مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، ذوالقعدة – ذوالحجة 1432 هـ = أكتوبر – نوفمبر 2011 م ، العدد : 12-11 ، السنة : 35

الأدب الإسلامي

 

 

 

الناس والفشر

(2/2)

 

 

 

بقلم : أديب العربية معالي الشيخ الدكتور عبد العزيز عبد اللّه الخويطر

الرياض ، المملكة العربية السعودية

 

     لايصدق أهل همذان هذا القول المضخم، والكذب الصراح؛ لأنهم يعرفون محيطهم، وما يحدث فيه، وما يمكنهم أن ينتعلوه، ويعرفون الجليد، وما يأتي منه، وما يفعله بالأشياء، أما الذين في البصرة أو في بغداد، أو ساكنو الحجاز واليمن، فأبعد ما يكونون عن تصور ما تصل إليه طبيعة الجليد، وما يمكن أن يأتي منه من غرائب، ولهذا عمد الفشار إلى هذا الفشر، فصور أن حليباً في وعاء، اندلق على الأرض، فانداح فيها بعد أن انكسر إناؤه، فجمد بعد أن صار طبقة رقيقة على الأرض، فصنع منه نعلاً؛ خيال جامح، وتصور مبعد، وقول غريب، ولكنه، لهذا وغيره، دخل كتب التاريخ والأدب، ووصل إلينا على غرابته، ناجحاً في اختراق الأزمنة، بينما هناك أخبار معتادة لم ير المؤرخون والأدباء فيها طرافة تدعو إلى تسجيلها ضاعت في ثنايا الزمن، ووئدت في مهدها، قبل أن تتاح لها الفرصة أن تدرج، وأن تعرض نفسها للقبول، أو الرفض، لأن أباها وقائلها، أو من عاشها، لم يرد لها ذلك، لأن السُّوق ليس سوقها، ولا وجود حينئذ لطالبيها.

     وأمر الحليب المراق يذكر بقصة رجلين اتفقا على الفشر، وتعاهدا على «الخَرط»، وعلى أن يصدق أحدهما، أمام الناس، الآخر فيما يقوله، وفيما يدّعيه، وأن يأتي بدليل يعضد ما أدعاه، إذا رأى في أعين الناس شكاً فيما ادعاه رفيقه، وأمَّلاَ أن يسير الأمر كما خططا، إلا أن أحدهما زاد في عيار الفشرة التي أطلقها، إذْ جاء يوماً إلى مجلس القوم، وهدف إلى أن يلفت نظرهم، ويشد انتباههم إلى ما أعده، فقال: إنه البارحة سمع صوت مجموعة من الكلاب في السماء تنبح بصوت واحد، فتأكد أن القوم لم يصدقوه، بل إنهم ربما استهجنوا ما ادعاه، فالتفت إلى رفيقه، التفاتة من يطلب النجدة، ويبحث عن العون؛ فقال رفيقه: إنه سمع ما سمع رفيقه، ولكنه عندما تدبر الأمر وجد أن الكلاب كانت على الأرض، وإنما حملت الريح الصوت إلى السماء، مما يوحي لمن كان على وشك أن ينام، أو من استيقظ في تلك اللحظة، أن الأصوات آتية من السماء.

     وبهذا تدارك الأمر، وأنقذ رفيقه من استهزاء كان سيأتيه، ولوم قاس  سوف يتعرض له. وقال لزميله: إن إتفاقنا كان على ما يمكن أن يقع على الأرض، وأن السماء لاتدخل ضمن اتفاقنا، فاجعل قدميك وأذنيك وعينيك وخيالك فيما يمكن أن أصل إليه، وألمسه بيدي، وإلا سوف تجد نفسك وحيدًا، وسأكون عليك لا معك.

     والعصبية أحيانًا تلعب دورًا كبيرًا في «الفشر» والكذب الذي يصعب تصديقه، والذي فكر في إشاعة الكذب بهذه الصورة إما أن يقصد إضفاء حالة من الفضيلة على شخص اعتبره المجتمع بعيدًا عنها، أو ليغيظ فريقاً لم يستطع أن يغيظه إلا بإضفاء صفة خارقة للعادة على عدو هذا الفريق، أو ادعاء عمل لايتصور أن يقوم به، حتى إذا لم يقبل هذا القول ولم يهضم هذا الادعاء، فإنه يكفيه أنه أصبح حديث الناس، وملء الأفواه والألسن. والقصة الآتية من هذا النوع، لأن فضيلة الصبر، وعدم الاكتراث، تعدت الحدود بطبيعة البشر، كما يعرفها البشر:

     قال الأصمعي:

     «لما أخذ أبو بَيْهَس الخارجي، قطعت يداه ورجلاه، ثم ترك يتمرغ في التراب، فلما أصبح قال:

     هل أحد يفرغ عليّ دلوين، فإني احتلمت في هذه الليلة»(19).

     والأصمعي مبتلى بالنحل عليه، وتعليق الأخبار الغريبة على أوتاد في جدران حياته، ويبدو أن الوراقين وجدوه ملائمًا لمثل هذه الأخبار العجيبة؛ وهم أحياناً ينصبونه راوياً عن أحد، وأحيانًا مقارناً للعمل؛ وهذا الخبر من بين ما يشك في أن الأصمعي قاله، أو دَرَى عنه، أو سمع به؛ ولعلهم أرادوا منا أن نتصور أنه في  لحظة معينة مر الأصمعي بالرجل، وسمعه في تلك اللحظة بعينها يقول ما قال. وتصوُّرُنا أن الرجل كان في صباح اليوم التالي لقطع يديه ورجليه قد نزف من الدم، وعانى من الألم ما يجعله في إغماءة أو شبهها؛ هذا إذا لم يكن قد مات قبل ذلك بوقت طويل.

     ولهذا فقد أعقب صاحب البصائر هذا الخبر بقوله: «كتبنا هذا للعجب».

     ويأتي الكذب المبالغ فيه إلى حد الاستحالة في بعض ما يروى عن الأمم البائدة، فقوم عاد طوال، وعوج ابن عنق طويل، ويروى عنه أنه كان يضع يده في عمق البحر، يلتقط منه السمكة فيشويها في الشمس، وأن ساقه استفيد منها بعد هلاكه جسرًا على نهر عريض، والقصة التالية فيها بعض المغالاة، التي تدخل بابنا هذا:

     «روى عبدالملك بن نمير عن رجل من أهل اليمن:

     أقبل سيل باليمن في ولاية أبي بكر، فأبرز عن باب مغلق، فظنناه كنزًا، فكتبنا إلى أبي بكر، فكتب:

     «لا تحركوه حتى يقدم عليكم أمنائي».

     ففتح، فإذا رجل على سرير، عليه سبعون حلة، منسوجة بالذهب، وفي يده اليمنى لوح مكتوب [فيه]:

     إذا خان الأمير وكاتبـاه

                      وقاضي الأرض داهن في القضاء

     فـويل ثم ويل ثم ويـل

                      لقاضي الأرض من قاضي السماء

     وإذا عند رأسه سيف أشد خضرة من البقلة، مكتوب فيه:

     «هذا سيف هود بن عاد بن إرم»(20).

     وعاد وقومه، وأناس غيرهم بادوا، ولم يعلم بوجود مدفن أحدهم هذا إلا سيل جاء عاتياً، فكشف عن هذا القبر المهيب، هذا أمر غير مقبول، واللغة العربية، إن كانوا ممن يتكلمها، لابد أنها أخشن من أن يأتي منها هذه الأبيات الرقيقة السلسلة، ذات الموعظة البالغة.

     ولم يبق من الخبر إلا السيف الأخضر، والسيف حديده ذكر، وإذا مال إلى الخضرة قليلاً فهو محمود، وقد يعزى حديده إلى أحد النيازك النادرة، إلا أن المغالاة دخلت أيضًا في اللون المقبول، فجعلته غير مقبول، وأدخلته في حيز الرفض.

     ولكن الخبر طريف، وفيه خيال بديع، يغري بالقبول، وينسي الناس الجوانب التي تأكل منسأته.

     والقصة الآتية فيها وصف غريب لستر عجيب الطول والعرض، يقال إن يزيد بن الخطيب، رسول الرشيد إلى ملك الروم، رآه هناك في بلادهم، وسواء ادعى يزيد أنه رآه، أو ادعي عليه أنه رآه، فنحن لا نقبله، ونرى فيه فشرًا؛ فإن كان الراوي يزيد، فقد أراد أن يمتع الناس بهذا الخبر، وأن يلفت إليه النظر. وإن كان منسوباً إليه، ولم يقله، فالذي نحله إياه اختار المناسبة نفسها، وبُعدَ البلد، وعدم تحقق أحد من الخبر، وصحته، فأخذ يربع في مجال الخيال، دون خوف أو وجل:

     «قال يزيد بن الخطيب:

     بعثني الرشيد إلى ملك الروم، فأنس بي، وقال لي يوماً:

     «أريك شيئًا ما رأيتَ مثله قط».

     فأخرج إليّ سترَ إبريسم، منسوجاً بالذهب، غرضه نيف وثمانون ذراعاً، في طول مئة ذراع، ولم يتم بعد، في أعلاه مكتوب:

     «بسم الله الرحمن الرحيم، مما عُمِل لسام بن نوح»(21).

     واضح أن الخبر مكذوب، وأن الخيال جال في ميدان واسع ليأتي بهذا الوصف، وهذا الخيال لا يكمل إلا إذا اتبعه خيال آخر من السامع عن المكان الذي سوف يوضع فيه الستر الذي وصل هذا الحد من الطول والعرض، ولم يكمل، ولكن لعل بيوت قوم سام بن نوح غير بيوتنا، لِمَ لا وهو من أمة بائدة!!

     ثم إن بسم الله الرحمن الرحيم، صورة إسلامية، لم تكن لغير المسلمين من قبل، وإن وجد معناها عند أمم أخرى فبلغات تلك الأمم.

     وهكذا إن الفشر مغرٍ، ويتلمس الفشارون السبل لتفصيل بعضه على المناسبات التي تمر، فيقتنصون ما يفيدهم منها في هذا المجال.

     ويأتي الفشر فكاهة عند بعض الناس، ويحمل في طياته نية حسنة لتأكيد فضيلة عند بعض القوم، ولكن الأمر يفلت منهم عند التأمل، لأن القول غير مقبول، في ضوء ذلك المجتمع وما فيه:

     «زار عبد الله بن عمر عبد الله بن جعفر، وبين يديه بَرْبَط (عود غناء) فقال:

     إن أخبرتني ما هذا يا أبا عبد الرحمن فلك أي جارية من جواري شئت.

     فأخذ ابن عمر البربط، فقلبه، ونظر إليه، وقال:

     «ميزان حرّاني، وأنا أبو عبد الرحمن».

     فضحك ابن جعفر، ووهب له جارية»(22).

     نحن نتصور أن ابن عمر ليس في معزل عن مجتمعه إلى الحد الذي يجهل معه العود، ولقد قلبه في يده، ولابد أنه جسّ الأوتار، وسمع ما يأتي منها؛ ونحن لا نعرف الميزان الحراني، ولكننا نتصور أنه إذا كان ميزانًا معتادًا فلابد له من كفتين، وقلب يُرِي موقع الكفتين، إحداهما من الأخرى، وإن كان ميزان قبّانٍ، فله حصاة أو ثقل للوزن.

     والعلاقة بين الرجلين ليست بالصورة التي تظهرها القصة، ثم لم نعرف مبررًا لانتصار عبد الله ابن عمر، الذي أدى به إلى الاكتناء، والحمد لله أنه لم يرم بعمته إلى الأرض حماساً لمبلغ علمه!

     على أي حال، لقد أخفق الراوي في أن يزيد في سمعة عبد الله بن عمر من ناحية الفضيلة، وله فيما عدا هذه القصة من الفضائل ما نرجو أن يكون في موازينه يوم الحساب.

     ويأتي أحيانًا قصة تتأرجح بين القبول والرفض، والقصة الآتية من هذا النوع:

     «وضع على مائدة المأمون يوم عيد أكثر من ثلاث مئة لون، فكان يذكر منفعة كل لون ومضرته، وما يختص به، فقال يحيى بن أكثم:

     يا أمير المؤمنين، إن خضنا في الطب فأنت جالينوس في معرفته، أو في النجوم فأنت هرمس في حسابه، أو في الفقه فأنت علي بن أبي طالب في علمه، أو في السخاء فأنت حاتم في كرمه، أو في صدر الحديث فأنت أبو ذر في لهجته، أو في الوفاء فأنت السموءل بن عاديا في وفائه.

     فسرّ بكلامه وقال:

     يا أبا محمد، إن الإِنسان إنما فضل غيره بعقله، ولولا ذاك لم يكن لحـم أطيب من لحم، ولا دم أفضل من دم(23).

     إنه ليس من المستحيل أن يكون هناك «أكثر من ثلاث مئة لون» من الطعام، ولكنه لا يتوقع أن تجتمع على مائدة واحدة، حتى لو كانت هذه المائدة هي مائدة الخليفة المأمون، فكيف يصل الناس معه إلى كل لون، ويستطعمونه، وإذا وضع من كل صنف ما يشبع الناس، فالمائدة على هذا أميال وأميال!

     ولم يكف صاحب الخيال المحلق أن يقول ما قال عن عدد الألوان، ولكنه دلف إلى الجزء الثاني مما ابتدع الخبر من أجله، وهو مدح الخليفة المأمون، وأشعر أحياناً أن مدح المأمون خاصة، وخلفاء بَني العباس عامة، هو لعدل الكفة مع أكاسرة الفرس، وما كان يذكر عنهم من أمور عجيبة، في الطعام والرياش. وقد أخذ الراوي يفند في سعة علم الخليفة في كل الميادين الشريفة التي يفخر المرء بمعرفتها، وجاء الخبر بطريق أدبية جميلة، تليق بالقاضي يحيى بن أكثم والخليفة.

     ولتتأكد الصورة التي ذكرناها من حرص الفشارين على رسم صورة بذخ كاذبة، وترف مزور، نأتي بقصة عن هارون الرشيد، يصعب تصديقها؛ لأن القاص أخذ فيها حريته في أن يعطي خياله أن يجمح ما شاء له ذلك، دون أن يمسك له لجاماً، أو يجذب له رسنًا، ولم يقف إلا عندما وصل إلى ما لا مزيد عليه عنده:

     «قدم علي بن عيسى بن ماهان على الرشيد من خراسان، فسأله أن يركب مع خواصه إلى الميدان، لينظر إلى هداياه، وقد أمر علي بكنس الميدان، وفرشه بالآس والرياحين، وأقام في أحد جانبيه أربعة آلاف غلام تركي؛ وعليهم اللباس المرتفع، والمناطق المعرقة بالفضة، وبيد كل واحد شهري من فره الدواب، كلها مجللة مبرقعة بالديباج؛ وعلى رأس كل غلام عمامة من جنس لباسه؛ وفي الجانب الآخر أربعة آلاف وصيفة تركية، عليهن الديباج والمناطق المعرقة بالذهب، مسبلات الشعور؛ على كل واحدة تخت ثياب من الملحم الفاخر وغيره.

     وقد بسط في صدر الميدان بسط عليها أنطاع صبّت عليها الأموال، حتى صارت جبلاً عظيماً، وبحذائها نوافج المسك مثلها.

     فلما رجع الرشيد فنزل قال:

     يا جعفر أين كنا عن هذه الأموال؟

     قال: يا أمير المؤمنين، أسرّك أن أخذ علي بن عيسى أموال الفقراء والأرامل، وجاءك بها ناراً يتقرب بها إليك؟ والله لتعلمنّ إذا وضحت الأمور أنك تستوخم فائدتها، ولتنفقن بدل كل درهم دينارًا، ثم لاتنجو»(24).

     هذه الأكاذيب عن البذخ، والتلفيقات عن ترف الرشيد غير المعقول، وغير المقبول، لونت عهده بلون لم يكن فيه، ووسمته بميسم هو منه براء، وإن لم يكن قصد بهذا تشويه سمعته، وسمعة العرب، وسمعة العباسيين عمومًا، وحكمهم، فإنه إغراق في التسلية، وتعمق في الطرائف تعدى الحدود المعتبرة، ودخل في حيز الممجوج، وفيه إهانة كبرى لعقل القارئ وعزته.

     إننا لو حاولنا تصور ميدان فيه هذا العدد من الغلمان والجواري، راكبين، مع المتفرجين، لأصبح في ذهننا ميدانًا واسعًا جدًا، وما وضع على أرضه، وما لبسه الغلمان والجواري، والحيوانات التي ركبوها، لكلف هذا مؤونة عظمى، أنفقت للحظات دون جدوي، ليعجب بها الخليفة المسلم الذي يحج عاماً ويغزو عاماً، والذي يبكي من الوعظ حتى يخشى عليه التلف.

     والخليفة لا يتنبه لهذا الخطأ، وينتظر حتى ينبهه فارسي يعمل في خدمته!

     وهذه الأموال التي كدست في وسط الميدان، حتى صارت جبلاً، كيف وصلت سليمة دون أن يسرق منها شيء، وكيف سوف تحمل بعد ذلك بأمان؟

     ثم لماذا هذا كله؟ ليعلم الناس ماذا؟ ليعلموا عظمة عيسى بن ماهان، في اقتطاع هذه الأموال؟ أم القصد أن يعلم القاصي والداني غنى بيت المال، وما تحت يد الخليفة من هذه الثروة؟

     ثم إن هذه هدايا، فما حقيقة ما جباه عيسى واستدخله؟

     وفي رأيي أن هذا فشر أدخله كاذب «خراط» من أوسع الأبواب، وتشدق به، وحذفه في سوق الوراقين، والتقطه من التقطه، ومثله كثير مما ابتلي به هارون الرشيد، هو وعهده، وعهد من جاء بعده.

     هذه أمثلة لبعض «الفشر» كشفت عن بعض جوانبه، وأرت الأسباب التي قد تكمن خلفه، والعقول التي ألفته، والمحيط الذي تلقفه فسجله، حتى وصل إلينا.

     وعند إمعان الفكر نجد أن للأدباء «فشرهم»، وهو فشر جميل محبب، يأخذ المرء على حصان مجنح، يطير به إلى عنان السماء، في رحلة لا تنسى، ونزهة لا يذكر شيء بجانبها، والأبيات الآتية من هذا النوع:

     «قال أبوالحسن بكر بن النطاح في أبي دلف: القاسم بن عيسى:

     له همـم لا منتهى لكبارها

                      وهمتـه الصغرى أجل من الدهـر

     له راحة لو أن معشار جودها

                      على البرّ صار البرّ أندى من البحر

     ولو أنَّ خلق الله في مَسك فارس

                      وبارزه كان الخلي من العمر»(25)

     في هذا الشعر رائحة الفشر آتية من بعيد، ولكنها زينة هذا القول، والشعر يحسن القبيح، فيحبب للكذب، ويجتذب الناس للهجاء، ويقبل فيه السباب، والخروج عن القواعد، والادعاء الكاذب، ومجانبة المعقول.

     وهذا الشعر وضعه المبرد من قسم التشبيه المُفرطْ.

     ويأتي فشر من نوع آخر فيُستطرف؛ لأن في التعليل عما ظهر منه ظرف وملاحة، وفيه خروج عن المألوف، ولا يخلو من ذكاء وحذق:

     «روى الأصمعي أنه رأى رجلاً يختال في أزيّر (تصغير إزار) في يوم قَرّ، فقال له:

     ممن أنت يا مقرور؟

     فقال: أنا ابن الوحيد، أمشي الخيزلى (مشية المتثاقل) ويدفئني حسبي!!»(26).

     ومثله قول أحدهم على النهج الفكري نفسه:

     «قيل لرجل: أما يوجعك البرد؟

     فقال: بلى، ولكني أذكر حسبي وأدفأ»(27).

     والتشبيه شعراً أو نثراً يكاد إلا القليل منه أن يتسم بالمغالاة، فتُدخله من باب واسع إلى «الفشر»، ولكنه باب يفضي إلى رَوض بهج لا تنبو عنه الأذن، ولا تسلوه النفس، ولا تمجه الروح، وكلما أوغل في البعد عن الحقيقة زاد في لذة التحليق في الخيال البهيج:

     «يقول هدبة بن خشرم العذري:

     فلم تر عيني مثل سـرب رأيت

                      خرجن علينا من زقاق ابن واقف

     طلعن بأعنـاق الظبـاء وأعين الـ

                      جآذر وامتدت بهن الروادف»(28)

     ومثله قول الشاعر:

     كأن فجاج الأرض وهي عريضة

                      على الخائف المطلوب كفـة حابل

     يـأتي إليـه أن كل ثنية

                      تيممها تــرمي إليه بقاتل(29)

     ومثل ذلك قول النابغة:

     وعيد أبي قابوس في غـير كنهـه

                      أتاني ودوني راكس فالضواجـع

     فبت كأني سـاورتني ضئيلة

                      من الرقش في أنيـابها السم ناقع

     يسهـد من ليل التمام سليمها

                      لحلي النساء في يـديـه قعاقع

     تناذرها الراقون من سوء سمها

                      تطلقه طورًا وطورًا تراجع(30)

     هذا القبول لتلك المغالاة سَهَّلَهُ التشبيه، فشفع لاستحسانه، ومهّد لجعله حلالاً في عرف الأدب وأهله، وهو يخدم الفكرة خدمة جلّى، فبدون هذا النهج، وهذا الأسلوب، لا يتصور الأمر، وما فيه من حدة، فالذي جعل الصورة واضحة ومؤثرة هو التشبيه، وهو جزء مهم من صور البيان في الأدب العربي، وناهيك بشيء يكون في إطار البيان.

     والهجاء مثل المدح مجال واسع للمغالاة والأبيات الآتية نموذج لهذا:

     أنشد أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ لرجل من الأعراب ينسب ابن عمّ له إلى اللؤم والتوحش:

     أحب شيء أن يكـون لـه

                     حلقوم وادٍ لـه في جوفه غار

     لاتعرف الريح ممساه ومصبحه

                     ولا يشب إذا أمسى له نار

     لا يحلب الضرع لؤما في الإِناء ولا

                      يرى له في نواحي الصحن آثار(31)

     ويبدو أن الفشر والادعاء والمغالاة يدخل أحياناً في حدود العزة الوطنية، فإذا جاء العجم بأخبار غريبة مغالى فيها، سارع العرب إلى وضع قصص تعدل لهم الكفة مع العجم، وقد لاحظ بعض المتبصرين من المفكرين هذا:

     «يقول المبرد:

     حدثني التّوزي قال: سألت أبا عبيدة عن مثل هذه الأخبار من أخبار العرب فقال:

     إن العجم تكذب فتقول: كان رجل ثلثه من نحاس، وثلثه من نار، وثلثه من ثلج، فتعارضها العرب بهذا، وما أشبهه»(32).

     وهذا قاله على أثر ما ذكره عن السليك، وسرعة عدوه الخيالي، وما أتى به أثناء العدو من أعمال خارقة، تفوق قدرة الإِنسان، وتخرج عن نطاق سلطته.

     ويتكلم بعد ذلك عن لقمان بن عاد، وما يأتي عنه من أخبار عجيبة، وقصص من نسج الخيال لا يصدقها عقل، ولا تدخل في نطاق العادات، وما تعارف عليه الناس، بل تدخل في نطاق الخرافة بسهولة ويسر، وتماثل ما يقال عن عوج بن عنق:

     «ومن ذلك ما يحكون في خبر لقمان بن عاد، فإنهم يصفون أن جارية له سئلت عما بقي من بصره، فقالت:

     والله لقد ضعف بصره، ولقد بقيت منه بقية، إنه ليفصل بين أثر الانثى والذكر من الذر إذا دبّ على الصفا!!

     في أشياء تشاكل هذا من الكذب»(33).

     وهذا يدخل في أعلى مدارج الكذب، ويخطف جائزة السباق من أبي لمعة!

     وبهذا نكتفي بهذه الجوانب من المغالاة في الكذب و«الفشر».

*  *  *

الهوامش:

(19) البصائر: 3/73.

(20) ربيع الأبرار: 3/608.

(21) ربيع الأبرار: 4/29.

(22) ربيع الأبرار: 4/86.

(23) ربيع الأبرار: 4/124.

(24) ربيع الأبرار: 4/363.

(25) الكامل للمبرد: 2/1033.

(26) الكامل للمبرد: 2/1034.

(27) الكامل للمبرد: 2/1034.

(28) الكامل للمبرد: 2/1039.

(29) الكامل للمبرد: 2/1036.

(30) الكامل للمبرد: 2/1035.

(31) الكامل للمبرد: 2/714.

(32) الكامل للمبرد: 2/739.

(33) الكامل للمبرد: 2/743.

*  *  *