مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، ذوالقعدة – ذوالحجة 1432 هـ = أكتوبر – نوفمبر 2011 م ، العدد : 12-11 ، السنة : 35

الفكر الإسلامي

 

 

 

الصحابة رضى الله عنهم ، مكانتهم في الإسلام

كما تقررها السنة

 

 

 

بقلم: نور عالم خليل الأميني

 

خير الناس قرني:

     عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم قال عمران: فلا أدري أ ذكر بعد قرنه: قرنين أو ثلاثة؟ - ثم إن بعدهم قوماً يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون، ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن»(1).

     والمراد بالقرن ههنا الصحابة رضي الله عنهم كما صرح بذلك ابن الأثير الجزري، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم «ويظهر فيهم السمن»: إنهم يحبون التوسع في المآكل والمشارب، وهي أسباب السمن، وقيل: المعنى: أنهم يريدون الاستكثار من الأموال، ويدعون ما ليس لهم من الشرف، ويفخرون بما ليس فيهم من الخير، كأنه استعار السمن في الأحوال عن السمن في الأبدان(2).

 

لا تسبوا أصحابي:

     عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي(3) فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه»(4).

     المد: ربع الصاع، والنصيف: نصف المد(5).. الحديث نص على أن الصحابة رضي الله عنهم بلغوا عند الله عز وجل من المنزلة الرفيعة أنّ عملَ مَنْ بعدهم ولو كان مقدار هذا الجبل الهائل لايساوي عملَهُم ولو كان مقدار مد أو نصيفه؛ لأن الصحبة نعمة لاتساويها نعمة.

 

لا تتخذوا أصحابي غرضاً:

     عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهَ اللهَ في أصحابي، لاتتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله، فيوشك أن يأخذه»(6).

     ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لاتتخذوهم غرضاً بعدي» لاتجعلوهم هدفاً ترمونهم بأقوالكم(7) ولقوله صلى الله عليه وسلم «من أحبهم فبحبي أحبهم» دلالتان: الأولى: أن حب أصحابي علامة على حبي، فلا يحبهم إلا من يحبني، والثانية: كل من يحب أصحابي فاعلموا أني أحبه.. وعلى ذلك فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم» دلالتان مثل الدلالتين الأوليين(8).

     وعلى كل ففي هذا الحديث وعيد شديد لأولئك الذين يتخذون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هدفاً لانتقادهم الحر، وانتقاصهم اللاذع، وقلمهم المسموم، ويعزون إليهم ما يُزَهِّد الناسَ فيهم، ويبغضهم إليهم، ويقلل قيمتهم عندهم، أو على الأقل يفند ثقتهم بهم.

 

من يسب الصحابة فهو ملعون:

     عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي، فقولوا: لعنة الله على شركم»(9).

     اعتبر الحديث الشريف الذين يسبون الصحابة جديرين باللعنة، ومن المعلوم أن «السب» في اللغة العربية أوسع من الشتم وفحش القول وإساءة الأدب والانتقاص وجرح المشاعر، فيشمل ذلك كله، ويعم معنى الحديث جميعَ الذين يتناولون أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأي انتقاص أو انتقاد أو إساءة أو قول مرذول، من قريب أو بعيد(10).

 

أحبّ اللّهُ أن لاينقطع عنهم الأجر:

     عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قيل لعائشة رضي الله عنها: «إن ناسًا يتناولون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى أبا بكر وعمر، فقالت: وما تعجبون من هذا؟ انقطع عنهم العمل، فأحب الله أن لاينقطع عنهم الأجر»(11).

     أي أن الله عز وجل يزيد أجرهم مقابل السباب الذي يتناولهم به السفهاء.

 

أصحابي أَمَنَةٌ لأمتي:

     عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: «صلينا المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء، قال: فجلسنا، فخرج علينا، فقال: مازلتم ههنا؟ قلنا: يارسول الله صلينا معك المغرب، ثم قلنا نجلس حتى نصلي معك العشاء، قال: أحسنتم أو أصبتم قال: فرفع رأسه إلى السماء وكان كثيرًا ما يرفع رأسه إلى السماء فقال: النجوم أمنة السماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون»(12)

     الأمنة: جمع أمين وهو الحافظ، أي أن الملائكة حفظة السماء، و«أتى السماء ما توعد» إشارة إلى انشقاقها وذهابها.

     و«أتى أصحابي ما يوعدون» إشارة إلى وقوع الفتن ومجيء الشر عند ذهاب أهل الخير. فإنه لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم كان يبين لهم ما يختلفون فيه، فلما فقد جالت الآراء واختلفت، فكان الصحابة يسندون الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول أو فعل أو دلالة حال، فلما فقد الصحابة قل النور وقويت الظلمة(13).

 

الصحابة يبعثون نورًا:

     عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد من أصحابي يموت بأرض إلا بعث لهم نورًا وقائدًا يوم القيامة»(14).

     وذلك لأنهم تمتعوا بشرف الصحبة، فمن أحق منهم بقيادة أهل أرض ما بعد النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان الصحابة لهم نورًا وقائدًا يرجى أن الله عز وجل يحاسبهم حسابًا يسيرًا.

 

مشهد صحابي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

خير من عمل غيره ولو عُمِّرَ عمر نوح:

     عن سعيد بن زيد(15) رضي الله عنه، قال رباح بن الحارث: كنت قاعدًا عند فلان(16) في الكوفة في المسجد، وعنده أهل الكوفة، فجاء سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، فرحب به وحياه، وأقعده عند رجله على  السرير، فجاء رجل من أهل الكوفة يقال له: قيس بن علقمة، فاستقبله، فسب وسب، فقال سعيد: من يسب هذا الرجل؟ قال: يسب علياً، فقال: ألا ترى اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسَبُّون عندك، ثم لاتنكر ولا تغير؟ أنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: وإني لغنى أن أقول عليه ما لم يقل، فيسألني عنه غدًا إذا لقيته: «أبوبكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة، وسكت عن العاشر، قالوا: ومن هو العاشر؟ فقال: سعيد بن زيد، يعني نفسه. ثم قال: والله لمشهد رجل منهم مع رسول الله يغبر فيه وجهه خير من عمل أحدكم ولو عمر عمر نوح»(17).

     زاد رزين: ثم قال: «لاجرم لما انقطعت أعمارهم، أراد الله أن لاينقطع الأجر عنهم إلى يوم القيامة، والشقي من أبغضهم، والسعيد من أحبهم».

     هذا الحديث كذلك صريح في أن عمل غير الصحابة لا يعدل عملهم مهما تنفس به عمره وطالت فرصة حياته، وكثر توفيقه للخير، وأن الشقي هو الذي يبغضهم، فبغضهم دليل الشقاء، وأن السعيد هو الذي يحبهم، فحبهم دليل السعادة.

 

عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين:

     عن العرباض بن سارية، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة»(18).

 

أهل بدر من أفضل المسلمين:

     1 عن رفاعة بن رافع وكان من أهل بدر رضي الله عنه قال: جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما تعدّون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين أو كلمة نحوها قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة»(19).

     2 عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اطَّلع الله على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»(20).

     كلا الحديثين ينطقان بأفضلية الصحابة الذين شهدوا بدرًا، وبأن الله قد اطّلع على أحوال قلوبهم وما تنطوي عليه من الصدق والإخلاص وكمال الولاء لله ولرسوله ولدعوته ورسالته، فبشَّرهم بكونهم مفغورًا لهم عنده.

 

البشارة لمن بايعوه صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة:

     عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لايدخل النار من بايع تحت الشجرة»(21).

     وكذلك أعلن الله عز وجل رضاه عنهم في كتابه الكريم إذ قال: «لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ»(22) ومن رضي الله عنه لا يسخط عليه أبدًا.

*  *  *

الهوامش:

(1)   أخرجه البخاري ومسلم والترمذي، وكذلك أبو داود والنسائي بلفظ آخر.

(2)   انظر : جامع الأصول في أحاديث الرسول، ج8، ص 549، ط: بيروت 1392هـ = 1972م.

(3)   وفي رواية مسلم لا تسبوا أحدا من أصحابي.

(4)   رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبوداود. واللفظ للترمذي.

(5)   جامع الأصول، ج8، ص 553.

(6)   أخرجه الترمذي في المناقب، باب فيمن سب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وراوه أيضاْ أحمد في المسند 4/87.

(7)   جامع الأصول، ج: 8، ص: 554.

(8)   انظر «مقام الصحابة» في الأردية، ص:56.

(9)   أخرجه الترمذي في المناقب.

(10)  مقام الصحابة، ص 57.

(11)  أخرجه رزين، أنظر جامع الأصول، ج:8، ص:554.

(12)  أخرجه مسلم في فضائل الصحابة، باب بيان أن بقاء النبي صلى الله عليه وسلم أمان لأصحابه.

(13)  ابن الأثير الجزري: جامع الأصول، ج8، ص 555 و 556.

(14)  أخرجه الترمذي في المناقب.

(15)  هو سعد بن زيد بن عمرو بن نفيل أبو الأعور رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة.

(16)  قال في فتح الودود: هو المغيرة بن شعبة.

(17)  وأخرجه أبوداود والترمذي.

(18)  رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال أبو نعيم: حديث جيد صحيح.

(19)  رواه البخاري في المغازي باب شهود الملائكة بدرًا.

(20) أخرجه أبو داود: باب في الخلفاء، قال عبد القادر الأرناووط في حواشيه على جامع الأصول، هذا حديث صحيح، وهذا الفصل أخرجه البخاري ومسلم وابوداود والترمذي في الحديث الطويل من حديث علي رضي الله عنه في قصة حاطب بن أبي بلتعة والكتاب الذي كتبه لقريش وبعث به مع الظعينة.

(21)  أخرجه مسلم وأبوداود والترمذي.

(22)  الفتح: 18.