مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، ذوالقعدة – ذوالحجة 1432 هـ = أكتوبر – نوفمبر 2011 م ، العدد : 12-11 ، السنة : 35

دراسات إسلامية

 

 

 

نكبات المكتبات في حواضر المسلمين

 

 

 

بقلم :  أ. د. محمد السيد علي  بلاسي (*)

                                                                                                                                                                                عضو اتحاد الكتاب

 

     ليس من الشك أنْ نشك في أنّ الخلود الحقيقيّ لا يوجد في دنيانا إلا في مكتبة .. أية مكتبة .. إنها الذاكرة الجماعيّة للبشرية وللإنسانية . وأعدّ نفسي أستاذاً فاشلاً للتاريخ إذا لم أقنع الناس بأنّ المكتبة هدف يستحق أنْ يعيش الإنسان من أجله !(1).

     كلّ هذا عن قناعة بأنّ الكتاب - كما يقول الجاحظ عنه - : لا أعلم جاراً أبرّ، ولا خليطاً أنصف، ولا رفيقاً أطوع، ولا معلماً أخضع، - ولا صاحباً أظهر كفاية ، ولا أقل جناية ، ولا أحفل أخلاقاً ، ولا أقلّ خلافاً وإجراماً ، ولا أكثر أعجوبة وتصرفاً ، ولا أبعد من مراء ، ولا أترك لشغبٍ ، ولا أزهد في جدال ، ولا أكفّ عن قتالٍ - من كتاب !(2).

     ولله درّ القائل :

نيـرون قال قولاً     حسبه القول الفصيح

كل بيت ليس كتب  جسد من غير روح !

     يقول مؤرخ الحضارة الكبير «ول ديورانت» في كتابه الضخم «قصة الحضارة» - وهو بصدد الحديث عن شغف المسلمين في القرون الوسطى بالكتب واقتنائها ، وعن كثرة المشتغلين بالعلم ، تأليفاً وتمحيصاً وتدارساً -، يقول : «إنّ عدد العلماء في آلاف المساجد المنتشرة في البلاد الإسلامية من قرطبة إلى سمرقند لم يكونوا يقلّون عن عدد ما فيها من الأعمدة».

     وفي وسعنا أن نستدل من هذا القول على أشياء كثيرة يكفينا منها الآن ما يدل عليه من ضخامة ما خلفه علماء المسلمين - الذين لا يكاد يحصيهم العدّ - من تراث علميّ وفكريّ وأدبيّ ، ابتداء من الرسائل الصغيرة إلى الموسوعات الضخمة(3).

     ويكفي أنْ نذكر في هذا الصدد مكتبة قرطبة في الأندلس في عهد المستنصر ( 350- 366هـ ) ، فقد جمع فيها المستنصر - عن طريق وكلائه في شتى الأقطار الإسلامية - نسخاً مما ألّفه علماء المسلمين إلى ذلك العهد. ويقال إنّ هذه المكتبة كانت تضم أربعمائة ألف مجلد. هذا يحدث ونحن ما زلنا في منتصف القرن الرابع الهجري. ولنا أنْ نتصور كمْ كانت خزائن «دار الحكمة» التي أنشأها الخليفة العباسي المنصور في بغداد تضمّ مؤلّفات ، وكذلك «دار العلم» التي أنشأها الفاطميون في مصر؛ فقد كانت هذه الدار من أعظم الخزائن التي عرفها العالم الإسلامي فيما مضى ، وأكثرها جمعاً للكتب النفيسة من جميع العلوم . هذا سوى المكتبات وخزائن الكتب العامة والخاصة التي لا يمكن حصرها(4).

     إذن فهو تراث ضخم ، ذلك الذي خلفه لنا العلماء والمفكرون والأدباء منذ بدء الخط البياني الصاعد للحضارة الإسلامية في العصور الوسطى إلى أنْ بلغ ذروته ، ثم منذ انكساره نحو الهبوط في منتصف القرن السابع الهجري أمام الغزو المغولي وسقوط بغداد سنة 656هـ إلى وقوع البلاد الإسلامية تحت الحكم العثماني منذ سنة 923هـ فتكون الدورة قد تمّت(5).

     وليس في وسع أحد أنْ يتصور حجم ما خطته أقلام العلماء والمفكرين والأدباء من المسلمين في شتّى فروع المعرفة في حدود ما تبقى منه حتى يومنا هذا ، فضلاً عمّا امتدت إليه عاديات الزمن بالتبديد أو الإحراق أو الضياع(6).

     ففي عام 656هـ عندما اقتحم هولاكو مدينة بغداد ، أباح عاصمة بني العباس أربعين يوماً ، وكان الدمار الذي أصاب الثقافة العربية والإسلامية مريعاً ؛ فألقيت مئات الألوف من المخطوطات في نهر دجلة. ولم يكن نصيب الكتب العربية من الدمار خلال زحف تيمور لنك بأقل منه على يد هولاكو(7).

     فقد روي أنّ مياه دجلة جرت سوداً من كثرة ما ألقي فيها من الكتب والصحائف!(8).

     وفي الغرب الإسلامي تعرض التراث الإسلامي لنفس المحنة ، أو أشد قسوة ؛ فحين سقطت غرناطة عام 1492م وانتهت دولة المسلمين في الأندلس ، أمر الكاردينال فرانسيسكو خمينيث (ت 1517م) - عرّاف الملكة إيزابيل فاتحة غرناطة، وصاحب النفوذ السياسي الهائل يستمده من الدين - أمر بإحراق الكتب العربية في ساحة باب الرملة في غرناطة ، ولاسيما ما كان متصلاً بالأدب أو الفكر أو الدين ، وبخاصة المصاحف المخطوطة ، وبأنْ تباد كلّ الكتب العربية نهائياً من كل إسبانيا ، ويفوق عدد المخطوطات التي أحرقت في غرناطة وحدها كل تصور . وأكثر الباحثين حذراً وعطفاً على الكاردينال ، يقدِّرها بثمانين ألفاً(9).

     وعلى بعد خمسين كيلو متراً من مدريد شيّد سنة 1567م دير فخم جمعت إلى مكتبته بقايا نفائس المخطوطات التي سلمت من ذلك الحريق فكانت بضعة آلاف مجلد(10)، «ثم ضم إليها نحو أربعة آلاف مخطوط سنة 1620م حين استولى بعض قراصنة الأسبان على مركب للسلطان زيدان سلطان فاس ، كانت تلك المخطوطات في جملة الآثار النفيسة التي سلبوها من ذلك المركب. وبهذا بلغت المخطوطات في مكتبة الإسكوريال نحو عشرة آلاف مخطوط. وفي 7 حزيران عام 1671م سقطت صاعقة على الدير أحرقت قسماً كبيراً من هذه المخطوطات ، ولم يسلم منها سوى ألفي مجلد لا تزال إلى عصرنا في تلك الخزانة التاريخية»(11).

     وكان آخر هذه الكوارث المأساة المريعة التي تعرضت لها مكتبة جامعة الجزائر ، حين أضرب المتعصبون الفرنسيون النار فيها عام 1962م ، خلال حرب الاستقلال البطولية التي خاضها شعب الجزائر ، فأتت على جل ما فيها .

     وضاعت أعداد هائلة من المخطوطات خلال الثورات الداخلية ، والاضطرابات والفتن ، وكانت طابع أواخر العصور الوسطى ، وكنتيجة حتميّة للاحتضار الثقافي فترت عناية الناس بالمخطوطات والكتب ، ومع المدّ الاستعماري الأوربي تعرّض ما بقي منها لنهب المستعمرين ، عن طريق السرقة أو الغش أو الخداع والحيلة ، ونقلت آلاف المخطوطات إلى دور الكتب الأوربية ، والولايات المتحدة الأمريكية ، وجامعاتها ، وأصبح اقتناء المخطوطات العربية عملاً مرغوباً ، وميزة تحرص عليها هذه الجامعات ، ومجالاً للتسابق تتنافس فيه(12).

     وعلى الرغم من هذا كلّه ؛ ففي العالم العربي اليوم تقام الحفلات لتكريم أشخاص ، وتجمع التبرعات لإقامة المستشفيات وغير المستشفيات ، ولكننا لم نسمع إنساناً يهب نفسه لبناء مكتبة أو المحافظة عليها ، ويقيم الحفلات من أجلها ، مع أنّ «تراث كلّ أمة هو ركيزتها الحضارية ، فهو جذورها الممتدة في باطن التاريخ. ومن أجل هذا تحرص الأمم الناهضة - في تأصيلها لواقعها الجديد - على نبش هذا التراث ، واستحياء ما هو صالح للبقاء منه، وما يمكن أنْ يكون له مغزى ودور فعال في بناء واقعها الجديد»(13).

*  *  *

الهوامش :

(1)   كتاب «إنهم يقتلون الأدباء»: محسن محمد ، ص 117 بتصرف- ، ط. مكتبة غريب في القاهرة ، د. ت .

(2)   البيان والتبيين : للجاحظ ، تحقيق عبد السلام هارون ، ص 34 ، 35 ، القاهرة ، 1948- 1950م .

(3)   المصادر الأدبية واللغوية في التراث العربي : د. عز الدين إسماعيل ، ( المقدمة ) ، ص 5 ، ط. دار النهضة العربية ببيروت ، د. ت .

(4)   المرجع السابق : ( المقدمة ) ، ص 5 ، 6 .

(5)   نفس المرجع : ص 7 ، 8 .

(6)   المرجع السابق : ص 6 .

(7)   دراسة في مصادر الأدب : د. الطاهر أحمد مكي ، ص 68 ، الطبعة السابعة ـ دار المعارف ، سنة 1993م .

(8)   مصادر التراث العربي : د. عمر الدقاق ، ص 24 ، مكتبة دار الشرق - بيروت ، سنة 1972م .

(9)   دراسة في مصادر الأدب : ص 68 . ولمزيد من التفصيل حول هذا الموضوع ؛ يراجع : الفن العربي في إسبانيا وصقلية : للمستشرق الألماني فون شاك ، ترجمة الدكتور الطاهر أحمد مكي ، الطبعة الثانية - دار المعارف ، سنة 1985م .

(10) المصادر الأدبية واللغوية في التراث العربي : ص 7 .

(11) لمحات في المكتبة والبحث والمصادر : محمد عجاج الخطيب ، ص 54 الهامش ، ط. بيروت سنة 1971م .

(12) دراسة في مصادر الأدب ؛ ص 68 ، 69 .

(13) ينظر ؛ كتاب إنهم يقتلون الأدباء : ص 117 . والمصادر الأدبية واللغوية في التراث العربي : ص 8 .



(*)       3 شارع الشهيد محمد عبده قسم النحال - الزقازيق جمهورية مصر العربية ..

          جوال : 0123526898(002)

          فاكس : 0552281805 (002)