المشركين والمنافقين واليهود وأسارى المعركة وعظهم موعظةً بليغةً، تهديهم إلى الاستسلام للحق والتقيد به.

        ثم خاطب المسلمين حول موضوع الغنائم، وقنن لهم مبادئ وأسس هذه المسألة.

        وبين وشرع لهم من قوانين الحرب والسلم ما كانت الحاجة تمس إليها بعد دخول الدعوة الإسلامية في هذه المرحلة، حتى تمتاز حروب المسلمين على حروب أهل الجاهلية، ويقوم لهم التفوق في الأخلاق والقيم والمثل، ويتأكد للدنيا أن الإسلام ليس مجرد وجهة نظرية، بل إنه يثقف أهله عمليًا على الأسس والمبادئ التي يدعو إليها.

        ثم قرر بنودًا من قوانين الدولة الإسلامية التي تقيم الفرق بين المسلمين الذين يسكنون داخل حدودها، والذين يسكنون خارجها.

        وفي السنة الثانية من الهجرة فرض صيام رمضان، وفرضت زكاة الفطر، وبينت أنصبة الزكاة الأخرى، وكانت فريضة زكاة الفطر وتفصيل أنصبة الزكاة الأخرى، تخفيفًا لكثير من الأوزار التي يعانيها عدد كبير من المهاجرين اللاجئين الذين كانوا فقراء لايستطيعون ضربًا في الأرض.

        ومن أحسن المواقع وأروع الصدق أن أول عيد تعيد به المسلمون في حياتهم هو العيد الذي وقع في شوال سنة 2هـ إثر الفتح المبين الذي حصلوا عليه في غزوة بدر، فما أروع هذا العيد السعيد الذي جاء به الله بعد أن توج هامتهم بتاج الفتح والعز، وما أروع منظر تلك الصلاة التي صلوها بعد أن خرجوا من بيوتهم يرفعون أصواتهم بالتكبير والتوحيد والتحميد، وقد فاضت قلوبهم رغبةً إلى الله، وحنينًا إلى رحمته ورضوانه بعد ما أولاهم من النعم، وأيدهم به من النصر، وذكرهم بذلك قائلاً: ﴿وَاذْكُرُوْا إذْ أنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أن  يَّتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرَهِ وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.

*  *  *

 

 

القلم في التراث العربي والإسلامي

 

 

بقلم :   الأستاذ صلاح عبد الستار محمد الشهاوي (*)

 

 

 

        القلم صغير الرسم، نحيل الجسم، خفيف الحمل، جميل العلم ، كبير العزم، طويل الجهد، قوي الواقع، سيف إذا سل، غيث إذا همل، به تكتب المناجاة، وتمحي المعناه، به يرسم الخيال، ويوضح الجمال، به يفرج عن المكروب، ويواصل المحبوب، يحتاجه الناس ، وهو دائم رافع الرأس، فإذا نكس برأسه أينعت له رؤوس ، فكتبه هو المحسوس، وهو يوجد في كل مكان، لأنه لا يستغني عنه إنسان، وهو الموثق، وهو المشوق، وهو المعوق، يبقى تأثيره، إلي أجيال كثيرة.

*  القلم في اللغة:

        القلم ( محركة ) اليراعة ، وهو الذي يكتب به ، والجمع أقلام وقِلام ( بالكسر ) . وقال ابن سيده : وما في التنزيل لا أعرف كيفيته ، قال أبو زيد محرماً : سبق القضاء وجفت الأقلام.

        والقلم : السهم الذي يجال بين القوم في القمار ، وجمعها أقلام ، وفي التنزيل العزيز (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلقُوْنَ أَقْلاَمَهُمْ أيُّهُم يَكْفل مَرْيَم ) قيل معناه سهامهم ، وقيل أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة . قال الزجاج : الأقلام ها هنا القداح ، وهي قداح جعلوا عليها علامات ، يعرفون بها من يكفل مريم على جهة القرعة . وإنما قيل للسهم القلم لأنه يقلم أي يبرى ، وكلما قطعت منه شيئاً بعد شيء فقد قلمته ، من ذلك القلم الذي يكتب به ، وإنما سمي قلماً لأنه يُقلم مرةً بعد مرة .

        والقلم: ما يكتب به، قلم العود يقلمه قلماً: قطع منه شيئًا. ويقال: قَلَم القلم ونحوه: براه وقَلَم الظفر: قص ما زاد منه ومنه القلم لأنه يقطع شيء من طرفه ليسوي فهو علي وزن فعل بمعني مفعول مثل سلب وقدر كما جاء في معجم ألفاظ القرآن الكريم. والقلم أيضا يطلق علي السهم أو القدح يجال بين القوم في القمار أو القُرعةُ و جمعه أقلام وهو جمع قلة وكثيرا ًما يستعمل في الكثر. وفي المعجم الوجيز: القلم: ما يكتب به وقلم الحبر: قلم مداده مخزون لا يسيل علي سنه إلا وقت الكتابة وقلم الرصاص:قلم سنه من الجرافيت لا مداد له ويقال جف القلم: قضي الأمر وابرم . وعند الخطاطين: نوع من الخط. يقال مثلاً: يكتب بالخط النسخي وفي اصطلاح الدواوين: قسم من أقسام الديوان ... الجمع أقلام. والقلامة ما قطع من طرف الظفر أو الحافر أو العود وقلامة الظفر: مَثَلُ في القلة والحقارة يقال: لم يُغنِ عني قلامة ظفر والمقلمة: وعاء الأقلام.

        ولقد تعددت مسميات القلم الذي هو أداة  الكتابة فمنها المذبر أو المزير الذي يزير به أي يكتب به، وقيل اليراع ، والمرقم . ولكن أكثر هذه التسميات شيوعاً القلم. وقد تعددت الآراء كذلك حول اشتقاق هذه التسمية . فقيل القلم .لأنه قُلِم أى قُطِعَ وسُوي كما يقلم الظفر، وكل عمود يقطع ويجز رأسه ويقلم بعلامة فهو قلم. وكذلك قيل للسهام أقلام، قال الله تعالى «إذْ يُلْقُوْن أَقْلاَمَهُم أَيُّهُم يَكْفُلُ مَرْيَم» (آل عمران 44) وكانت سهاماً مكتوبةً عليها أسماؤهم. وذكر القلقشندي أنها سميت أقلاماً لاستقامتها كالقداح . وقيل هو مأخوذ من القُلام وهو شجر رخو، فلما ضارعه القلم سمي قلماً.

*  القلم في التراث الجاهلي....

        نال القلم اهتمام جميع الأمم منذ أن عرفت الكتابة، واختلفت أشكاله والمواد التي يصنع منها باختلاف المواد التي يكتب عليها ، فكانت الأقلام تتخذ عند السومرين القدماء من أهل العراق من الحديد أو الخشب ليضغط بها على الطين لرسم الخطوط المسمارية ، ومنها ما كان يكتب من الرأسين، وفي مصر كتب الفراعنة على الأحجار بأقلام الحديد ونقشوا أدق الصور وكتبوا على البردي بقلم البوص أو الفرجون. واستخدم العرب في الجاهلية القلم في التموين، وعندما كانت تُلجئهم الحاجة إلى أن يسجلوا بعض شؤونهم ، في وقت لا يكون معهم قلمهم المبري المقطوط ودويُهم الملأى بالمداد. كانوا يستخدمون غالباً مواد طباشيرية أو فحمية تترك أثرها على ما يكتب عليه. بل إنهم استخدموا أدوات حادةً كالسكين لنقش الكتابة على المواد الصلبة.

        وتشير النصوص إلى أن القلم في الجاهلية كان مصنوعاً من القصب . يقط ويقلم أو يبري ثم يغمس في مداد الدواة ويكتب به. عن عبد الله بن حنش قال: «رأيتهم يكتبون على أكفهم بالقصب عند البراء» وإذا كان العرب قد اهتموا بتجويد الخط وإتقانه في ذلك العصر، فإن النتيجة المنطقية لذلك ، هي أن يعتنوا بصناعة القلم، أداتهم لذلك.  

        والباحثون في الأدب العربي حين يحددون العصر الجاهلي لا يتسعون في الزمن بحيث يجعلونه كل ما سبق الإسلام وإنما يطمئنون إلي التحديد التقريبي الذي ذهب إليه الجاحظ في كتابه الحيوان حين قال: «أما الشعر فحديث الميلاد صغير السن. فإذا استظهرنا الشعر وجدنا له إلى أن جاد الله بالإسلام خمسين ومائة عام وإذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمائتي عام» وهي الحقبة التي تكاملت للغة العربية خصائصها. والأمر الذي لا يقبل جدلاً حوله هو أن العرب في العصر الجاهلي كانوا يعرفون الكتابة ( غير أن صعوبة وسائلهم جعلتهم لا يستخدمونها في الأغراض الأدبية الشعرية والنثرية) ومن ثم استخدموها فقط في الأغراض السياسية والتجارية، هذا ما تشير إليه كثير من الدراسات ( أن العربي في العصر الجاهلي كان يعرف الكتابة وأنه كثيرًا ما استخدمها خاصةً في الأغراض السياسية والتجارية )..

        والكتابة كانت معروفةً في مجتمع المدن خاصة المدن التجارية، ومكة أوضح مثال لهذه المدن فقد كانت الكتابة أمراً حيوياً لابد منه لقيام حياة اقتصادية منظمة بها. وعنصراً أساسياً من عناصر الحياة فيها. أما في مجتمع البادية ( فإن الأدلة التي تثبت استعمال البدو للكتابة هزيلة) ولكن هذا لا يمنع أن يكون أفراد من هذا المجتمع قد عرفوها واستخدموها في بعض شؤون حياتهم علي نحو ما نعرف عن النابغة الذبياني والربيع بن زياد العبسي و الزبرقان بن بدر وكعب وجبير ابني زهير ولبيد، نستدل علي ذلك بكثرة ألفاظ اللغة الدالة علي القلم والورق في شعرهم مثل. اليراع والأنبوبة والقرطاس والطرس والرق والصحيفة ومن الألفاظ الدالة علي الكتب الصك الزبور الرقيم السفر- الوصيرة الخ .... كما أن الشعر الجاهلي لم يحفظ عن طريق الرواية والسماع فقط وإنما كانت الوسيلة الأولي لحفظه القلم والكتابة ويستدل علي ذلك بكثرة ورود كلمتي الكتابة والقلم في ألفاظ الشعر الجاهلي أو في بعض تشبيهاته وصوره ، كما شاع عن شعرائهم تشبيه الأطلال ورسوم الديار بالكتابة والنقوش ،فالمرقش الأكبر يقول مشبهًا بقايا أطلال منزل الحبيبة ببقايا أثار سطور خطها قلم:

        الدار قفر والرسوم كما

                              رقش في ظهر الأديم قلم

وكما يقول الأخنس بن شهاب التغلبي:

        لابنـة حطّان بن عــوف منازل

                       كما رقش العنوان في الرق كاتب

( والرّقّ: الجلد الرقيق يكتب عليه)

        ويستهل لبيد معلقته بأبيات يصور فيها أيضاً بقايا أطلال الحبيبة تصويرًا أقرب إلي تصوير المرقش حيث يقول:

        عفت الديار محلها فمقامها

                              بمني تابد غولُها فرجامُها

        فمدافع الريان عري رسمها

                              خلقاً كما ضمن الوحي سِلامه

        (الوحي: الكتابة ، والسلام : الحجارة البيض التي كانوا يكتبون عليها وكانوا يكتبون أيضاً في الأدم ، أو الأديم الذي مر في بيت المرقش ، وهو الجلد المدبوغ يكتب عليه ، كما كانوا يكتبون في عسب النخل.)

ويستمر لبيد في معلقته فيقول:

        وَجلا السيولُ عن الطلول كأنها

                                      زبر تجدُ متونها أقلامها

( الزبر: جمع زبور وهو الكتاب)

        ويقول سلامة بن جندل وهو فارس جاهلي معروف:

        لمن طلل مثل الكتاب المنمق

                       خلا عهده بين الصُلَيبِ فمُطرقِ

(الصليب ومطرق: اسمان لمكانين)

        كذلك نجدهم يذكرون الصحف والصحائف والكتب التي تعني بالرسائل ، كما ورد في قصة مقتل طرفة بن العبد: روي أن طرفة بن العبد الذي كان يمدح الملك عمرو بن هند، أحد ملوك المناذرة ( الذين أسست دولتهم عام240 م واستمر حكمها حتي سنة 633م حين فتح عاصمتهم الحيرة خالد بن الوليد-) قد انقلب على الملك وهجاه، فصمم عمرو بن هند على التخلص من طرفة ومن خاله الشاعر المتلمس، وما كان منه إلا أن حمل كلاً منهما كتاباً إلى عامله على البحرين، وفي كل كتاب أمر بقتل حامله، بينما الشاعران يظنان أن فيهما أمر بجائزة لهما، وفيما هما في الطريق ساور الشك صدر المتلمس فارتاب في أمر كتابه ، ففك ختمه، وجاء إلى غلام من أهل الحيرة فقال له : أتقرأ يا غلام ؟ فقال: نعم ، فأعطاه الصحيفة فقرأها فقال الغلام : أنت المتلمس؟ قال : نعم ، قال: النجاة! فقد أمر الملك بقتلك ، فأخذ الصحيفة وقذفها في جدول اسمه كافر ثم أنشأ يقول:

        وألقيتُها بالثني من جنب كافر

                              كذلك ألقي كلّ رأيِ مضلل

        رضيت لها بالماء لما رأيتها

                              يجولُ بها التيار في كل جدول

        وهرب المتلمس إلي الشام وعند وصوله أنشأ يقول:

        من مبلغ الشعراء عن أخويهم

                              نبأ فَتَصْدُقُهم بذاكَ الأنفُسُ

        أوى الذي عَلق الصحيفة منهما

                              ونجا حذار حياته المتلمس

        أما طرفة الذي لم يشك في أمر صحيفته، فقد مضى إلى حتفه.

        وقد ردد الشعراء مثل هذه الصورة كثيراً في أشعارهم ، وما من ريب في إنّ ذلك يؤكد أن الكتابة معروفة في العصر الجاهلي ، كذلك كانوا يكتبون عهودهم السياسية، وكانوا يسمون تلك العهود المكتوبة «مهارق» وقد جاء ذكر هذه المهارق في معلقة الحارث بن حلزة مشيراً بها إلي ما كتب من عهود بين بكر وتغلب إذ يقول:

        واذكروا حلف ذي المجاز وما

                              قدم فيه العهود والكفلاء

        حذر الجور والتعدي وهل

                              ينقض ما في المهارق الأهواء

        كما نجد هذه الصورة لدي شعراء آخرين وكان بعض الشعراء الجاهليين يكتبون أشعارهم بل كتب بعضهم- كلقيط بن معمر الأيادي- رسائل شعريةً إلي قومه وكان بعضهم يعرف لغات أجنبية كعدي بن يزيد الذي كان يعمل في بلاط ملك الحيرة وليس أدل علي معرفة الجاهليين الكتابة والقراءة من أن معلقاتهم الطوال كانت تذاع وتشتهر بين الناس بسبب تعليقها مكتوبة علي جدار الكعبة المشرفة.

*  القلم في التراث الإسلامي...

        حين جاء الإسلام كانت أول كلمة ربانية نزلت علي الرسول صلي الله عليه وسلم هي «اِقْرأ باسْمِ رَبّكَ الذِيْ خَلَقَ» وفعل القراءة فعل ماكر إنه العملة ذات الوجهين إذ لا يمكن القيام بالقراءة إلا من خلال فك رموز الشفرة المرسومة كتابةً أو رسماً أو لوناً ولهذا كانت متواليات الآيات تزيد من الإفصاح والتوضيح «اِقْرَأ وَرَبُّكَ الْأَكْرَم الذي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم» ففعل القراءة /التعلم رهين بالقلم. وما القلم إلا وسيلة وما الوسيلة إلا ضرورة للكتابة....

*  القلم في القرآن:

        ورد ذكر القلم في القرآن الكريم أربع مرات، حيث جاء مرتين بصيغة المفرد ومرتين بصيغة الجمع، فورد بصيغة المفرد في قوله تعالى (نٓ وَالْقَلَمَ وَمَا يَسْطُرُوْن) «القلم : آية 1» وقوله سبحانه وتعالى: (اقْرَأ وَرَبُّكَ الأكْرَم، الذي علم بالقلم ) «العلق : 3 ، 4».

        وهذا بيان لفضل القلم الذي يكتب به الناس العلوم والمعارف. وفي الإشادة بالقلم والكتابة إشادة بفضل الكتابة والقراءة ؛ فالقلم أخو اللسان ونعمة من الرحمن على عباده ؛ وفي القلم البيان وبه قوام العلوم والمعارف.

        كما ورد بصيغة الجمع ، في قوله سبحانه وتعالى: (ذٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوْحِيْهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُوْنَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَم وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُوْن ) «آل عمران : 44»، وفي قوله سبحانه وتعالى: (وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدّهُ مِنْ بَعْدِهٍِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ) «لقمان: 27». ولمكانه القلم في الإسلام وضعه الله عز وجل في أرفع مكان قال تعالي: «نٓ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُوْن» القلم آية 1.

        فأقسم بالقلم كما أقسم بما يخط بالقلم. وأول ما نزل من القرآن الكريم هو قوله تعالي «اِقْرَأ باسْمِ رَبِّكَ الذيْ خَلَقَ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقِ اِقْرَأ وَرَبُّكَ الأكْرَم الذي عَلَّمَ بِالقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم» (العلق آيات:1: 2: 3 :4) وقد ذكر القلم في القرآن الكريم أيضاً في الآيتين «وَلَوْ أنما في الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالبَحْرُ يَمُدُّه مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمٰتُ اللهِ» (لقمان آية 27) «وَمَا كُنْتَ لَدَيْهم إذ يُلقُوْن أَقْلَامَهُم أيهم يَكْفُلُ مَرْيَم» (آل عمران آية 44)  يقول المفسرون في تفسير هذه الآية-يصح أن يراد بها أقلام الكتاب من الأحبار التي كانوا يكتبون بها التوراة وقد آثروها تبركاً بها فجعلوا عليها علامات واقترعوا بها علي من يكفل مريم ويصح أن يكون المراد بالأقلام هنا سهاماً أعدوها وجعلوا عليها علامات وألقوا يستهمون بها علي من يكفل مريم.

        وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن أول ما خلق الله القلم «و» إن أول ما خلق الله البراع ثم خلق من اليراع القلم»

        وعن مكانة القلم في التراث الإسلامي نطالع ما ذكره أبي بكر الصولي في أدب الكاتب أول ما نزل من القرآن هو قوله تعالي «اِقْرَأ باسْمِ رَبِّكَ الذيْ خَلَقَ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَق اِقْرَأ وَرَبُّكَ الأَكْرَم الذي عَلَّمَ بالقَلَمِ عَلّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم» فجعل تبارك اسمه أول ما أنزل في القرآن ذكر التفضل علي عباده بخلقه وأتبع ذلك بذكر الإنعام عليهم بما علمهم من الكتاب الذي به قد أتم أمر دينهم ودنياهم واستقامة معا ئشهم وحفظها ولولا أن من لا يحسن الكتابة يجد ممن يحسنها معونةً وأبانه عنه لما استقام له أمر ولا تم له عزم وكان محل الصور الممثلة والبهائم المهملة- ولهذا قال المؤرخون- إن الانتقال من النزعة الشفاهية إلي النزعة الكتابية علي مستوي الإبداع والفكر قد حدث مع نزول القرآن الكريم وأن القرآن الكريم نفسه هو النموذج الكتابي الأول الذي يفارق النماذج الشفاهية بإعجازه ويكتمل المعني إذا عرفنا أن أول ما أنزل من القرآن الكريم كان أمرًا بممارسة فعل القراءة الذي هو الوجه الأخر لفعل الكتابة ومما جاء في أول ما نزل من القرآن الكريم قوله سبحانه وتعالي «عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم» بواسطة القلم الذي به جمع القرآن وحفظت الألسن و الأثار و وكدت العهود وأثبتت الحقوق وسيقت التواريخ وبقيت السكوك وأمن الإنسان النسيان وقيدت الشهادات وتم    الميثاق بين المخلوق وخالقه في الإسلام الذي أكد كتابه الأكبر حضوره الكتابي؛ لذا فإن القلم أشرف أدوات الكتابة وأعلاها رتبةً ، وغيره من آلات الكتابة كالأعوان.

        وأدرك المسلمون أهمية القلم، وعُنُوْا بصناعته، خاصة ورسول الله صلى الله عليه وسلم حث على صناعة الأقلام، فقد رُوِيَ أنه قال: «من قلّم قلماً يكتب به علماً أعطاه الله شجرةً في الجنة خير من الدنيا وما فيها».

        وكان لنزول القرآن باللغة العربية، وانتشار الإسلام وتأسيس دولته، ثم ما صاحب ذلك من مراحل تحوّل حضارية كالتعريب والترجمة ومعرفة العرب بصناعة الورق، بالإضافة إلى ظهور مواهب الخطاطين المسلمين الذين أجادوا فنون الخط وعملوا على إتقانه، أثر كبير في تطور صناعة القلم .

        وصُنَعُ القلم قديماً من لب الجريد الأخضر، لكن استخدام القصب- نوع من البوص- في صناعتها كان سائداً، لما له من مزايا. فالأقلام المصنوعة من القصب تظهر قواعد الخط ، وهي سهلة الاستعمال ، وطوع يد الكاتب يقطعها كما يشاء ، بحسب حجم الكتابة ونوع الخط ،بالإضافة إلى أن متانتة تسمح بكتابة رفيعة جداً .

        وهناك أدوات ارتبطت بالقلم لا يصح إلاّ بها ، سواء التي تستعمل في صناعته ، كالمبراة أو السكين والمقط وغيرها، أو أدوات الكتابة كالدواة، أو المقلمة التي يحفظ بها أو يوضع فيها والتي كانت غالباً متصلة بالدواة ونادراً ما انفصلت عنها.

        وبراية القلم كانت من العمليات الأساسية في صناعته ،إذ القلم لا يسمي قلماً حتى يبري ، وإلا فهو قصبة. وكانت السكين هي الأداة المستعملة في بري القلم  ونحته وشقه ، ثم قطه  ليعاد بريه ، من حين لآخر.

        وكانت الأقلام المصنوعة من القصب تحتاج إلى أدوات أخري حتى يمكن الكتابة بها فهي في حاجة إلى دواة التي تمدها بالمداد. وكذلك كانت تستخدم أدوات أخرى لتنظيف القلم والمحافظة عليه كالوقيعة، وهى خرقة يمسح فيها الكاتب قلمه، وكذلك الرغميد أو الغلاف أو القمجار وهو ما يدخل فيه القلم للمحافظة عليه، وتعتبر المقلمة من أشهر أدوات الحفاظ على الأقلام وقد تكون من الدواة نفسها. أو تكون منفصلةً عنها وقد لا تعد من آلات الكتابة لكونها من جملة الدواة غالباً .

        وقد سعي المسلمون إلى تطوير القلم. بحيث يكون أداةً متكاملةً لا حاجة له إلى الدواة التي تمده بالمداد ،والتي تلازمه ملازمةً دائمةً ، ويصعب حملها والتنقل بها في كل وقت . وقد حدث هذا التطوير في بداية القرن الرابع الهجري. العاشر الميلادي علي يد أحد الخلفاء الفاطميين البارزين- المعز لدين الله الفاطمي- . وكان ذلك بتخيل الصورة التي يكون عليها قلم ممتلئ بالحبر في جوفه ، ولا يحتاج إلى دواة معه ، ووصف هذا التخيل للصانع ومتابعة التنفيذ. 

*  القلم في تراثنا النثري:

        تكشف أقوال الحكماء والبارزين في التاريخ الإنساني كله عن منزلة القلم وأهميته ويكفي أن نشير إلى أن أثره فضيلة الخط الذي هو لسان اليد، ورسول الضمير، ودليل الإرادة الناطق عن الخواطر، وسفير العقول، ووحي الفكر وسلاح المعرفة، ومحادثة الأخلاء على التنائي وأنس الإخوان عند الفرقة. ومستودع الأسرار، وديوان الأمور، وترجمان القلوب، والمعبر عن النفوس، والمخبر عن الخواطر، ومورث الآخر مكارم الأول، والناقل إليه مآثر الماضي والمخلد له حكمته وعلمه ، والمسامر للعين بسر القلب ، والمخاطب عن الناصت ، والمجادل عن الساكت، والمفصح عن الأبكم، والمتكلم عن الأخرس . 

        يقول الجاحظ ليس في الأرض أمة بها طرق (قوة) أو لها مسكةُ (عقل) ولا جيل لهم قبضُ وبسط إلا ولهم خط. فأما أصحاب الملك والمملكة والسلطان والجباية والديانة والعبادة فهناك الكتاب المتقن والحساب المحكم وما يصل بين الكتاب والحساب هو القلم ويقول أيضاً إن اللسان لا يجر ي مجر ي القلم ولا يشق غباره أو يتكلف بعد غايته فأثره ضائع وحضوره مؤقت ومداه موصول بمدي الصوت الذي سرعان ما ينقطع أما القلم فهو علامة الحضور المتصل والزمان الممتد للكتابة.

*  قالوا في القلم :

        قال ابن المعتز: القلم يخدم الإرادة ولا يمل الاستزادة، يسكت واقفاً، وينطق سائرًا.

        وقال ابن المقفع: القلم بريد القلب ، يخبر بالخير وينظر بلا بصر.

        وعن القلم يقول عبد الحميد الكاتب القلم شجرة ثمرتها الألفاظ والفكر بحر لؤلؤه الحكمة.

        وقال ابن المقفع القلم بريد القلب يخبر بالخبر وينظر بلا نظر.

        وقال العتابي- الأقلام مطايا الأذهان-.

        وقال سهل بن هارون- القلم أنف الضمير إذا رعف(تحرك) أعلن أسراره وأبان أثاره-.

        وقال ابن أبي دؤاد القلم سفير العقل ورسوله الأنبل ولسانه الأطول وترجمانه الأفضل-.

        وقال أيضاً: القلم سفير العقل ورسول الفكر وترجمان الذهن.

        وقال أحمد بن صلاح- القلم لسان البصر يناجيه بما استتر عن الأسماع إذا نسج حلله وأودعها حكمه-كما قال عبرات الأقلام في خدود كتبها أحسن من عبرات الغواني في صحون خدودها.

        وقال عمرو بن مسعده- الأقلام مطايا الفطن. وقال أحمد بن عبد الله القلم راقد في الأفئدة مستيقظ في الأفواه. وقال ابن ميثم من جلال شأن القلم أنه لم يكتب لله تعالي كتاب قط إلا به.- وقيل عقول الرجال تحت أقلامها.

*  القلم في التراث الشعري...

        كان القلم من أعز الهدايا التي يتبادلها الأصدقاء والخلان من الكتاب وغيرهم ،كما أنه كان من أعز ما يمتلك الكاتب والأديب ، حتى أن هناك منهم من قرض فيه الشعر ، ومن أطرف ما يقال في ذلك أن أحدهم رثي قلماً سرق منه ، وآخر حزن على كسر سن قلمه. وعبر عن حزنه بأبيات القصيد.

        والقلم بالنسبة إلي الشعر رمز الخلود وعلامة الحضور المتصل والزمان الممتد لذا قال الشاعر:

        تعلمن أن الدواة والقلم تبقي

                              ويُفني حادث الدهر الغنم

        * أما الحسين بن يحيي فيقول راثياً قلما انكسر:

        ما عيِبَ طولاً ولم يُعبَ قصرا

                              عَري من دقــة ومــن عظم

        كان إذا ما تضايقت سبل الـ

                              لفظ كفـاني مخـــارج القلم

        لا حصر القول عند خطبته

                              وليس في قـــول بمتهــم

        * وعن القلم يقول عدي بن الرقاع العاملي  في وصف طرف قرن الرشأ (ولد الظبي) وتشبيهه بالقلم في بيته الذي يقول:

        تُزجي أغن كأن إبرة روقـــه

                              قلم أصاب من الدواة مدادها

وهو البيت الذي فتن الكثيرين بتشبيهه طرف القرن المدمي بالقلم الذي أصاب المداد.

        * ويروي الصولي أن عبد الله بن المعتز جاء إلي أبي العباس أحمد بن يحيي في المسجد الجامع ليسلم عليه فقام وأجلسه مكانه فداس ابن المعتز قلماً فكسره فلما جلس قال لمن حوله:

        لكفي وتـر عنــد رجلي لأنها

                              أثارت قتيلاً ما لأعظمه جبرُ

فعجب الناس من سرعة بديهته.

        * ولعل أشهر أبيات الفخر بالنفس بذكر القلم قول المتنبي :

        فالخيل والليل والبيـــداء تعـــرفني

                       والسيف والرمح والقرطاس والقلمُ

        * وقال شاعر يصف جارية تكتب خطاً حسنًا وقلما الأسمر المرهف الناطق السميع مع أنه أصم:

        سريعةُ جري الخط تنظم لؤ لؤا

                       وينثر دراً لفظها المترشفُ

        وزادت لدنيا حظوة ثم أقبلت

                       وفي إصبعها أسمر اللون مرهِفُ

        أصم سميع ساكن متحرك

                       ينال جسيمات المدي وهو أعجفُ

        * ويقول شاعر في أحد الكُتاب:

        لك القلم الأعلى الذي لم يجر إلا

                              أبان لك العدو من الولي

        إذا استرعفته ألقي سوادا

                              علي القرطاس أبهر من حلي

        فيا طوبي لمن أدلي إليه

                              بإحسان وويل للمسي

        شباه سنانه في الحرب أمضي

                              وأنفذ من شباه المهري

        فذاك سلاح مثلك وهو يعزي

                              سلاح الفارس البطل الكمي

(الشباه: طرف السيف وحده)

        * وقال شاعر  في قلم حسن الصنع لفتيً كاتب:

        فتي لو حَوي الدنيا لأصْبَحَ عَارياً

                       من المال معتاضاً ثياباً من الشكر

        له ترجمان أخْرَس اللفظ صامت

                       على قاب شبر بل يَزِيْد على الشبر

        (أحسن قدود الأقلام ألا يتجاوز به الشبر بأكثر من جفلته)

        * أما ابن المعتز فيصف القلم قائلاً:

        عليم بأعقاب الأمور كأنه

                               لمختلفات الظن يَسمَع أو يري

        إذا أخذ القرطاس خلت يمينه

                              يفتح نورًا أو ينظم جوهرًا

        * ويقول الشاعر مثنياً علي شرف القلم وأهميته:

        كفي قلم الكتّاب مجداً ورفعةً

                              مدي الدهر أن اللهَ أقْسَمَ بالقلم

        * أما أمير الشعراء أحمد شوقي- فيقول عن قلم شكسبير الشاعر الإنجليزي المعروف:

        له قلمٌ ماضي الشّباةِ كأنما

                              أقام بشقيه القضاءُ المُحّتمُ

        ولوعٌ بتصوير الطباع فلم يَجُزْ

                              بعاطفة إلا حسبناه يَرْسُم

        * وفي الختام نورد ما قاله الحسين بن عبد الله العبدي الهمداني الكاتب عن القلم:

        ناحل جسمه كأن يد البين

                              سقته منـــه بكأس دهاق

        فإذا مَجه أتي بلعاب الـ

                              ليل حلو الخطاب مُر المذاق

        وشبيهاتة ثلاث حوته

                              هن منــه مفـاتحُ الأرزاق

        يمتطيهن ثم يرتجل القول

                              لفصل الخطاب في الآفاق

        فتراه بمصر يحلم ما شاء

                              وبالصين وهو خلفَ العراقِ

والله الموفق .

(*)      مصر طنطا دمشيت.

         هاتف محمول : 0109356970(002)

         salahalsheehawy@yahoo.com


 

دعوة إلى تحقيق التراث

 

 

بقلم :  أ. د. محمد السيد علي  بلاسي (*)

عضو اتحاد الكتاب

 

 

 

        يُعرّف العلماء تحقيق كتب التراث بأنّه : «إخراج الكتاب على أسسٍ صحيحةٍ محكمةٍ من التحقيق العلمي في عنوانه، واسم مؤلفه، ونسبته إليه، وتحريره من التصحيف والتحريف، والخطأ، والنقص، والزيادة».

        أو «إخراجه بصورة مطابقة لأصل المؤلف أو الأصل الصحيح الموثوق إذا فقدت نسخة المؤلف»(1).

        والتحقيق أمرٌ جليلٌ يحتاج من الجهد والعناية إلى أكثر ما يحتاج إليه التأليف ، حتى لقد قال الجاحظ قديماً- : «ولربما أراد مؤلّف الكتاب أن يصلح تصحيفاً أو كلمة ساقطة ، فيكون إنشاء عشر ورقات من حُرِّ اللفظ وشرف المعاني ، أيسر عليه من إتمام ذلك النقص حتى يردّه إلى موضعه من اتصال الكلام»(2).

        ومن المعلوم أن ما خلّفه علماؤنا المتقدّمون من المخطوطات يُعَدُّ بالملايين، وما زال معظم هذه المخطوطات قابعاً في مراكز المخطوطات والمكتبات، يحتاج لمن ينفض عنه الغبار ويبعث فيه الحياة من جديد. فهذا التراث الضخم والذي بلغت عِدَّته 262 مليون مجلد مخطوط كما أحصيت حتى سنة 1948م، ويقال بعد ذلك إنها أحصيت بمئات الملايين(3)!

        وإن أنس فلن تلك الصرخــة التي فجّرها الدكتور المقدسي في المؤتمر الافتتاحي لمؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي بلندن ، في ديسمبر 1991م ، حين قال : «لا شك أن الإبداع الفكري للتراث الإسلامي هو حصيلة نتاج قرون طويلة في مجال الآداب، والعلوم، والفنون. وذلك النتاج لا يزال في أغلبه مخطوطاً، لم يحظ بالنشر منه سوى 15% . وهذا الجزء المطبوع أغلبه غير محقق، ولا يزال هذا التراث الحضاري الهائل والذي يتراوح تقديره بين المليون والثلاثة ملايين مخطوط، متناثراً في كل أرجاء المعمورة ، وأغلبه غير مفهرس، أو مفهرس فهرسة غير صحيحة. ولا يزال الجزء الأكبر منه مملوكاً ملكية خاصة؛ وبالتالي لا يتيسر للسواد الأعظم من الباحثين الاطلاع عليه. كذلك فإن جزءاً كبيراً منه وإن كان محفوظاً فإنه محفوظ بشكل لا يفي بالغرض؛ فهو معرض للتلف بفعل الحرارة، والرطوبة، والأرضة. والجزء المتبقي منه هو في طريقه إلى الانقراض والتلف تدريجياً !».

        هذا؛ وهناك صيحات يرددها دعاة الاستعمار الثقافي يبغون بها أن ننبذ هذا التراث ونطرحه وراءنا ظهرياً.

        ونسوا أن هذا التراث الضخم الذي آل إلينا من أسلافنا صانعي الثقافة الإسلامية العربية جدير بأن نقف أمامه وقفة الإكبار والإجلال ثم نسمو برؤوسنا في اعتزاز وشعور صادق بالفخر والغبطة والكبرياء .

        كم لهم من محاولات يائسة، يدورون بها ذات اليمين وذات الشمال؛ كي يهدموا هذا الصرح، ولكن تلك المحاولات لم تجد لها صدى، إلا عند من أمكنهم أن يضفوا على أنفسهم ظل الاستعباد الثقافي، من ضعاف القلوب وأرقاء التفكير ... وهم فيما بين ذلك يحاولون أن يضعوا من ثقتنا في هذا التراث الضخم؛ فلا يزالون يوجهون إليه المطاعن والمثالب، ويهونون من شأنه تهوينًا .

        إن كل فكرة علمية جديرة بالاحترام؛ ولكن الفكرة المغرضة التي يبعثها الشر أو المنفعة الذاتية الصرفة، فكرة لا تستحق الاحترام، بل يجب مناهضتها والقيام في وجهها. أرادوا كثيراً فسمعنا وقرأنا كثيراً ولكن ثقافتنا الإسلامية العربية ليست من الهون بحيث تحني الرأس لأمثال هذا الضعف المتخاذل .

        فالشكر الصادق لهؤلاء القوم الذين أيقظوا فينا ذلك الشعور بالعزة، و وجهونا أن نفتح عيوننا على تلك الكنوز التي تكشفت لنا ولا تزال تتكشف.

        وما أجدرنا أن ننهض بعبء نشر ذلك التراث وتجليته؛ ليكون ذلك وفاء لعلمائنا، و وفاء لأنفسنا وأبنائنا(4).

        وإن من أحسن ما يقدمه المرء لأمته أن يسهم في الإخراج إلى الوجود - محققاً ومصفى - ذخائر الماضي من تراث أمجادنا العلمي الذي كان من مظاهر عزها وأساساً لنهضتها، وثمرة يانعة لحياتها وثقافتها؛ ليتسنى الوقوف على أصالته وما برز  به من نظريات وحلول لمختلف القضايا النازلة(5).

        لهذا صار لزاماً على المعنيين بهذا الأمر تشجيع تحقيق المخطوطات وتذليل الصعوبات التي يواجهها طلاب العلم الذين يقبلون بحماسة على العمل ولا يجدون ما يحققونه؛ فيتولون وقلوبهم تفيض بالأسى حزناً ألا يجدوا ما يحققون !

*  *  *

الهوامش :

(1)   تحقيق التراث : د. عبد الهادي الفضلي ، ص 36 ، الطبعة الأولى ـ مكتبة العلم بجدة ، سنة 1402هـ .

(2)   تحقيق النصوص ونشرها : للأستاذ عبد السلام محمد هارون ، ط6 ـ مكتبة الخانجي بالقاهرة ، سنة 1397هـ ، ص 52 ، 53 ـ بتصرف يسير ـ . وينظر «الحيوان » لأبي عثمان الجاحظ ، تحقيق الأستاذ عبد السلام هارون ، 1/79 ، ط2 ـ مصطفى الحلبي ، سنة 1385هـ .

(3)   يراجع ؛ منهج البحوث العلمية للطلاب الجامعيين : د. ثريا عبد الفتاح ملحس ، ص 246 ، منشورات دار الكتاب اللبناني ، سنة 1960م .

(4)   ينظر: موضوع «دعوة إلى تحقيق كتب التراث الإسلامي» المطبوعة دون تحقيق علمي ، وذلك على شبكة المعلومات الدولية ، موقع : www.google.com .

(5)   يراجع: مقدمة تحقيق كتاب «مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول» : ص 19.

 

(*)      3 شارع الشهيد محمد عبده قسم النحال - الزقازيق جمهورية مصر العربية ..

         جوال : 0123526898(002)

         فاكس : 0552281805 (002)

 



(*)      مصر طنطا دمشيت.

         هاتف محمول : 0109356970(002)

         salahalsheehawy@yahoo.com

(*)      3 شارع الشهيد محمد عبده قسم النحال - الزقازيق جمهورية مصر العربية ..

         جوال : 0123526898(002)

         فاكس : 0552281805 (002)