مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، محرم – صفر 1433 هـ = ديسمبر 2011م ، يناير 2012م ، العدد : 1-2 ، السنة : 36

 

 

دراسات إسلامية

 

 

من قتل المتنبي ..؟!

 

بقلم : الأستاذ إبراهيم بن عبد الرحمن التركي

 

 

 

 

(1)

     (فلو كانت الديانةُ عاراً على الشِّعر، وكان سوءُ الاعتقاد سبباً لتأخر الشاعر لوجب أن يمحى اسم «أبي نواس» من الدواوين، ويحذف ذكره إذا عدت الطبقات، ولكان أولاهم بذلك أهل الجاهلية ومن تشهدُ الآية عليه بالكفر، ولوجب أن يكون كعبُ بن زهير وابن الزبعري وأضرابُهما مممن تناول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعاب من أصحابه بكماً وخرساً، وبكاء مفحمين، ولكن الأمرين متباينان، والدين بمعزل عن الشعر..)

أبوالحسن الجرجاني.. الوساطة

     الشعر ومضمونه غير ان وليسا شيئاً واحداً، وهذه حقيقةٌ تحرج من درّبه بعض معلميه التراثيين مدى عمره الأدبي بأن الشكل والمضمون لا ينفصلان..

أبو عبد الرحمن بن عقيل مبادئ في نظرية

الشعر والجمال

(2)

     تعرفون شيخَنا العالم الموسوعي (محمد بن عمر بن عقيل) فلا نعرِّفه.. وكذا (الجرجاني) أبا الحسن علي بن عبد العزيز، وهو أستاذ (عبد القاهر الجرجاني) صاحب (أسرار البلاغة) و(دلائل الإعجاز)، وربما أضفنا أنه من كبار القُضاة عند الشافعية، وله مؤلفات في الفقه والأدب والتاريخ، ووصفه (زكي مبارك) في كتابه (النثر الفني في القرن الرابع) بأنه قاضي القضاة، وسيِّد الفقهاء في الري وآذربيجان..!

     استدلّ أبوالحسن المولود سنة 290هـ - لنظريته بأبياتٍ لأبي نواس تجاوز فيها كل الثوابت، ومنها:

     إني بعاجل ما ترين موكلٌ

                      وسواه رجاف مـن الآثار

     ما جاءَنا أحد يخـبر أننا

                      في جنة مذْمات أو في نار

     لا فن ولا إبداع ولا قيم على حد سواء، ومع هذا استشهد بها (القاضي الجرجاني) لنرى أننا قبل أحد عشر قرناً، أي قبل إحدى عشرة مرتبة من الخيريّة وفقاً للأثر الكريم: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم).. كنّا أكثرَ تسامحاً مع الإبداع، ولم يولد بيننا من قرأوا الشعر بعين الوعظ، أو بعين المصلحة التي قادت النّظم والنظّامين للواجهة، وأوجدت للإبداع تصنيفات مؤدلجة، وأدخلت (العامة) من غير المتخصصين في دائرة ضيِّقة، ترى الشعر درساً في الأخلاق، والشعراء مجموعةً من الوعاظ والوُصّاف والزهّاد..!

     ولعل (زكي مبارك) في كتابه المرجعيّ المشار إليه الذي نال به درجة الدكتوراه عام 1931 قد أشار إلى معضلة (الخلط) حين كتب:

     (وماذا تريدون من الشعر والأدب أيها الناس..؟ أتريدون أن تعلنوا الأحكام العرفية على الكتّاب والشعراء والفنانين لئلا ينظروا بعيونهم، ويفقهوا بقلوبهم فيكون من آثارهم ما ينقض ما تواضعتم عليه منذ أجيال..؟)

(3)

ذوالعقــل يشقي في النعيم بعقله

وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ

لايسلّم الشرف الرفيع من الأذى

حتى يراقَ على جـوانبه الدمُ

ومن البليّة عــذل من لا يرعوي

عن غيّه وخطاب من لايُفهمُ

     مجتزءات من نص *  سارت ببعض أبياته الركبان كما قالت العرب فأصبحت من محفوظات العامة والخاصة، وهي لأبي الطيب ومطلعها:

     لهوى النفوس سريرةٌ لا تُعلمُ

                عرضا نظرت وخلتُ أني أسلمُ

     وخاتمتها:

     أفعالِ من تلدُ الكرام كريمةٌ

                وفَعَالُ من تلدُ الأعاجم أعجمُ

     كان على مبدأ التصنيف الأخلاقي أن يطمر هذه القصيدة التي امتلأت بالإسفاف والبذاءة وقذف الأعراض حين غضب المتنبي من (إسحاق بن إبراهيم الأعوور) المعروف (بابن كَيغلغ) فهجاه، ولمن شاء قراءتها إذْ لا يُمكن في مثل حالنا اليوم الاستشهادُ بها أو حتى الإشارة إلى بعض معانيها..!

     والمفارقة هنا أن (العكبري) أحد شرّاح شعر المتنبي حين مرّ على الأبيات أشار إلى أبيات مماثلة (مليئة بالسقوط على مذهب التصنيف فأورد بيتاً للفرزدق، وأبياتاً أخرى قال عنها: (وقد أبدع (على الربعي) في مثل هذا في امرأة يوسف بن المعلم) ثم ذكر أبياتاً تسعةً اشتملتْ على وصف فاضح جداً لما يُفعل بالمرأة، وتأملوا معها مفردة (أبدع).. وتذكروا أنهم مسلمون يخشون الله ويعبدونه دون أن يلتفتوا عن الإبداع الفنيّ ويحاكموه من الوجهة الأخلاقية..!

(4)

     في برنامج مرئي استشهد الشيخ سلمان العودة وهو يناقش هوان الأمة ببضعة أبيات لم يُشرْ إلى صاحبها، لاجهلاً منه بل سهوًا ربما، أو درءاً لمشاعر الجماهير التي ترى أن العناية بشاعرها حيدةٌ عن الطريق الصحيح..!

     الأبيات لنزار قباني من قصيدته (دمشق) التي مطلعها:

     فرشتُ فوق ثراك الطاهر الهُدبُا

                     يا دمشقُ لماذا نَبدأُ العتبا

     حبيبتي أنت فاستلقى كأغنيةٍ

                     لى ذراعي ولا تستوضحي السببا

     استشهد الشيخ بقول «نزار»:

     أدمت سياط حزيران ظهورَهم

                فأدمنوها وباسوا كفّ من ضربا

     وطالعُوا كتب التاريخ واقتنعـوا

                متى البنادقُ كانت تسكن الكتبا

     سقَوا فلسطين أحلاماً ملونــة

                وأطعموها سخيف القول والخطبا

     في مذهب التصنيف يبدو نزار شاعر المرأة الموغل في توصيف الحس واللذة والجسد، وهو نفسه شاعر الثورة على المبادئ والقيم، وربما وجد بعض المصنفين له أبياتاً ضمه بها مع الفئة الضالة التي تريد هدم كيان الأمة الإسلامية وإضاعة شبابها، أو ليس بين المذهبين مذهب توسطي ينهى عن المنكر دون أن يتنكر للإبداع..؟

(5)

     بقياس مذهب التصنيف سيُلغى الشعر كُلُّه من لدن (امرئ القيس) إلى (مظفر النواب)؛ فإما أن يكون صاحبُه مشكوكاً في عقيدته، أو شعرهُ خارجاً على الدين، و(المتنبي) على سبيل المثال ليس من أهل السنة والجماعة، ولم يمتنع أحد قديماً أو حديثاً عن دراسة وتدريس شعره؛ بل ربما كان (المشايخ) هم أكثر الناس إلماحاً لأبياته، رغم ما فيها وما فيه مما قد يبلغ درجة الخروج عن الملّة..!

     أبو الطيب مَثَلٌ، وفي سواه أمثلة، وفي ديوان (حافظ إبراهيم) الذي يردد كثيرون قصيدته عن اللغة العربية التي أولها:

     رجعت لنفسي فاتهمت حصاتي

                وناديت قومي فاحتسبتُ حياتي

     قصائدُ عديدة في الغزل بالغلمان مما تحرمه كل الأديان وتنفر منه النفوس السويّة..!

     للإمام جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي صاحب (الإتقان) و(لباب النقول في أسباب النزول) وأحد الجلالين صاحبي التفسير المعروف كتب (لايمكن في أوضاعنا حتى ذكر عناوينها، وقد حصر له أحد الباحثين 1194 مؤلفاً طبع منها 331 عنواناً، بينما بقي 431 من كتبه مخطوطة، ومثلها كتبه (الجنسية) الفاضحة في أسمائها بله محتوياتها لكانت كافيةً أمام التصنيفيين لوضع علامات استفهام أمام هذا العالم الموسوعي الذي قل أن يجود الزمن بمثله، ولو أوردنا ماله من آراء في التصوف، وما خالف به الجمهور من قضايا لوضع اسمُه في القائمة السوداء..!

(6)

     ظلت قضية (الشعر والأخلاق) مثيرةً لحوارات المهتمين، وتباينت الآراء حول دوره الثقافي، وآمن الأكثرون أن قراءة الشعر تتم عبر بوابة (علم الجمال ونظرياته) دون أن تحكم بمعايير الخير والشر أو الحق والباطل..!

     وفي كتابه (مبادئُ في نظريّة الشعر والجمال) الصادر عن نادي حائل الأدبي قال أبو عبد الرحمن ابن عقيل:

     (.. يظلُّ فسق أبي نواس في فنه الشعري شعراً؛ لأنه حقق مدلولاً ما هو جميل في التعبير الكلامي وفق أصول مأخوذة من علم الجمال العامة، ثم من علوم الفنون الجميلة، ثم من خاصية الجمال في التعبير الكلامي، ومعاذ الله أن أكون داعية للباطل والشر والقبح وإنما أقول: قبح السلوك الفكري والعملي من قيم أخرى خارج دائرة التخصص الشعري يقوم بها المربون والمصلحون ونبراسُهم الدين والأخلاق وعزائم الفكر..)!

(7)

     الحديث لا ينتهي، لنتوجه إلى المسكونين بحب الحقيقة في أن يُحسنوا الظن بغيرهم، وألا يأخذهم (التصنيف) في غلوائه، فالاحتفاء بالإبداع لا يعني الاتباع، والإعجاب بنص لايستلزمُ الاقتناع، ومثله البحث فيما وراء الكلمات من ممارسات مما قد يهدمُ رموزًا طالما ادّعت الفضيلة، ولتبق القضية مثلما كانت عند كثير من السلف والخلف قابلة للتمييز بين الصُّورة والمعنى..!

     الإعجاب غيرُ الاستلاب..!