مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، ذوالقعدة – ذوالحجة 1432 هـ = أكتوبر – نوفمبر 2011 م ، العدد : 12-11 ، السنة : 35

 

 

المملكة العربية الإسلامية وشرف الحج. 1

الملك عبد العزيز اهتم بالكسوة وأمر ببناء مصنع أم القرى. 4 لكسوة الكعبة في مكة المكرمة 4

ملامح تاريخية 9 من عناية الملك عبد العزيز بالمسجد النبوي. 9

 

 

دراسات إسلامية

 

 

 

المملكة العربية الإسلامية وشرف الحج

 

 

 

بقلم :  سعود بن عبد الله بن طالب(*)

 

     إن الأعمال الجليلة التي تقدمها المملكة العربية السعودية لبلاد الحرمين الشريفين، ولضيوف الرحمن من حجاج ومعتمرين، وزوار، تأتي أهميتها العظيمة ومكانتها الجليلة، من عظمة المكان، وجلالة الشعيرة، أما عظمة المكان فتتجلّى في مكة المكرمة أم القرى، وفي المسجد الحرام، وفي بيت الله العتيق الذي هو قبلة المسلمين في جميع أنحاء العالم، وأول بيت وضع للناس للعبادة، كما تتجلّى عظمة المكان لتشمل المشاعر المقدسة منى، ومزدلفة، وعرفات، وتمتد تلك العظمة إلى طيبة الطيبة، مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم والمسجد النبوي الشريف، وهي الأمكنة التي بزغ فيها فجر الإسلام، وهي مهوى أفئدة المسلمين ومهد الرسالة النبوية ومتنزّل الوحي على خاتم النبيين المرسلين، ومهبط خاتمة الرسالات، وتلك والله عظمة للأماكن التي لا تماثلها ولا تدانيها أي عظمة لأي مكان في الدنيا.

     وأما عظمة الشعيرة، وجلالة العبادة، فتتجلّى في فريضة الحج التي هو أحد أركان الإسلام، ومبانيه العظام كما قال تعالى: ﴿وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِيْنَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذّكَّرُوا اسْمَ الله فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم من بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾، ولعظمة المكان، وجلالة العبادة، أمر الله تعالى بإكرام ضيوفه، وخدمتهم، وتطهير المكان، ليؤدوا هذه الشعيرة العظيمة، والعبادة الجليلة، فقال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيْمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِيْنَ وَالْعَاكِفِيْنَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.

     وقد امتثل ولاة الأمر في المملكة العربية السعودية هذا الأمر الإلهي، وجعلوه نصب أعينهم، وفي مقدمة أهتماماتهم وأولوياتهم، لا يقدمون عليه شيئًا كائنًا ما كان.

     فبعد أن مكّن الله لمؤسس هذه المملكة الملك المجاهد عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل رحمه الله وفّقه إلى توحيد الجزيرة العربية تحت راية التوحيد، (لا إله غلا الله محمد رسول الله) كان أول عمل قام به هو تأمين المدينتين المقدّستين، وتوطيد الأمن للحجاج والمعتمرين، والزوار، وتمهيد الطرق، والعناية بالحرمين الشريفين وتوسعتهما، وتطهيرهما، وإعداد المشاعر المقدسة، والإنفاق على ذلك بكل سخاء من ماله الخاص، نظرًا إلى قلّة موارد الدولة في ذلك الوقت، وضيق ذات اليد.

     وعلى ذات المنهج سار أبناؤه الملوك من بعده، الملك سعود، والملك فيصل، والملك خالد، وخادم الحرمين الشريفين الملك فهد رحمهم الله أجمعين وكلما فتح الله أبواب خيراته على المملكة، وأفاض عليها من نعمه، ازداد الإنفاق بسخاء، وعظمت المشروعات التي تخدم الحرمين الشريفين، والمدينتين المقدّستين، والمشاعر، حتى وصل الأمر إلى ذروته في هذا العهد الزاهر عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، الذي أظهر تعلقًا عظيماً بالحرمين الشريفين وعناية منقطعة النظير بالمشاعر المقدسة، فانعقد عزمه واتجهت همّته السامية إلى بذل أقصى الجهود، وتقديم أفضل ما يمكن تقديمه من خدمة للحرمين والمشاعر المقدسة، ومن رعاية واهتمام بضيوف الرحمن، فرأينا أكبر مشروع في التاريخ لتسهيل رمي الجمرات في منى وأكبر توسعة للحرم المكي الشريف، وكذلك توسعة المسعى، وغير ذلك من المشروعات الضخمة التي تكلف مليارات الريالات.

     وأما في موسم الحج فإنّ الدولة تسخّر كل إمكاناتها، وقدراتها لإنجاح الحج، وتمكين الحجاج من أداء مناسكهم بيسر وسهولة وأمان واطمئنان، ولهذانجد كل قطاعات الدولة، ووزارتها، ومؤسساتها تشارك في هذا العمل الجليل الذي تفتخر به المملكة، وتعتز به حكومة وقيادة وشعبًا.

     ومن أهم قطاعات الدولة المشاركة في أعمال الحج، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد التي تقوم بأعمال جليلة، وجهود عظيمة، وهي أعمال تبدأ قبل موسم الحج بكثير، وتتمثل في إعداد المواقيت، وتجهيزها، وصيانتها، وتشغليها، وتهيئتها، وكذلك العمل في المساجد والمشاعر المقدسة، ومن أهم أعمال الوزارة التي تمس جوهر الحج أعمال التوعية، والتوجيه، والإرشاد، حتى يتمكن الحجاج من أداء مناسكهم وعباداتهم على الوجه المشروع الموافق للسنّة، لأنّ من شرط العمل أن يكون صحيحاً موافقاً للشرع، وهذا العمل الجليل يبدأ من لحظة دخول الحجاج إلى أراضي المملكة، إذ تستقبلهم الوزارة بهدية خادم الحرمين الشريفين وهي مصحف المدينة النبوية، وعدد من الكتب القيِّمة الميسرة في الحج والعمرة والزيارة، وغير ذلك من الموضوعات التي تهم الحاج والمعتمر والزائر، وتستمر هذه الأعمال الجليلة اثناء الحج من خلال مراكز للتوعية، وتوجيه الحجاج، والإجابة على استفساراتهم، وحل مشكلاتهم.

     وأعمال الوزارة كلها تخضع بعد انتهاء الحج مباشرة للدراسة والتحليل، والتقويم، لتطويرها وزيادتها، وترقيتها في الموسم التالي، وهكذا دواليك، مما يدل أنّ هذه الأعمال، لم تتوقف ولن تتوقف إن شاء الله عز وجل وذلك كله بمتابعة حثيثة، وإشراف مباشر، من لدن قادة المملكة وفي مقدمتهم خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، وولي عهده الأمين، وصاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية ورئيس لجنة الحج العليا، وصاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل بن عبد العزيز أمير منطقة مكة المكرمة، ونائب رئيس لجنة الحج العليا، وبتوجيه من صاحب المعالي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد حفظهم الله ورعاهم .

     نسأل الله أن يوفق ولاة الأمر في بلاد الحرمين الشريفين إلى خدمة الإسلام والمسلمين، وأن يحفظ هذه البلادالمباركة من كل سوء ومكروه، وأن يحفظ حجاج بيت الله الحرام حتى يعودوا إلى ديارهم سالمين غانمين، وأن يتقبل من الجميع صالح العمل وصلى الله وسلم على نبيه الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

*  *  *

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، ذوالقعدة – ذوالحجة 1432 هـ = أكتوبر – نوفمبر 2011 م ، العدد : 12-11 ، السنة : 35

دراسات إسلامية

 

 

 

الملك عبد العزيز اهتم بالكسوة وأمر ببناء مصنع أم القرى

لكسوة الكعبة في مكة المكرمة

 

 

 

تقرير :  الأستاذ منيف خضير

 

     وتبلغ تكلفة ثوب الكعبة المشرفة الواحد ما يقرب من 17 مليون ريال سعودي شاملة لتكاليفه وأجور العاملين والإداريين ويستهلك الثوب الواحد 670 جراماً من الحرير الطبيعي، ويبلغ مسطح الثوب 658 متراً مربعاً، ويتكون من 47 طاقة قماش طول الواحدة 14 متراً بعرض 95 سنتيمترًا، وتبلغ تكاليف الثوب الواحد للكعبة حوالي 17 مليون ريال سعودي، هي تكلفة الخامات وأجور العاملين والإداريين وكل ما يلزم الثوب.

     وتتم صناعة الكسوة على عدة مراحل: أولا مرحلة الصباغة حيث يستورد الحرير الخام على هيئة لفائف مفطاة بطبقة من الصمغ الطبيعي تسمى سرسين تجعل لون الحرير يميل إلى الإصفرار وتتم صباغته على مرحلتين:

     مرحلة إزالة الصمغ، وتتم في أحواض ساخنة تحتوي على صابون (زيت الزيتون) وبعض المواد الكيميائية، ثم تغسل بالماء عدة مرات حتى تعود للون الأبيض الناصع.

     والثانية: مرحلة الصباغة، وتتم في أحواض ساخنة تمزج فيها الأصبغة المطلوبة، وهي: الأسود بالنسبة للكسوة الخارجية للكعبة المشرفة، والأخضر لكسوتها الداخلية.

     بعد الصباغة، مرحلة النسيج: حيث كان يعتمد على النسيج اليدوي، ومع التطور أصبح النسيج الآلي يشكل معظم الإنتاج مع الاحتفاظ بعراقة النسيج اليدوي ويقسم النسيج إلى قسمين النسيج السادة وهو المستخدم في الحزام والستارة وفي قماش البطانة التي توضع تحت الباب، نوع يسمى (الجاكارد) وهو الذي تكتب به الآيات وعبارات مثل لا إله إلا الله محمد رسول الله الله جل جلاله سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم يا حنان يا منان ويوجه في الأعلى منه حزام الكسوة بعرض 95 سم.

     ثم مرحلة الطباعة ويستخدم فيها أحدث الأجهزة مما يساعد على سرعة الإنجاز وبعدها مرحلة التطريز وهي أهم ما يميز ثوب الكعبة وتشمل تطريز الآيات والعبارات والزخارف الإسلامية بالأسلاك الفضية والذهبية ويتم ذلك يدويًا وأخيراً مرحلة التجميع وفيها يتم تجميع الجاكارد ليشكل جوانب الكسوة الأربعة ثم يثبت عليه قطع الحزام والستارة.

     ويبلغ عدد العاملين في إنتاج الكسوة 240 عاملاً وموظفاً وفنيًا و اداريًا.

     الجدير بالذكر أن كسوة الكعبة تستبدل مرة واحدة كل عام، فيما يتم غسلها مرتين سنويا: الأولى في شهر شعبان، والثانية في شهر ذي الحجة، ويستخدم في غلسها ماء زمزم، ودهن العود، وماء الورد.

     ويتم غسل الأرضية والجدران الأربعة من الداخل بارتفاع متر ونصف المتر، ثم تجفف وتعطّر بدهن العود الثمين.

 

أول من كسا الكعبة:

     تقول بعض المصادر التاريخية أن أول من كسا الكعبة هو سيدنا إسماعيل عليه السلام بينما تشير مصادر أخرى إلى أن عدنان الجد الأعلى للنبي محمد صلى الله عليه وسلم هو أول من كساها، غير أنه من الثابت تاريخيا أن أول من كسا الكعبة كسوة كاملة هو تبع أبى كرب أسعد ملك حمير في العام 220 قبل الهجرة، وفي حديث يروى عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم).

 

كسوة الكعبة قبل الإسلام:

     وفي عهد قصي بن كلاب فرض على قبائل قريش رفادة كسوة الكعبة سنويا بجمع المال من كل قبيلة كل حسب مقدرتها، حتى جاء أبو ربيعة بن المغيرة المخزومي وكان من أثرياء قريش فقال: أنا أكسو الكعبة وحدي سنة، وجميع قريش سنة، وظل يكسو الكعبة إلى أن مات وكانت الكعبة تُكسى قبل الإسلام في يوم عاشوراء، ثم صارت تكسى في يوم النحر.

     وأول امرأة كست الكعبة هي نبيلة بنت حباب أم العباس بن عبد المطلب إيفاء لنذر نذرته.

 

كسوة الكعبة بعد الإسلام:

     وبعد فتح مكة في العام التاسع الهجري كسا الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع الكعبة بالثياب اليمانية وكانت نفقاتها من بيت مال المسلمين.

     وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب أصبحت الكعبة تكسى بالقماش المصري المعروف بالقباطي وهي أثواب بيضاء رقيقة كانت تصنع في مصر بمدينة الفيوم.

     وفي عهد معاوية بن أبي سفيان كسيت الكعبة كسوتين في العام كسوة في يوم عاشوراء والأخرى في آخر شهر رمضان استعدادا لعيد الفطر، كما أن معاوية هو أيضا أول من طيب الكعبة في موسم الحج وفي شهر رجب.

 

كسوة الكعبة في عهد الدولة العباسية:

     اهتم خلفاء الدولة العباسية اهتماماً كبيرًا بكسوة الكعبة حتى إنها كانت تكسى في بعض السنوات ثلاث مرات في السنة، وكانت الكسوة تصنع من أجود أنواع الحرير والديباج الأحمر والأبيض والقماش الأبيض القباطي.

     وفي عهد الخليفة المأمون كانت الكعبة تكسى ثلاث مرات في السنة ففي يوم التروية كانت تكسى بالديباج الأحمر، وفي أول شهر رجب كانت تكسى بالقباطي، وفي عيد الفطر تكسى بالديباج الأبيض.

     واستمر اهتمام العباسيين بكسوة الكعبة إلى أن بدأت الدولة العباسية في الضعف فكانت الكسوة تأتى من بعض ملوك الهند وفارس واليمن ومصر حتى اختصت مصر بكسوة الكعبة.

 

(عدل) مصر وكسوة الكعبة:

     مع بداية الدولة الفاطمية اهتم الحكام الفاطميون بإرسال كسوة الكعبة كل عام من مصر، وكانت الكسوة بيضاء اللون.

     وفي الدولة المملوكية وفي عهد السلطان الظاهر بيبرس أصبحت الكسوة ترسل من مصر، حيث كان المماليك يرون أن هذا شرف لا يجب أن ينازعهم فيه أحد حتى ولو وصل الأمر إلى القتال، فقد أراد ملك اليمن * المجاهد * في عام 751هـ أن ينزع كسوة الكعبة المصرية ليكسوها كسوة من اليمن، فلما علم بذلك أمير مكة أخبر المصريين فقبضوا عليه، وأرسل مصفدا في الأغلال إلى القاهرة.

     كما كانت هناك أيضاً محاولات لنيل شرف كسوة الكعبة من قبل الفرس والعراق ولكن سلاطين المماليك لم يسمحوا لأي أحد أن ينازعهم في هذا الشرف، وللمحافظة على هذا الشرف أوقف الملك الصالح إسماعيل بن عبد الملك الناصر محمد بن قلاوون ملك مصر في عام 751هـ وفقا خاصا لكسوة الكعبة الخارجية السوداء مرة كل سنة، وهذا الوقف كان عبارة عن قريتين من قرى القليوبية هما بيسوس وأبو الغيث، وكان يتحصل من هذا الوقف على 8900 درهم سنويا، وظل هذا هو النظام القائم إلى عهد السلطان العثماني سليمان القانوني.

     واستمرت مصر في نيل شرف كسوة الكعبة بعد سقوط دولة المماليك وخضوعها للدولة العثمانية، فقد اهتم السلطان سليم الأول بتصنيع كسوة الكعبة وزركشتها وكذلك كسوة الحجرة النبوية الشريفة، وكسوة مقام إبراهيم الخليل عليه السلام.

     وفي عهدالسلطان سليمان القانوني أضاف إلى الوقف المخصص لكسوة الكعبة سبع قرى أخرى اتصبح عدد القرى الموقوفة لكسوة الكعبة تسعة قرى وذلك للوفاء بالتزامات الكسوة، وظلت كسوة الكعبة ترسل بانتظام من مصر بصورة سنوية يحملها أمير الحج معه في قافلة الحج المصري.

     وقد تاسست دار لصناعة كسوة الكعبة بحي * الكخرنفش * في القاهرة عام 1233هـ وهو حي عريق يقع عند التقاء شارع بين الصورين وميدان باب الشعرية، وما زالت هذه الدار قائمة حتى الآن وتحتفظ بآخر كسوة صنعت للكعبة المشرفة داخلها، واستمر العمل في دار الخرنفش حتى عام 1962م إذ توقفت مصر عن إرسال كسوة الكعبة لما تولت المملكة العربية السعودية شرف صناعتها.

 

كسوة الكعبة في العصر الحديث:

     في العام 1927م أصدر الملك عبد العزيز آل السعود أمرا ملكيا بتشييد مصنع أم القرى لصناعة الكسوة الشريفة، وفي العام 1977م أنشأت المملكة مصنعا جديدًا لكسوة الكعبة في أم الجود مازال مستمرًا إلى الآن في تصنيع الكسوة الشريفة.

     ويتم تغيير كسوة الكعبة سنويا وذلك خلال موسم الحج، والكسوة التي يتم إزالتها من الكعبة تقطع إلى قطع صغيرة ويتم إهداؤها إلى شخصيات إسلامية، في سنة 1982م قامت المملكة بإهداء قطعة إلى الأمم المتحدة التي تقوم بعرضها في قاعة أو الاستقبالات.

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، ذوالقعدة – ذوالحجة 1432 هـ = أكتوبر – نوفمبر 2011 م ، العدد : 12-11 ، السنة : 35

دراسات إسلامية

 

 

 

ملامح تاريخية

من عناية الملك عبد العزيز بالمسجد النبوي

 

 

 

بقلم :  أ. د. عمر بن صالح بن سليمان العمري(*)

 

     كنت في مقالة سابقة تحدثت عن عناية الملك عبد العزيز بالمسجد الحرام، وفي رأيي أن الحديث عن عنايته بالمسجد الحرام لا يكتمل إلا بالحديث عن عنايته بالمسجد النبوي الشريف.

     فعناية الملك عبد العزيز بالمسجد النبوي لا تقل كثيرًا عن تلك العناية التي أولاها رحمه الله للمسجد الحرام بمكة المكرمة، وهي مكملة لتلك العناية والرعاية ومشابهة ومزامنة لها، حيث تنوعت رعايته للمسجد النبوي الشريف ما بين أعمال الترميمات والصيانة وإيصال الخدمات والتوسعة.

     أما عن الترميمات والصيانة فقد بدأت منذ وقت مبكر وبالتحديد منذ أن زار الملك عبد العزيز المدينة المنورة لأول مرة في عام 1345هـ حيث أمر يرحمه الله بترميم ما يحتاج المسجد اليه من الترميمات رفع إلى جلالته عن حاجة بعض اسطوانات المسجد إلى تدعيم فأمر بإجراء اللازم، وشدت الاسطوانات بسوارات حديدية قوية، كما أجريت بعض الإصلاحات والترميمات الأخرى في أرضية المسجد وفي الأروقة. وفي عام 1350هـ تمت بعض الإصلاحات الأخرى في بعض الأعمدة والسواري الشرقية والغربية.

     وفي عام 1368هـ أثيرت قضية من بعض الزوار المصريين تحولت بعد ذلك إلى ادعاءات مبطنة تقول بتعرض المسجد النبوي للخطر من السقوط وحولت تلك الدعاوي إلى حملة إعلامية وجمع للتبرعات للإصلاحات المزمعة في المسجد والتي لم يكن الهدف منها فيما يبدو خدمة المسجد النبوي بقدر ما كان الهدف منها النيل من المملكة العربية السعودية وحكومتها وإحراجها أمام العالم الإسلامي.

     ولكن الملك عبد العزيز استطاع ببعد نظره أن يتعامل مع تلك الزوبعة بحكمة وسياسة عالمية وأن يقف موقفا مشرفاً أمام تلك الحملات المغرضة وأن يقطع الطريق أمام أصحابها حين طالب برد التبرعات إلى أصحابها وأعلن رحمه الله بأن سيقوم بإعمار المسجد النبوي من ماله الخاص وكلف مدير الإنشاء والتعمير الشيخ محمد بن لادن بدراسة وضع المسجد النبوي ورفع تقرير مفصل عنه.

     وبعد أن أطلع رحمه الله على التقرير المطلوب المبني على دراسات علمية أجراها مجموعة من المهندسين ذوي الخبرة وافق عليه وأصدر أمره بالمضي قدماً في المشروع الذي كان يتطلب هدم بعض المباني المجاورة للمسجد لضم المزيد من المساحات إليه، وأمر بنزع الملكيات اللازمة وتعويض أصحابها بالعدل والإنصاف.

     وفي الخامس في شهر شوال من عام 1370هـ بدأت الخطوات العملية لتنفيذ المشروع المقترح بعمليات الهدم اللازمة، وكان المشروع من الضخامة والمتانة مما تطلب لتنفيذه خمس سنوات كان خلالها الملك عبد العزيز قد انتقل إلى رحمة الله تعالى، فقام خلفه الملك سعود بن عبد العزيز بإكمال المشروع الذي انتهت خطواته التنفيذية في نهاية شهر صفر من عام 1375هـ وافتتح بعد التوسعة في الخامس من ربيع الأول من العام نفسه، حيث أقيم احتفال كبير بمناسبـة انتهاء المشروع السعودي الكبير الذي يعد نقلة تاريخية كبيرة في تاريخ عمارة المسجد النبوي.

     ففي ذلك المشروع السعودي رمم جزء من المبنى القديم، وهدم وأعيد بناء (7426) متراً مربعاً من مساحته القديمة، وبنيت خلال هذا المشروع كامل مساحة التوسعة الجديدة التي زادت من مساحة المسجد (4206) مترًا مربعة جديدة، ليصبح مسطحه الإجمالي بعد الهدميات القديمة وإعادة البناء والتوسعة الجديدة (72361) مترًا مربعاً.

     وليبقى ذلك المبنى بعد اكتماله شاهدًا حيًا ينضم إلى غيره من الشواهد الحية الأخرى، مثل مشروع توسعة المسجد الحرام بمكة المكرمة وغير ذلك من بيوت الله التي أقيمت في أرجاء المملكة العربية السعودية خلال عهد الملك عبد العزيز، لتبرهن هذه الشواهد للجيل المعاصر وللأجيال اللاحقة بإذن الله على مدى الرعاية والاهتمام الذي كان الملك عبد العزيز رحمه الله بوليها لبيوت الله عامة وللحرمين الشريفين بشكل خاص. ولتكون تلك البنائــه المباركة أساسًا مهماً انطلقت بعده الجهود المباركـة لحكام المملكة العربية السعودية من أبناء المؤسس في خدمـة الحـرمين الشريفين مما سجله التاريخ من توسعات وخدمات جليلة تزداد وتتواصل يوماً بعد يوم ولله الحمد والفضل والمنة.

*  *  *

 



(* )      وكيل وزارة الشؤون الإسلامية للشؤون الإدارية والفنية.

(* )      رئيس قسم التاريخ والحضارة

          بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.