مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، ذوالقعدة – ذوالحجة 1432 هـ = أكتوبر – نوفمبر 2011 م ، العدد : 12-11 ، السنة : 35

إلى رحمة الله

 

 

 

العالم الصالح الحكيم فضيلة الشيخ/ مرغوب الرحمن

رئيس الجامعة الإسلامية "دارالعلوم ديوبند" رحمه الله

 

 

 

بقلم : الأستاذ عبد الرؤوف خان الغزنوي الأفغاني (*)

 

     في نحوالساعة العاشرة والنصف (بالتوقيت الباكستاني) من صباح يوم الأربعاء وغرّة شهر محرّم للعام الجديد 1432هـ الموافق 8 ديسمبر عام 2010م اتصل بي أحد الأصدقاء هاتفيّاً قائلاً بعد التحيّة المسنونة:قد انتقل قبل نحونصف الساعة (في الساعة العاشرة والنصف بالتوقيت الهندي) إلى رحمة الله تعالىٰ فضيلةُ الشيخ/مرغوب الرحمان رئيس الجامعة الإسلامية «دارالعلوم ديوبند»-الهند-.

     حَزَنَني هذا الخبرُ كما حَزَن آلافاً من العلماء والطلاب وعامّة المسلمين في داخل الهند وخارجها، وما كان لنا إلاّ أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، وأن نقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمّى. بعد الاسترجاع جلست أفكّرفي حياة الشيخ الراحل-رحمه الله- وما وفّقه الله تعالىٰ لخدمة الجامعة الإسلامية «دارالعلوم ديوبند» بكل صدق وإخلاص ونشاط، وما شاهدت من ورعه وسخاوته وتقواه وتواضعه، وما وهبه الله تعالىٰ من الحكمة والفهم الثاقب والرسوخ في إدراك الأمور الإدارية، وماكان يهتم به من الالتزام بالحذر والأخذ بالحيطة في ودائع الجامعة وشؤونها، وما منّ الله تعالىٰ به عليه من طول العمر وتوفيق حسن العمل حيث ناهز من عمره نحو 100 عام بالتقويم الهجريّ و96 عاماً بالتقويم الميلادي، متذكّراً حديثَ النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله» (رواه الترمذي وقال حديث حسن). فدعوت الله عزّ وجلّ أن يغفر له ويُسكنه بحبوحةَ جنانه، ويلهم ذويه ومن يتعلق به الصبرَ والسلوانَ، ويقدّر بعده لخدمة الجامعة من يقتفي أثَرَه، ويحذو حذوَه في الصدق والإخلاص والتواضع وإدراك الأمور على حقيقتها.

     بعد ذلك أخبرتُ تِرْبَ الفقيد وزميلَه في الدراسة وصديقَه المخلص فضيلةَ الشيخ/أصلح الحسيني المقيم في كراتشي بهٰذا الخبر المؤلِم كما أخبرتُ مشايخَ جامعة العلوم الإسلامية علاّمه بنوري تاؤن والقائمين بأمورها الإدارية والطلابَ لكي يقوموا بإهداء المثوبة للفقيد ويدعوا لِمغفرته ورفع درجاته في الجنة.

 

حفلات التأبين في باكستان :

     لمّا انتشر نبأ وفاة سماحة الشيخ/مرغوب الرحمان في باكستان انعقدت حفلات التأبين في المراكز الدينية والمدارس الإسلامية لإهداء المثوبة إليه ولإلقاء الضوء على حياته الحافلة بالجهود المكثّفة المخلصة لِخدمة جامعة ديوبند تلك الجامعة الغرّاء التي تفتخر الجامعات والمدارس الأهلية الدينيّة في شبه القارة الهنديّة والباكستانيّة بالانتماء إليها.

     ومن المدارس التي انعقدت فيها حفلات التأبين في باكستان جامعةُ العلوم الإسلامية علاّمه بنوري تاؤن كراتشي التي لها صلة عميقة تربطها بالجامعة الإسلامية «دارالعلوم ديوبند» منذ تأسيسها إلى يومنا هذا، وقد تحدّث في هٰذه الحفلة فضيلةُ الشيخ الدكتور/عبدالرزاق إسكندر رئيس الجامعة قائلاً: إن الجامعة الإسلامية «دارالعلوم ديوبند» مركز للجامعات والمدارس الدينيّة الأهليّة في الهند وخارجها، وإن وفاة رئيسها فضيلة الشيخ/مرغوب الرحمان خسارة كبرىٰ لهٰذه المدارس كلها، تغمّده الله بغفرانه، وقدّر الله لإدارة ذلك المركز العلمي الشامخ مديرًا فاضلاً صالحاً ماهرًا مثله.

 

ولادته وتخرّجه :

     وُلد فضيلة الشيخ/مرغوب الرحمان عام 1333هـ=1914م في مدينة «بجنور» من ولاية «أترابراديش» الهند في أسرة متديّنة ثريّة شهيرة بالمروءة والسخاوة ورحابة الصدر، وكان أبوه فضيلـة الشيخ/مشيئة الله (المتوفّى 1372هـ=1952م) رحمه الله- من متخرجي الجامعة الإسلامية «دارالعلوم ديوبند» ومن تلاميذ سماحة الشيخ/محمود حسن الديوبندي الشهير بـ«شيخ الهند» رئيس هيئة التدريس بالجامعة في زمنه، كما كان أخوه الكبير فضيلة الشيخ/مطلوب الرحمان (المتوفى 1408هـ=1988م) رحمه الله- من تلاميذ شيخ الإسلام/السيد حسين أحمد المدني (المتوفى 1377هـ=1957م) رحمه الله- ومن متخرجي جامعة ديوبند.

     تعلّم الفقيدُ العلومَ البدائيّة في «المدرسة الرحيميّة مدينة العلوم» بجامع «بجنور» التي كان يشرف عليها والده الكريم، ثم التحق بأمر والده لِتعلّم العلوم المتوسطة والعالية بالجامعة الإسلامية «دارالعلوم ديوبند» عام 1348هـ= 1929م وتخرّج فيها عام 1351هـ= 1932م، فقرأ الجامع الصحيح للإمام البخاري والسنن للإمام الترمذي على شيخ الإسلام/السيد حسين أحمد المدني رحمه الله- وبقيّةَ كتبِ الأحاديث المتداولة وكتبَ الفنون على مشايخ اٰخرين فيها أمثال فضيلة الشيخ/محمد إعزاز علي الأمروهوي، وفضيلة الشيخ/السيّد أصغر حسين الديوبندي، وفضيلة الشيخ العلاّمة/محمد إبراهيم البلياوي وغيرهم-رحمهم الله-.

     بعد التخرّج أراد أن يتخصّص في الفقه فالتحق بقسم الإفتاء بالجامعة الذي مدة دراسته سنة واحدة، فتدرّب على كتابة الفتاوى، وقرأ المقرّرات الدراسيّة على فضيلة الشيخ المفتي/محمد شفيع الديوبندي وفضيلــة الشيخ/محمد سهول الباغلبوري -رحمهما الله-، ولمّا أكمل دراسته في قسم الإفتاء رجع إلىٰ مدينة «بجنور»، وبدأ يدرّس في «المدرسة الرحيمية مدينة العلوم» لمدّة بسيطة إلاّ أن الاشتغال بالمهام الزراعيّة والخدمات الاجتماعية والدينية لم يمكّنه من الاستمرار في التدريس.

 

علاقته مع الجامعة الإسلامية "دارالعلوم ديوبند" وخدماته لها:

     ورِث فضيلةُ الشيخ/مرغوب الرحمان العلاقةَ مع الجامعة الإسلامية دارالعلوم ديوبند من سلفه المخلصين وأسرته الكريمة فظلّ مثلَهم عاكفاً على خدماتها الماديّة والمعنويّة. ونظراً لعلاقته الصادقة ومواساته المخلصة مع الجامعة عُيّن عضوًا في مجلس الشورىٰ للجامعة عام 1382هـ=1962م ثم عُيّن رئيساً مساعداً لها عام 1401هـ=1981م، ولما استقال الرئيس السابق للجامعة حكيم الإسلام سماحة الشيخ المقرئ/محمد طيّب القاسمي-رحمه الله- من رئاسة الجامعة عيّنه مجلس الشورىٰ رئيساً مستقلاًّ لها في جلستها المنعقدة في مدينة «لكناؤ» في شهر شوال عام 1402هـ الموافق أغسطس عام 1982م، وظلّ رئيساً لها إلى أن وافاه الأجل المحتوم، فمدّة علاقته مع الجامعة ومع شؤونها الإداريّة ترجع إلى نصف قرن، ومدّة رئاسته لها إلى نحو ثلاثين عاماً.

 

صلتي به وعطفه عليّ :

     التحقت بتوفيق الله تعالىٰ بقسم الحديث المسمى بـ «دورة الحديث» بالجامعة الإسلامية «دارالعلوم ديوبند» عام 1401هـ وفقيدنا كان رئيساً مساعداً للجامعة ثم بعد مدّة بسيطة عُيّن رئيساً مستقلاًّ لها، وبدأتِ الجامعةُ تعمل تحت إدارته فعيّنني إماماً وخطيباً للمسجد المركزي بالجامعة (المسجد القديم) وأنا طالب في قسم الحديث، وفي عام 1403هـ كنت طالباً في قسم الإفتاء بالجامعة إذ أمرني بعض كبار مشايخي بتقديم الطلب لعمل التدريس في الجامعة، فقدّمتُ الطلب وقابلتني لجنةُ إجراء المقابلة لتعيين المدرّسين في شهر صفر عام 1403هـ، وكانت اللجنة مكوّنة من أربعة علماء، سماحة الشيخ/مرغوب الرحمان رئيس الجامعة، وفضيلة الشيخ/ نصير أحمد خان نائب رئيس الجامعة وشيخ الحديث بها، وفضيلة الشيخ/ســعيد أحمد الأكبراٰبادى عضو مجلس الشورىٰ، وفضيلة الشيخ القاضي/زين العابدين الميرتي عضو مجلس الشورىٰ (رحمهم الله رحمةً واسعةً). فوافقت اللجنة على تعييني مدرّساً في الجامعة، وأخبرني فضيلة الشيخ/مرغوب الرحمان كتابيّاً بذلك وأبدى سرورَه به، وأمرني ببدأ العمل التدريسى في الجامعة، فبدأته في بداية شهر ربيع الأول عام 1403هـ إلى جانب عمل الإمامة والخطابة في مسجد الجامعة.

     ولمّا وُضع الحجر الأساسيّ للمسجد الجديد (جامع رشيد) يوم الجمعة 23/7/1406هـ الموافق 4/4/1986م، وبُدئ بعد مدّة مديدة العملُ التعميري وشراءُ الموادّ البنائيّة فاعتماداً على كاتب السطور وثقةً به فوّض إليه كتابيّاً (كعمل إضافيّ) مراقبةَ الأمتعة البنائيّة ومراقبةَ شرائها واستخدامها بشكل مناسب بتاريخ 4/8/1407هـ، فاعتذرت عنها لعدم تجربتي لهٰذه الأمور وعدم رغبتي فيها، فأصرّ عليّ قائلاً: إن هذه الخدمة خدمة بيت من بيوت الله وخدمة جامعة عريقة ولك بها أجر ومثوبة بمشيئة الله، فما وجدت بعد ذلك سبيلاً إلى الرفض، فبدأت في هذه المراقبة إلاّ أنني عجزت عن استمرارها فاعتذرت عنها بعد مدّة بسيطة نحو أسبوعين أمامَه بكل استكانة؛ حيث تضرّر بها عملي الأساسيّ في الجامعة وهو عمل التدريس، فقبل عذري وفوّض الأمر إلى من كانت له تجربة وحذاقة ورغبة فيه.

     في عام 1407هـ أردت بعد الاستشارة مع الأساتذة والأصدقاء أن أُرسل طلبي للالتحاق بقسم «تدريب المعلمين» أو «إعداد المعلمين» بمعهد اللغة العربية في جامعة الملك سعود بالرياض، واستشرت فضيلةَ الشيخ/مرغوب الرحمان رئيس الجامعة فوافق على ذلك، وكتب لي تزكية خاصّة بتاريخ 23/3/ 1407هـ باسم مدير معهد اللغة العربية، ونصها فيما يلى:

     سعادة مدير معهد اللغة العربية بجامعة الملك سعود- حفظه الله ورعاه - السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد فإن الأخ الأستاذ عبد الرؤوف خان بن عبدالودود خان قد تخرج في الجامعة الإسلامية دارالعلوم- ديوبند (الهند) ولم يزل مدة مكثه في الجامعة مرضي السيرة والسلوك، منصرفاً إلى وظيفته الدراسة، وبعد التخرج قد عُيّن مدرساً في الجامعة ولايزال مدرساً فيها إلى جانب أنه إمام وخطيب بالمسجد الجامع فيها منذ خمس سنوات وهو يعرف اللغة الأردية والفارسية والأفغانية والعربية، وحافظ للقرآن الكريم، ويرغب في أن يكسب أهلية أكثر في اللغة العربية.

     ونرجو أن قبول معهد اللغة العربية التابع لجامعة الملك سعود لطلبه يحقّق المنشود من غرضه. والله ولي التوفيق.

     ويرفق بالرسالة أوراقه وشهاداته رجاء أن يحظي طلبه بشرف القبول والرد الكريم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المخلص

مرغوب الرحمان

رئيس الجامعة الإسلامية دارالعلوم-ديوبند (الهند)

23/3/ 1407هـ

     ولما تمّ قبولي بإذن الله في معهد اللغة العربية بجامعة الملك في الرياض وافق سماحة رئيس الجامعة على إجازتي لمدّة سنتين، وبناءً على ذلك بقيت سنتين في جامعة الملك سعود ثم رجعت إلى الجامعة الإسلاميّة «دارالعلوم ديوبند»، وبقيت أعمل فيها مدرّساً وخطيباً إلى عام 1412هـ.

     وجدت خلال هٰذه المدّة من سماحة الرئيس الراحل عطفاً أبويّاً وحناناً صادقاً، بل كنت ألاحظ أن عطفَه على هذا الفقير المسافر المتغرّب يشُوبُه نوعٌ من الإكرام لأجل أنه كان يؤدي الصلوات الخمس خلفي في مسجد الجامعة الذي كنت إماماً فيه، وكان فضيلة الرئيس يسكن بجواره في غرفة متواضعة.

 

ميزة علماء جامعة ديوبند ومسؤوليهاأنهم

يهتمّون بتربيةالكُراع  فيجعلونه ذراعاً :

     ما أسلفتُ من بذل عناية سماحة الرئيس الراحل لهٰذا الطالب المسافر المتغرّب الذي كان لايتوقع أنه يتيسّر له مجرّد الالتحاق بالجامعة والدراسة فيها فضلاً عن الإمامة والتدريس فيها؛ لعظمتها وعلوّ مكانتها وضعف مقدرته العلميّة وعدم معرفته للغة الدراسة فيها (اللغة الأرديّة) ولكن قدّر الله له بارتكاز عناية المشايخ وسماحة الرئيس له أن جعله إماماً وخطيباً في الجامعة فمدرّساً فيها ثم ممثّلاً لها في جامعة الملك سعود بالرياض. والانتسابُ إلى جامعة ديوبند الغرّاء ومشايخها الكرام هو الذي تسبّب في أن قدّر الله لي خدمةَ الحديث في المنهل العلميّ الشامخ في باكستان «جامعة العلوم الإسلامية علاّمه بنوري تاؤن كراتشي» بعد ما انتقلت إلى باكستان؛ حيث توفيّ والدي رحمه الله- وأمرتْني والدتي وأقاربي المقيمين في «كوئته» بالانتقال إلى باكستان.

     فهذه هي ميزة مشايخ ومسؤولي تلك الجامعة الغرّاء أنهم يعتنون بالكُراع فيجعلونه ذراعاً (حسب المثل المشهور: كنت كُراعاً فجعلني ذراعاً) فكم من كُراع جعلوه ذراعاً بصرف العناية إليه وتربيته تربية إسلامية، كأنهم لاينسون للحظة واحدة وصيةَ النبي صلى الله عليه وسلم- التى رواها الإمام الترمذي بسنده عن أبي هارون قال: كنا نأتي أبا سعيد فيقول مرحباً بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن النبي صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الناس لكم تَبَع وإن رجالاً يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين وإذا أتوكم فاستوصُوا بهم خيرًا» (رواه الترمذي في سننه في أبواب العلم)

 

ورعه وتقواه وحزمه في ودائع الجامعة :

     خدم سماحةُ الشيخ/مرغوب الرحمان-رحمه الله- الجامعةَ الإسلامية «دارالعلوم ديوبند» كرئيس لها نحو ثلاثين عاماً، فقام بخدمتها ليلاً ونهارًا بكل إخلاص ونشاط مع تقدّمه في السنّ، وشهدتِ الجامعةُ على عهده تطوّرًا واضحاً، وتقدّماً شاملاً، فازداد عدد الطلاب، وازداد عدد الشُّعَب والأقسام التعليمية والإداريّة، كما تطوّرت الجامعة في زمنه في المشروعات البنائيّة، وإنشاء المباني الجديدة المتعدّدة، فمع هذه الخدمات الجليلة كلها لم يقبل الشيخ الرئيس الراحل أيَّ راتبٍ أو بدلٍ مادّيّ اٰخر من الجامعة،بل كان يقدّم لها تبرّعات متنوّعة من عند نفسه.

     أخبرني ذات مرّة في حياته سكرتيرُه الخاصّ الأخ/محمد طاهر-رحمه الله- أنني أعلم بالجزم أن سماحة الشيخ/مرغوب الرحمان رئيس الجامعة لم يستخدم على حساب الجامعة إلى الاٰن تنبولاً واحداً أو ما يساويه، وإذا ورد ضيوف إلى الجامعة فهو يجتهد في أن يقدّم لهم الشاي والمأدبة وما إلى ذلك من عنده حتى يتمكّن من المشاركة معهم في الأكل والشرب إكراماًلهم إذ هو يأبى أن يتناول شيئًا على حساب الجامعة.

     كما أخبرني أن فضيلته يتفقّد أحياناً أحوالَ مطبخ الجامعة، فيأخذ لقمةً من الخبز والإدام لِمجرّد الفحص فيعيد قيمةَ وجبةٍ كاملة إلى الجامعة حتى لايتذوّق هذه اللقمةَ بالمجّان، ومن جانب اٰخر كان يقدّم أجرةَ الغرفة التي كان يسكنها وبدلَ الكهرباء إلى الجامعة.

     كان رحمه الله-بالإضافة إلى اهتمامه بأداء الصلوات الخمس بالجماعة محافظاً على صلاة التهجّد والتضرّع إلى الله في ثلث الليل الأخير، ومواظباً على صلاة الضحى وغيرها من النوافل. تذكّرت أنني ذهبت يوماً في وقت الضحى إلى غرفته قبل خروجه إلى المكتب للاعتذار عن مراقبة شؤون المسجد الجديد (جامع رشيد) الجاري بناؤه في المرحلة البدائية في ذلك الوقت فاستأذنتُ في الدخول فأذن لي خادمه، فلمّا دخلت وجدته جالساً على السجّادة بعد فراغه من صلاة الضحى رافعاً يديه تجري الدموع على خدّيه متضرّعاً إلى الله عزّ وجلّ، فقلت في نفسي؛ إذا كانت علاقةُ زعيم هٰذه الجامعة مع الله عزّ وجلّ بهٰذه المثابة فلاشكّ أنها ستستمرّبإذن الله في الإنتاج الفائق وتحقيق اٰمال المسلمين الطيّبة المعقودة بها.

 

التماسي المتواضع من أصحاب المناصب

ومسؤولي ودائع المسلمين :

     بمناسبة ذكر نبذة من سيرة سماحة الرئيس الراحل وخصاله الحميدة ألتمس من كل مسلم، وخاصّة من أهل العلم الذين جعلهم الله أصحابَ مناصبَ في مؤسّسات دينيّة، وفوّض إليهم ودائعَ عامّة المسلمين الذين اعتمدوا عليهم وجعلوهم مُؤتَمَني أماناتهم أن يتمسّكوا بتعاليم الكتاب والسنة في الاحتفاظ بهذه الأمانات والاحتراز عن تضييعها، وأن يأخذوا بالحذر والحيطة في استخدامها، ويستحضروا في قلوبهم دائماً أنهم سيُسأَلون يوم القيامة عن هذه الأمانات.

 

انطباعات كبار أهل العلم وثناؤهم على الفقيد:

     ثناء أهل العلم والتقى وعامّة المسلمين على الميّت دليل على قبوله عند الله عزّ وجلّ وتقرّبه إليه؛ فإنهم شهداء الله في الأرض، فعن أنس رضى الله عنه- قال: مرّوا بجنازة فأثنوا عليها خيراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم - وَجَبَت، ثم مرّوا بأخرى فأثنوا عليها شرّاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم- وَجَبَتْ، فقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه- ما وَجَبَت؟ فقال: هذا أثنيتم عليه خيرًا فوَجَبَت له الجنةُ وهذا أثنيتم عليه شرّاً فوَجَبَت له النارُ، أنتم شهداء الله في الأرض. (متفق عليه)، فننقل نبذًا يسيرًا من انطباعات أهل العلم على سبيل الأنموذج:

 

يقول فضيلة الشيخ/أصلح الحسيني

تِرْب الفقيد وزميله في الدراسة:

     عايشت فضيلةَ الشيخ/مرغوب الرحمان مدّة طويلة منذ صغره فشبابه فشيخوخته، واطلعت على حياته الفرديّة والجماعيّة، فأقول بكل جزم: إنه كان رجلاً تقيّاً ورعاً مخلصاً، بعيدًا عن الشر ومجتنباً إيذاءَ المسلمين.

 

ويقول سماحة الشيخ/سعيد أحمد البالن بوري

رئيس هيئة التدريس وشيخ الحديث بجامعة ديوبند:

     كان الفقيد يحمل صفتين حميدتين قلما تجتمعان في رجل واحد، الصفة الأولىٰ هي صفة السخاوة، فكان سخياًّ في أمواله ينفقها على المحتاجين وفي سُبُل الخير ليلاً ونهارًا. والصفة الثانية هي صفة التصلّب والبخل في ودائع الجامعة، فكان لايسمح لِأحد أن ينفق شيئًا يسيرًا من ممتلكات الجامعة في غير محلّه.

 

ويبدي فضيلة الشيخ/السيد أرشد المدني

أستاذ الحديث النبوي بالجامعة انطباعَه كمايلي:

     إن ما قام به الفقيد من دورحاسم في النهضة الحديثة لدار العلوم ديوبند والخروج بها من الأزمة الإدارية التي كادت تقضى عليها نهائيّاً يعود إلى ما كان يتمتع به من الحُنْكة والدَّهاء والفراسة الإيمانيّة ومضيّ الهمة وعلوّها والإخلاص وحسن النية.

 

يقول فضيلة الشيخ/رئاسة علي البجنوري

أستاذ الحديث النبوي بالجامعة:

     كان الفقيد من أسرة ثريّة غنيّة، ومن خصائص الثراء أن أصحابها يجتهدون في التظاهر والتعرف والدعاية؛ ولكنه كان بعيدًا عن كل ذلك محترزًا عن الإعلان والمناورة، فهو قدوة لنا في التواضع والسيطرة على جِماح النفس.

 

ويبدي الأديب الكبير فضيلة الشيخ/نور عالم خليل الأميني

الأستاذ بالجامعة ورئيس تحرير مجلة "الداعي"  إعجابَه به هكذا:

     رغم شيخوخته الزائدة كان لايثور ولايغضب ولايفقد صبرَه، على حين إن العجائز الطاعنين في السنّ هُويّتُهم هو الثوران والغضب وفقد الصبر عاجلاً. كان رحمه الله- حليماً كريماً، متواضعاً صبورًا حتى في أحرج الساعات وأصعب المواقف.

     غفر الله له، وأسكنه جنّته الفردوس، ورزق ذويه الصبر والسلوان، وقدّر الله بعده لخدمة الجامعة رئيساً صالحا تقيّاً ورعاً ماهراً مخلصاً. إنه بالإجابة جدير، نعم المولىٰ ونعم النصير.

*  *  *



(*)      أستاذ سابقاً بالجامعة الإسلامية دارالعلوم ديوبند، الهند،

          وأستاذ حالياًّ بجامعة العلوم الإسلامية كراتشي، باكستان.