مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، محرم – صفر 1433 هـ = ديسمبر 2011م ، يناير 2012م ، العدد : 1-2 ، السنة : 36

 

 

كلمة العدد

 

 

الهجــــرة .. معانٍ تتجدّد

 

 

 

 

 

 

        يستهلّ علينا شهر محرم الحرام ليذكّرنا بالحدث الإسلامي العظيم: حدث هجرة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة.. الحدث الّذي لم يغيّر مجرى الدعوة الإسلاميّة وحدها وإنّما غيّر مجرى التأريخ البشريّ.

     الحقيقة أنّ الحدث عجيب وطريف في وقت واحد وذو دروس لا تنتهي في الواقع. وقد ظلّت الأقلامُ تكتب والألسنةُ تخطب عن أغواره ومضامينه ودروسه ومدلولاته، ولم تخنْ الكلماتُ هذه ولا تلك، ولم يضق عليهما المجال، ولم تنقصهما المعاني، ولم تلتو عليهما المفاهيم والأفكار. وسيظلّ الكُتَّاب والخطباء يقولون ولا تنفد الكلمات ولا الرُؤَى في هذا الموضوع المشرِّف العظيم. وستظل الأقلامُ البارعة والألسنة البليغة تستلهم المعاني وتستولد الأفكار و تستنبط الدروس وفق المقتضيات والحاجات التي ستظل مسيرةُ الحياة البشريّة تطرحها والمشكلات التي تثيرها. وسيبقى هذا الحدث العظيم كأحداث الدعوة الإسلامية الأخرى منبعاً فياضاً للمعاني والأفكار والدروس والعظات مهما تقدم الزمان، وتغيّرت العقليّة البشريّة، واستجدّت الحاجات.

     ولكننا لسنا أمّة خُلِقَتْ لتجيد فقط القول وتُحسن النطق وتُتقن فنّ الكلام، ككثير من الأمم التي ليس لديها رصيد من العمل و الحركة وإنّما عمادها هو تحبير الحديث وتنميق المقالات وتدبيج الكلام ولوك الألسنة وتحريك الأقلام وشغل المطابع والآليّات الإصداريّة بالطباعة والنشر والتوزيع. أمّا هي بدورها فهي صفر في دنيا العمل وأرض النشاط والتحرك.

     إي والله لم نكن ولسنا ولن نكون من هؤلاء، وإنّما نحن أمّة أُخْرِجَتْ للعمل والحركة والنشاط الذي لا ينتهي والركض الذي لا يعرف الفتور والسعي الذي لا يُبْلَىٰ بالتوقف. نحن أمّة أمّية، كان نبينا لا يعرف الخطّ والكتابة والقراءة، وكثير من أصحابه الكرام لم يكونوا يعرفون ذلك؛ ولكنّهم بُعِثُوا مُعَلِّمي العالم وقادةَ الأمم، بفضل ما أكرمهم الله تعالى به من قوة العمل والمجاهدة في العبادة والصبر على الطاعة والثبات على أرض العقيدة والمبدأ، والتفاني في السعي من أجل إعلاء كلمة الله.

     وحدثُ الهجرة يذكّرنا دائماً ولا سيّما في مثل هذا الشهر الكريم بدرس العمل من حديد، ويبعثنا على أن نتبنّى الفعّاليّة قبل القوّاليّة أو مكانَ القواليّة؛ وأن نعود من جديد نحبّ المكاره والشدائد في سبيل العقيدة والمبدأ؛ وأن نستعذب كمثل نبينا محمد  صلى الله عليه وسلم وصحابته الأبرار الأخيار العذابَ في سبيل الله؛ وأن نهجر كل ما نهانا الله عنه مهما كان عزيزاً ولذيذاً ومستطاباً؛ فقد هجر  صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم العشّ الذي فيه وُلِدُوا في مكّة، والأسرةَ والأهل، والمال والثروة، والوطن الذي من أرضه وجّوه خُلِقُوْا، وعلى بطحائه مَشَوْا، وفي رحابه تنفسوا، وبين أحضانه قَضَوْا طفولتهم وشبابهم، وهجروا الصديق القديم، والترب الودود، وكثيراً من الأحلام التي حلموا بها، والأماني التي عاشوا فيها، والأغراض التي كانوا في سبيل تحقيقها؛ وما أشقّ ذلك كلّه على النفس البشريّة، وليخلُ كلّ منّا بنفسه، وليفكّر لحظةً في ترك هذه الأطايب واللذائذ. واللهِ ستعود تلك اللحظةُ لديه أمرَّ اللحظات في حياته. ولكنّ الصحابة رضي الله عنهم هجروها في سبيل الله دون أن يأسفوا عليها، لأنّهم كانوا قد باعوا أنفسهم وأموالهم لله بأنّ لهم الجنّة. فهجروها في سبيل أشرف الغايات وأنبل الأغراض وأطهر المقاصد.

     لنتّخذ هذه المناسبةَ: مناسبةَ العام الهجريّ الجديد منطلقاً لتجديد العهد لله ولرسوله ولدينه ودعوته، لتجديد الإيمان، وشحذ الإرادة، والاندفاع إلى العمل بقوة أكثر ونشاط أوفر وهمة أكبر.

     لِنَنْبُذْ من جديد أوثان العصيان وأصنام الطغيان وشياطين التقصير والإهمال في جانب العمل والأمل، على عتبة هذا العام، لنعود مسلمين عاملين، مسلمين متحركين نشيطين، مسلمين فاعلين: كل في قطاعه، المدرس في قطاعه، والطالب في قطاعه، والمؤلف في قطاعه، والمفكّر في قطاعه، والأديب والشاعر في قطاعهما، والعالم والفقيه والداعي في قطاعاتهم، والتاجر في قطاعه، والحاكم في قطاعه، والشعب في قطاعه، الثريّ فيما يجب عليه والفقير فيما ينبقي له، والعالم فيما يعود عليه والجاهل فيما يجب أن يصنعه لعلاج جهله والعمل بدينه.

     كنّا كذلك قبل أن يدهمنا مرض الثرثرة والقواليّة وقبل أن نَتْخَمَ بإتقان فن الكلام مكان إتقان العمل.

     بالعمل وحده فتحنا الدنيا، وتغلّبنا على الأمم، وحكمنا العالم، وملكنا الأرض، وترامتْ علينا الثروات والتيجان والجاه والسلطان، وهرعت إلينا الحكومات، وتَتَوَّجَ بنا العزّ، وتَجَمَّلَ بنا التأريخ، وخضعتْ لنا الرقاب، وركعتْ لنا الجبابرة، وسُمِعَتْ لنا كُلُّ كلمة، وأُطِيْعَتْ لنا كل إشارة، ونُفّذ لنا كل أمر. فلما اكتفينا بالإخلاد إلى الكلام، وقعدنا عن العمل، وتخلينا عن مركزنا، استأسد علينا كلُّ ثعلب، وهمّ بنا كلّ وضيع وطمع فينا كلّ ذليل.

     إنّ أمّة محمد  صلى الله عليه وسلم لن تَعِزَّ إلاّ بالعمل. والعملُ معنى مُشَرِّفٌ، معنى شامل كامل، معنى ثَرٌّ فيّاض، معنى لا تنفد عجائبه ومعجزاته لمن فهمه بل وعاه وأخذه كلّ الأخذ. إنّ العمل يقتضي أن يسبقه الفهم، والإرادةُ، والاستعدادُ، واتّخاذُ كلّ وسيلة، والأخذُ بكلّ حيلة، والقرعُ لكلّ باب، واللجوجُ حتى الولوج، والصبر حتى الفوز. والعمل ليس معناه التعامي أو العشوائية أو التهوّر أو الارتجالية، أو الاقتحام دون تخطيط مسبق، والوثوب دون تثّبت، والقفز دون ضبط للجناحين، والارتماء في الماء دون تمرّن على فن السباحة وعلى الخوض في الماء والغور في القاع. كما أنّ العمل ليس التمنيَ والترجّيَ والتردد، والتسويف والتأجيل، والتفرّج من الشاطئ، أو إطلاق الدعاوي الفارغة والأقاويل العريضة، والاكتفاء بالأحلام المعسولة.

     إنّ العمل شيء فوق ذلك وقبل ذلك كما أنّه خليط من كل ذلك في وقت واحد.. ولقد أَخَطَأَ من فهم العمل في غير معانيه و وضعه في غير موضعه.

     الهجرة تعنى جميع هذه الدلالات وغيرها الّذي لا يُحْصٰى، ولقد أراد اللهُ خالقُ الكون والأحداث والتغيّرات أن تظل هي فيَّاضةً بالمعاني مُلْهِمَةً للأفكار، مثيرةً للدروس، مجددة للذكريات، باعثة على العمل، محرّكة للهمم، حافظة للقيم.

 

نور عالم خليل الأميني