مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، ذوالقعدة – ذوالحجة 1432 هـ = أكتوبر – نوفمبر 2011 م ، العدد : 12-11 ، السنة : 35

دراسات إسلامية

 

 

 

أغنياء مصر وفقراؤها

 

 

 

بقلم : الأستاذ أشرف شعبان أبو أحمد / جمهورية مصر العربية (*)

 

     كشف تقرير التنمية البشرية لعام 2003م عن ارتفاع عدد الفقراء في مصر إلى 43,9٪ من إجمالي السكان أي حوالي 31 مليون نسمة، وأضاف التقرير أن نسبة من يعيشون تحت خط الفقر في مصر 3,5٪ من إجمالي السكان أي حوالي 2 مليون مصري، حيث إن متوسط دخولهم يقل عن دولار واحد يوميا...(1)

     وفي تعريف الفقير والمسكين:

     الحنفية قالوا: الفقير هو الذي يملك أقل من النصاب «والنصاب هو القدر من المال الذي تجب فيه الزكاة إذا بلغه» أو يملك نصابا غير تام يستغرق حاجته أو يملك نصبا كثيرة غير تامة تستغرق الحاجة، فإن ملكها لا يخرجه عن كونه فقيرا يجوز صرف الزكاة له. والمسكين هو الذي لا يملك شيئا أصلا فيحتاج إلى المسألة لقوته أو لتحصيل ما يواري به بدنه، ويحل له أن يسأل لذلك، بخلاف الفقير فإنه لا تحل له المسألة مادام يملك قوت يومه بعد سترة بدنه.

     والمالكية قالوا: الفقير هو من يملك من المال أقل من كفاية العام، والمسكين من لا يملك شيئا أصلا فهو أحوج من الفقير.

     والحنابلة قالوا: الفقير هو من لم يجد شيئًا أو لم يجد نصف كفايته، والمسكين هو من يجد نصفها أو أكثر فيعطى كل واحد منهما من الزكاة تمام كفايته مع عائلته سنة.

     والشافعية قالوا: الفقير هو من لا مال له أصلا، ولا كسب من حلال، أو له مال أو كسب من حلال لا يكفيه، بأن كان أقل من نصف الكفاية، ولم يكن له منفق يعطيه ما يكفيه كالزوج بالنسبة للزوجة. والمسكين من قدر على مال، أو كسب حلال، يساوي نصف ما يكفيه في العمر الغالب المتقدم أو أكثر من النصف، فلا يمنع من الفقر والمسكنة وجود مسكن لائق به، أو وجود ثياب كذلك، ولو كانت للتجمل...(2)

     وفي مصر أيضا هناك خمسون شخصا يمتلكون من مائة إلى مائتين مليون دولار، ومائة شخص يمتلكون ما بين مائة إلى 180 مليون دولار، 150 شخصا يمتلكون ما بين 50 إلى 80 مليون دولار، 220 شخصا يمتلكون ما بين 30 إلى 50 مليون دولار، 350 شخصا يمتلكون ما بين 15 إلى 30 مليون دولار، 800 شخص يمتلكون ما بين 5 إلى 10 ملايين دولار، 70 ألف شخص يمتلكون حوالي سبعة ملايين دولار...(3)

     وفي هذا يقول ابن حزم: وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد، أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك، إن لم تقم الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لابد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف، والشمس، وعيون المارة...(4).

     ويوضح المستوى الذي يجب أن تحدده الدولة للفقراء والذي يحق لها من أجله أن تتخطى حدود الزكاة المفروضة فتجبي الأموال اللازمة لتنفقها في هذا السبيل فيقول: يقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لابد منه، ومن اللباس للصيف والشتاء بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة. ونستدل من كلام ابن حزم على حق الفقراء في أموال الأغنياء بصورة عامة غير محدودة بحدود الزكاة، وأنه إذا لم تكف الزكاة لسد حاجات الفقراء والمساكين فللسلطة العامة أن تأخذ منهم بعد الزكاة ما يمكنها من سد هذه الحاجات، وهذه الحاجات هي تحقيق المساكن الضرورية للفقراء، وتحقيق الأغذية الكافية لهم، وتحقيق الملابس الضرورية...(5)

     وليس هذا رأي ابن حزم من فقهائنا وحده بل هو رأي كثير منهم، وقال الرملي في شرح المنهاج وهو شافعي: ومن فروض الكفاية دفع ضرر المسلمين ككسوة عار وإطعام جائع، إذا لم يندفع بزكاة وبيت مال، على القادرين وهم من عنده زيادة على كفاية سنة لهم ولمن في رعايتهم. وهل المراد من دفع الضرر: ما يسد الرمق أم الكفاية؟ قولان أصحهما ثانيهما، فيجب في الكسوة ما يستر كل البدن على حسب ما يليق بالحال من شتاء وصيف، ويلحق بالطعام والكسوة ما في معناها كأجرة طبيب، وثمن دواء وخادم منقطع. وقال النووي وغيره من الشافعية: وجوب إعانة الجنود النظاميين من غير مال الزكاة، على الأغنياء إذا لم يكن في بيت المال ما يعطون منه. وقال القرطبي: اتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة يجب صرف المال إليها. وقال الإمام مالك: يجب على كافة المسلمين فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم، وهذا إجماع. وقال الشاطبي من المالكية: إذا خلا بيت المال وارتفعت حاجات الجند إلى المال يكفيهم فللإمام إذا كان عدلا أن يوظف على الأغنياء «أي يفرض على الأغنياء ضرائب وما شابها» بما يراه كافيا لهم في الحال إلى أن يظهر مال في بيت المال...(6)

     وإذا كان الإمامان مالك والشاطبي، قد ذكرا أمثلة، من حاجات الجند وفداء الأسرى وهي حالات خاصة بالحرب وآثارها، فإن غيرهما قد ذكر حالات الجوع والحاجة عامة سواء إلى طعام أو لباس أو دواء... الخ، وهذا هو الظاهر، والملائم لظروف الحياة، ولمعنى التضامن والتكافل في الإسلام. والفقيه الظاهري الإمام محمد بن حزم يقرر في قوة وصراحة إن من الواجب الديني فرض حقوق إضافية سوى الزكاة على الأغنياء القادرين في كل بلد حتى يكتفي فقراؤه وتسد حاجاتهم الأصلية بحيث تتحقق لهم أمور ثلاثة: الغذاء الكافي الذي يحتاج إليه الجسم ليحيا صحيحا قادرا، الملبس المناسب الساتر للعورة الواقي من الحر والبرد وللصيف والشتاء، المسكن الملائم الذي يقي من القيظ والمطر وعيون المارة. وعلى هذا يجوز قيام ولي الأمر المسلم بتنظيم المال اللازم من الأغنياء بفرض الضرائب العادلة في أموالهم بقدر ما يسد حاجات المحتاجين، والواقع أن المأمول من أغنياء المسلمين المسارعة إلى الإنفاق على الفقراء والمحتاجين ومساعدة الدولة بأموالهم لتقوم بما هو ضروري لبقائها إذا لم يوجد لديها ما يكفي لذلك، لأن الإسلام مدح المنفقين أموالهم في سبيل الله في آيات كثيرة في القرآن الكريم وذم البخل والبخلاء وكل هذا يدفع المسلم إلى الإنفاق والسخاء وكذلك فعلت السنة النبوية ألحت على الإنفاق في سبيل الله وتعددت الوصايا والأوامر في ذلك. فإذا لم يندفع الأغنياء من تلقاء أنفسهم بالإنفاق المطلوب منهم جاز لولي الأمر أن يحملهم عليه بتنظيم الضرائب العادلة في أموالهم بقدر ما يكفي لسد حاجات الدولة المحتاجين.

     يقول الغزالي: وإذا خلت الأيدي من الأموال، ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر، وخيف من ذلك دخول العدو بلاد الإسلام، أو ثوران الفتنة من قبل أهل الشر، جاز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند، لأنا نعلم أنه إذا تعارض شران أو ضرران، قصد الشرع دفع أشد الضررين، وأعظم الشرين، وما يؤديه كل واحد منهم «أي من الأغنياء» قليل بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله، لو خلت خطة الإسلام «أي بلاده» من ذي شوكة «أي حاكم قوي» يحفظ نظام الأمور، ويقطع مادة الشرور...(7)

     وصح عن أبي عبيدة بن الجراح وثلاثمائة من الصحابة رضي الله عنهم أن زادهم فني، فأمرهم أبو عبيدة، فجمعوا أزوادهم في مزودين، وجعل يقوتهم إياها على السواء. فهذا إجماع مقطوع به من الصحابة رضي الله عنهم ولا مخالف لهم منهم...(8)

     وللأسف، فإنه من الملاحظ أن رجال الأعمال في مصر لا هم رأسماليون ينتمون إلى طبقة الأغنياء قبل ثورة 1952م ولا هم يماثلون أثرياء الخليج الذين ظهروا مع طفرة البترول في السبعينات من القرن الماضي، ولاهم مثل الرأسماليين في العالم الحر. فوجود رجال أعمال في دولة ما يفرض عليهم توظيف أموالهم للصالح العام، وإلا فإن حكومات تلك الدول تتدخل فورا لمصادرة الأموال لصالح الآخرين أفرادا أو شركات، وكل دول العالم ترفض الاحتكار والتلاعب بالقانون أو ارتكاب جرائم الفساد أو حتى إهدار قيمة اجتماعية أو الوقوع في سلوك مشين من رجال الأعمال ويعاملونهم بمنتهى القسوة والحسم. أما عندنا فإن نتاج رجال الأعمال الجدد في معظمه سلبي ومزعج ولا أخلاقي وأدى إلى تسيد قيم منحطة في سلوكيات الأفراد وتدمير التماسك الأسري، واشتعال العداء بين أبناء المجتمع...(9)

*  *  *

الهوامش:

(1)    جريدة العربي العدد 867 الصادر بتاريخ 13/7/2003م الموافق 13 جمادى الأولى عام 1424هـ.

(2)    الفقه على المذاهب الأربعة عبد الرحمن الجزري ج1 من ص 621 إلى ص 625.

(3)    جريدة حديث المدينة العدد 254 الصادر بتاريخ 7/5/2003م.

(4)    فقه السنة السيد سابق ج1 من ص 416 إلى ص 419.

(5)    النظم المالية في الإسلام قطب إبراهيم محمد ص 55-56.

(6)    فقه الزكاة دراسة مقارنة لأحكامها وفلسفتها في ضوء القرآن والسنة يوسف القرضاوي ج2 ص 986-987.

(7)    فقه الزكاة دراسة مقارنة لأحكامها وفلسفتها في ضوء القرآن والسنة يوسف القرضاوي ج2 ص 1076.

(8)    فقه السنة السيد سابق ج1 ص 421.

(9)        جريدة المسائية العدد 217 الصادر بتاريخ 11/12/2006م.

*  *  *



(*)     6 شارع محمد مسعود متفرع من شارع أحمد إسماعيل، وابور المياه – باب شرق – الإسكندرية ، جمهورية مصر العربية.

        الهاتف : 4204166 ، فاكس : 4291451

        الجوّال : 0101284614

        Email: ashmon59@yahoo.com