مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، محرم – صفر 1433 هـ = ديسمبر 2011م ، يناير 2012م ، العدد : 1-2 ، السنة : 36

 

 

دراسات إسلامية

 

 

فلسفة الإسلام في معاملة الآخر

 

بقلم : فضيلة الشيخ / شوقي عبد اللطيف أيوب

 

 

 

     من الغريب أن يتهم البعض الإسلام بالتعصب، ومن العجيب أن يُتهم المسلمون بإساءة معاملة غير المسلمين بين ديارهم وفوق أراضيهم، والأعجب من هذا أن تنسب الأحداث المؤسفة والخلافات، والنزاعات، والصدامات الشخصية التي تحدث بين الأفراد إلى الأديان بهدف الإساءة إليها وتحميلها التبعات... إلخ

     وبقليل من التريث والتأني ودراسة الأوضاع يتأكد لكل ذي لب بأن كل النزاعات التي تقع بين طائفتين دينيتين سببها الصراعات الشخصية والمصالح الدنيوية وأكبر دليل على ذلك عدم الالتزام الديني لطرفى النزاع.

     لهذا آثرت في هذا المقال أن أوضح فلسفة الإسلام التي تحكم المسلم في معاملة غيرالمسلم، وهناك حقيقة لابد أن يؤمن بها كل عاقل وهي أن كل ذي دين يعتز بدينه، يعتقد أنه الحق؛ يستوي في ذلك أصحاب الشرائع السماوية والمذاهب المادية والوضعية وتلك هي طبيعة الإنسان الذي وصفه الله بقوله: ﴿وَكَانَ الإنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ (سورة الكهف: الآية54).

     وحيال هذا الاختلاف واعتزاز كل فرد بدينه لا يكون الحكم إلا لله وحده القائل ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (سورة البقرة: الآية 256).

     وشريعة الإسلام هي الرسالة الخاتمة ولها فلسفة خاصة زودت بها المسلم كي يتعامل مع أخيه الإنسان بغض النظر عن عقيدته وجنسه ولونه ووطنه، وهذه المفاهيم التي رسختها شريعة الإسلام في أبنائها جعلتهم يتعايشون مع طوائف البشر ومع كل الأيدولوجيات بعقلانية وتسامح واعتدال انطلاقاً من القاعدة الشرعية التي تحكم الجماعة المسلمة: «لهم ما لنا وعليهم ما علينا».

ومن بين هذه الفلسفات:

     1 الاعتقاد بأن الله هو الخالق للإنسان:

     إن الإنسان الذي قصدته الشريعة هو جنس الإنسان بغض النظر عن عقيدته ولونه وجنسه ووطنه: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلٰئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ (سورة ص: الآية 71).

     وسواه بيده ونفخ فيه من روحه قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (سورة الحجر: الآية 29).

     وجعله خليفةً في أرضه ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ (سورة البقرة: الآية 30).

     2 الاعتقاد بكرامة الإنسان:

     لقد كفل الإسلام الكرامة الإنسانية لكل بني آدم ولم يفرق بين إنسان وإنسان، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا﴾ (سورة الإسراء: الآية 70).

     * وهذه الكرامة التي قررها الإسلام توجب لكل إنسان حق الاحترام والرعاية، ومن الأمثلة العملية على احترام الإسلام للنفس البشرية ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله: أن جنازة مرت على النبي صلى الله عليه وسلم فقام لها واقفاً، فقيل له: إنها جنازة يهودي: فقال صلى الله عليه وسلم: «أليست نفساً».

     3 الحث على ضرورة التعامل مع الآخر:

     * إن الاعتقاد السائد لدى المسلم والذي تعلمه من شريعته السمحاء أن المسلم لا يمكن أن يعيش وحده أو يحيا بمفرده مهما كانت إمكاناته وقوته فعجلة الحياة لم ولن تسير إلا بالتعاون بين الجماعات والدول؛ لأن التعاون هو سنة الحياة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنٰكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقٰكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (سورة الحجرات: الآية13).

     4 الاعتقاد بأن اختلاف الناس في الدين واقع بمشيئة الله وحده:

     * لقد علم الإسلام أبناءه بأن اختلاف الناس في العقائد مرده إلى الله، ومن يعتقد خلاف ذلك فقد تأبى على الله ورد عليه مشيئته.

     * قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (سورة هود: الآيتان 118، 119).

     * ويقول فضيلة الدكتور «سيد طنطاوي» شيخ الأزهر في تفسير هاتين الآيتين: ﴿ وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ تأكيدًا لما اقتضته سنته من اختلاف الناس.

     قال الآلوسي: وللاختلاف خلق الناس على معنى: لثمرة الاختلاف؛ من كون فريق في الجنة وفريق في السعير(1).

     وعن حقيقة الاختلاف يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى افترقوا على اثنين وسبيعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قالوا ومن هم يا رسول الله؟ قال ما أنا عليه وأصحابي)(2).

     بهذا يتأكد أن الاختلاف بين بني البشر في طبائعهم وعقائدهم هو واقع بمشيئة الله ولا يجوز لأحد أن ينكر هذا الاختلاف حتى ولو كان على الحق؛ فهذه هي مشيئته في الدنيا وهو في الآخرة المحاسب وحده.

     ولهذا يجب على المسلم أن لا يجبر أحدًا على الدخول في الإسلام، كيف وقد قال الله لرسوله الكريم: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (سورة يونس: الآية99).

     * وحول معنى هذه الآية يقول فضيلة الدكتور/ سيد طنطاوي شيخ الأزهر والمعنى: تلك هي مشيئتنا لو أردنا إنقاذها لنفذناها؛ ولكننا لم نشأ ذلك، فهل أنت يا محمد في وسعك أن تكره الناس الذين لم يرد الله هدايتهم على الإيمان، لا: ليس ذلك في وسعك ولا في وسع الخلق جميعاً، بل الذي في وسعك هو التبليغ لما أمرناك بتبليغه(3).

     * ولقد أكد القرآن على حقيقة مهمة وهي أن التنوع وارد والاختلاف قائم، وأن حساب أتباع هذه الشرائع بيد الله وحد لا بيد أحد من البشر مهما كانت مكانته حتى ولو كان على الحقيقة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصٰرَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (سورة الحج: الآية 17).

     لقد خاطب الله رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن أهل الكتاب مبيناً له بأن مهمته هي الدعوة إلى الله بالحكمة وترك المصير إلى الله وحده؛ لأنه صاحب الأمر وإليه الحكم: «إنِ الحُكْمُ إلَّا لله»، قال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتٰبٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (سورة الشورى: الآية15).

     إن شرائع السماء كلها تؤكد أن مصير الخلائق بيد الله وحده وهذه هي مقولة نبي الله إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لربه جل وعلا: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ سورة إبراهيم: الآية 36).

     وتلك هي مقولة عيسى u لربه يوم القيامة: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (سورة المائدة: الآية118)، ومن هنا يوضح القرآن الكريم أن العقلية الإسلامية تقوم على التواصل والتعاون لا على الوصايا والإلزام، فهي عقلية تواصى لا وصايه.

     5 الاعتقاد بمبدأ الوحدة الإنسانية:

     من الحقائق التي أكد عليها الإسلام لتكون معتقدًا لأبنائه وحدة الأصل البشري، فكل البشر ينتمون لأب واحد وأم واحدة وهما آدم وحواء وهذا رباط نسبى وثيق يربط المسلم بغيره من أصحاب الشرائع والمذاهب والفلسفات الأخرى، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (سورة النساء: الآية1).

     وما دام الأمر هكذا فلابد من التعارف بين أبناء البشر على اختلاف أجناسهم وعقائدهم وطوائفهم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنٰكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقٰكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (سورة الحجرات: الآية 13).

     وقد أكد على هذا الاعتقاد سيد ولد آدم آخر الأنبياء الذي أعلن في بيانه الأخير في حجة وداعه من فوق جبل عرفات (يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى، ألا هل بلغت اللهم فاشهد)(4).

     6 الاعتقاد بمبدأ المساواة:

     ومن الفلسفات التي تحكم المسلم وتزوده بمنهجية التعامل مع غيره من بني البشر من غير المسلمين التأكيد على مبدأ المساواة ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنٰكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقٰكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (سورة الحجرات: الآية 13).

     وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾ (سورة الأنعام: الآية152).

     وقوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (سورة المائدة الآية:8).

     هذا وقد قص القرآن على أبنائه ما يؤكد معاملة غير المسلم بنفس المعيار الذي يعامل به المسلم في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتٰبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا...﴾ الآيات إلى قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (سورة النساء الآيات: 105-113).

     وعن سبب نزول الآيات يقول الإمام الواحدي: «هذه الآيات نزلت في رجل من الأنصار يقال له «طعمة بن أبيرق» أحد بني ظفر بن الحارث سرق درعاً من جار له يقال له «قتادة بن النعمان»، وكانت الدرع في جراب فيه دقيق فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى الدار وفيها أثر الدقيق، ثم خبأها عند رجل من اليهود يقال له «زيد ابن السمين»، فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد عنده وحلف له.. والله ما أخذها وما له به من علم، فقال أصحاب الدرع: بلى والله قد أدلج علينا فأخذها وطلبنا أثره حتى دخل داره، فرأينا أثر الدقيق فلما أن حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي فأخذوه فقال: دفعها إلى «طعمة بن أبيرق» وشهد له أناس من اليهود على ذلك، فقالت بنو ظفر وهم قوم طعمة : انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلموه في ذلك، فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إن لم تفعل هلك صاحبنا، وافتضح وبرئ اليهودي، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل وكان هواه معه وأن يعاقب اليهودي حتى أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ﴾ (سورة النساء الآية:105). إن مبدأ المساواة بين الإنسان وأخيه الإنسان بغض النظر عن عقيدته ولونه وجنسه هو ما طبقه الرسول صلى الله عليه وسلم في واقع حياته ومع أصدقائه وأعدائه وحلفائه.

     7 الاعتقاد بتكامل الشرائع:

     ومن الفلسفات التي تحكم المسلم الاعتقاد بتكامل الشرائع فلقد علم الإسلام أبناءه بأن شرائع السماء متصلة الحلقات لا تنفصم عراها، ولا تنفصل حلقاتها، فشرع ما قبلنا هو شرع لنا في جميع الأمور ما لم يرد نص يخالفه أو يخصصه.

     وما تلتقى عليه شريعة الإسلام وغيرها من الشرائع مساحة مترامية الأطراف تكفى لجمع الكلمة وتؤدي إلى التعاون وتنمي عاطفة الحب والإخاء: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتٰبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ...﴾ (سورة المائدة من الآية: 48).

     وفي تكامل العقائد نقرأ أيضاً قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (سورة الشورى الآية: 13).

     ونقرأ أيضاً قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمٰعِيْلَ وَإِسْحٰقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (سورة البقرة الآية: 136).

     8 وجوب العدل مع المسلمين وغيرهم:

     إن الإسلام هو دين الرحمة ونبي الإسلام هو نبي الرحمة وليست رحمته صلى الله عليه وسلم للمسلمين وحدهم وإنما هي الرحمة العامة لجميع الخلائق: ﴿وَمَا أَرْسَلْنٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعٰلَمِيْنَ﴾ (سورة الأنبياء الآية: 107). وهذه الرحمة تجلت في وصية المسلمين بالعدل مع غير المسلمين والتحذير مِنْ ظُلْمِهِمْ حتى ولو كانوا كفارا قال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (سورة المائدة الآية:8).

     وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب».

     كما أمر بالإحسان إليهم وبرهم فقال تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (سورة الممتحنة الآية8).

     وإذا كانت هذه هي تعاليم الإسلام في معاملة غير المسلمين فإن أهل الكتاب لهم مكانة خاصة ومعاملة خاصة لدى المسلمين تنفيذًا لتعاليم دينهم الحنيف فالقرآن يناديهم بأحب الأسماء إليهم: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتٰبِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (سورة آل عمران الآية:64).

     والقرآن يشير بهذا إلى أنهم في الأصل أهل دين سماوي بينهم وبين المسلمين رحم وقربى تتمثل في أصول الدين الواحد الذي بعث الله به أنبياءه جميعاً ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرٰهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ...﴾ (سورة الشورى الآية: 13).

     كما أكدت شريعة الإسلام الغراء أن المسلمين مطالبون بالإيمان بكتب الله قاطبةً ورسل الله جميعاً ولا يتحقق إيمانهم إلا بهذا قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمٰعِيلَ وَإِسْحٰقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (سورة البقرة الآية:136). كما وجههم إلى مجادلة أهل الكتاب في حالة ضرورة المجادلة بالتي هي أحسن بعيداً عن المراء الذي يوغر الصدور ويجلب العداوة قال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتٰبِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (سورة العنكبوت الآية:46).

     وفي حالة عدم تسليم أهل الكتاب بالحقائق، فما على المجادل المسلم من سبيل سوى الإعلان عن هذه الحقيقة وترك الجدال قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتٰبِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (سورة آل عمران الآية:64).

     وحتى يكون هناك التقارب ودوام الصلة والمحبة بين المسلم وإخوانه من أهل الكتاب أباح الإسلام لأبنائه مؤاكلة أهل الكتاب ومصاهرتهم بالتزاوج من نسائهم قال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰبَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰبَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (سورة المائدة الآية:5).

     هذه هي تعاليم الإسلام في معاملة أهل الكتاب عامةً، أما النصارى فلهم معاملة أخص لعدة أسباب منها ما ورد بالآية الكريمة: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ * فَأَثَابَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة المائدة الآيات: 82-85).

     وهذه الوصايا المذكورة تشمل جميع أهل الكتاب حيث كانوا، غير أن المقيمين في ظل دولة الإسلام منهم لهم وضع خاص، وهم الذين يسمون في اصطلاح المسلمين باسم (أهل الذمة) والذمة معناها العهد وهي كلمة توحى بأن لهم عهد الله وعهد رسوله وعهد جماعة المسلمين أن يعيشوا في ظل الإسلام آمنين مطمئنين.

     وهؤلاء بالتعبير الحديث مواطنون بالدولة الإسلامية، وقد أجمع المسلمون منذ العصر الأول إلى اليوم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم إلا فيما يتعلق بشؤون الدين والعقيدة فإن الإسلام يتركهم وما يدينون به.

     وقد شدّد النبي صلى الله عليه وسلم الوصية لأهل الذمة وتوعد كل مخالف لهذه الوصايا بسخط الله وعذابه. قال صلى الله عليه وسلم «من آذى ذمياً فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله»، «من آذى ذمياً فأنا خصمه ومن كنت خصمه، خصمته يوم القيامة» وقال صلى الله عليه وسلم: «من ظلم معاهدًا أو انتقص حقه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة».

     وقد سار خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم على رعاية هذه الحقوق والحرمات، رعايةً لهؤلاء المواطنين من غير المسلمين، وأكد فقهاء الإسلام على اختلاف مذاهبهم هذه الحقوق والحرمات.

     قال الفقيه المالكي شهاب الدين القرافي: «إن عقد الذمة يوجب علينا حقوقاً؛ لأنهم في جوارنا وذمتنا وذمة الله تعالى، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو عيبة في عرض أحدهم أو أي نوع من أنواع الأذية أو أعان على ذلك، فقد ضيع ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة دين الإسلام.

     وقال ابن حزم الفقيه الظاهر: «إن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ونموت دون ذلك صوناً لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة».

     ولهذا أكد التاريخ والواقع استعانة المسلمين حكاماً ورعيةً بغير المسلمين في الأمور الفنية التي لا تتصل بالدين من طب وصناعة وزراعة وغيرها، وإن كان الأجدر بالمسلمين أن يكتفوا في ذلك اكتفاءً ذاتياً.

     وقد رأينا في السيرة النبوية كيف استاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم «عبد الله بن أريقط» وهو مشرك ليكون دليلا له في الهجرة. قال العلماء: ولا يلزم من كونه كافرًا ألا يوثق به في شيء أصلاً؛ فإنه لا شيء أخطر من الدلالة في الطريق ولا سيما في مثل طريق الهجرة إلى المدينة. وأكثر من هذا أنهم جوزوا لإمام المسلمين أن يستعين بغير المسلمين بخاصة أهل الكتاب في الشؤون الحربية، وأن يسهم لهم من الغنائم كالمسلمين.

     روى الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعان بأناس من اليهود في حربه فأسهم لهم، وأن «صفوان بن أمية» خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين وكان لا يزال على شركه.

     ويشترط أن يكون من يستعان به حسن الرأى في المسلمين، فإن كان غـير مأمون عليهم لم تجز الاستعانة به.

     ويجوز للمسلم أن يهدي إلى غير المسلم، وأن يقبل الهدية منه، كما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى إليه الملوك فقبل منهم، وكانوا غير مسلمين.

     قال حفاظ الحديث: والأحاديث في قبوله صلى الله عليه وسلم هدايا أهل الكتاب وغيرهم كثيرة جدًا وعن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لها: «إني قد أهديت إلى النجاشي حلةً وأوافي من حرير».

     إن الإسلام يحترم الإنسان من حيث هو إنسان فكيف إذا كان من أهل الكتاب؟ وكيف إذا كان معاهدًا أو ذمياً؟

     مرت جنازة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام لها واقفاً، فقيل له: يا رسول الله إنها جنازة يهودي؛ فقال: أليست نفساً؟» بلى، وكل نفس في الإسلام لها حرمة ومكان.

     يقول الدكتور القرضاوي: إن تاريخ التسامح الإسلامي مع أهل الأديان تاريخ ناصع البياض وقد رأينا كيف عاش هؤلاء في غاية من الأمان والحرية الكرامة باعتراف المؤرخين المنصفين من العربيين أنفسهم، ولكنَّ قوماً لبسوا مسوح العلم يريدون أن يقوِّلوا هذا التاريخ ما لم يقله ويحملوه ما لم يحمله عنوةً وافتعالاً يصطادون في الماء العكر وفي سبيل هذه الغاية الشريرة جهدوا جهدهم أن يشوهوا تاريخ التسامح الإسلامي الذي لم تعرف له الإنسانية نظيرًا متذرعين بحوادث جزئية قام بها بعض العوام أو الرعاع في بعض البلاد وبعض الأزمات نتيجةً لظروف وأسباب خاصة تحدث في كل بلاد الدنيا إلى يومنا هذا.

     إن الواقع والتاريخ الإسلامي أكبر دليل على تسامح المسلمين وحسن معاملتهم لأهل الكتاب وفي قصة عمر بن الخطاب والقبطي المصري أكبر مثال على عدالة الإسلام وسماحته فعندما حدث سباق للخيل بين ابن عمرو بن العاص وبين شاب قبطي وكسب السباق القبطي وضرب ابن عمرو بن العاص الشاب القبطي، قائلاً له: أتسبق ابن الأكرمين، ولم يقبل «القبطي» بالإهانة وخرج من مصر إلى المدينة يشكو إلى خليفة المسلمين، الذي طلب على الفور إحضار «عمرو بن العاص» وابنه وأعطى «عمر بن الخطاب» القبطي السوط وقال له اضرب ابن الأكرمين.

     وهناك قصة أخرى لأمير المؤمنين «عمر بن عبد العزيز» عندما اشتكى له مسيحيو دمشق من الخليفة الوليد بن عبد الملك الذي هدم جزءاً كبيراً من كنيسة «يوحنا» ليقيم عليها مسجدًا فأصدر أمره على الفور بهدم الجزء من المسجد الذي تم بناؤه على أرض الكنيسة، إلا أن علماء المسلمين اتفقوا مع قادة الكنيسة ليتنازلوا عن الجزء المأخوذ من كنيستهم وأبلغوا الخليفة عمر بن عبد العزيز بذلك، نعم إنها السماحة والمحبة التي ربطت بين المسلمين والمسيحيين على مر العصور.

     ويقول المناضل الهندي «غاندي» عن رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في حوار لصحيفة «ينج إنديا»: أردت أن أعرف صفات الرجل الذي يملك بدون نزاع قلوب ملايين البشر، لقد أصبحت مقتنعاً كل الاقتناع أن السيف لم يكن الوسيلة التي من خلالها اكتسب الإسلام مكانته، بل كان ذلك من خلال بساطة الرسول صلى الله عليه وسلم مع دقته وصدقه في الوعود وتفانيه وإخلاصه لأصدقائه وأتباعه وشجاعته، مع ثقته المطلقة في ربه وفي رسالته، هذه الصفات هي التي مهدت الطريق وتخطت المصاعب وليس السيف.

     وقد أوصى رسولنا الكريم بحسن معاملة النصارى فقال صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالقبط خيراً، فإن لكم منهم نسباً وصهرًا» وقال: «من آذى ذميًا كنت خصمه يوم القيامة».

     وعلينا أن لا نغفل عن أهل الأديان والمذاهب المختلفة في الغرب الذين لم يتمتعوا بالحريات الدينية إلا منذ فترة قصيرة جداً مقارنة بالحريات التي كفلها الإسلام لهم في كنف المسلمين، ويكفينا أن نتأمل تاريخ الحضارة العربية الإسلامية في العصور الوسطى وتاريخ أوروبا في عصورها المظلمة، فكلنا يعلم ماذا حدث لعلماء أوروبا ومفكريها في هذه الفترة السوداء، أمثال العالم «كوبارنيكوس» والعالم الفلكي «جاليليو» ولم تتوقف الجرائم البشعة عند ذلك الحد بل تمت لاحقاً إبادة الهنود الحمر؛ لأنهم جند الشيطان وغير موجودين في الكتاب المقدس.

     وفي العصرالحديث فإننا نجد أن المذابح التي ارتكبت في حق المسلمين لا تحصى ولا تعد وتحتاج إلى مجلدات لإحصائها، هذه المجازر لا يمكن أن يغفلها التاريخ وستظل شاهداً على الجرائم التي ارتكبت في حق المسلمين؛ مذبحة سيبرينيتسا، المذابح ضد المسلمين الألبان في كوسوفا، مذبحة 20 يناير في أذربيجان عام 1990، مذابح ناجورنو كراباخ على أيدي الأرمن، وبالطبع المذابح الإسرائيلية المتواصلة ضد الفلسطينيين في الأراضي المغتصبة، وفي الوقت الراهن نجد أن هناك تصعيد حاد في الهجمات العنصرية ضد المسلمين ومقدساتهم في بعض الدول التي تتشدق بالحرية وحقوق الإنسان، فحظر للمآذن وتصعيد إعلامي مصحوب بتفرقة عنصرية ضد المسلمين، فهل يحدث هذا في بلاد المسلمين.

     فالروس والأوروبيون وغيرهم المقيمون في الدول العربية والإسلامية: يعترفون أنّهم يعيشون في أمن وطمأنينة في البلاد الإسلامية ويعاملون معاملةً حسنةً من المسلمين، بينما لا يجد المسلمون نفس الشيء في تلك البلاد.

     لذلك كان من العبث اتهام المسلمين بإساءة معاملة الآخرين، وعلى العالم أن يستفيد من سمات الحضارة الإسلامية الإنسانية في تعايشها مع الأديان وعلينا أن نركز على الحوار الهادف البناء بين الأديان والعمل على التقارب لإسعاد البشرية بدلاً من كيل الاتهامات للإسلام والمسلمين.

     ومن يتأمل العلاقة بين الإسلام وأهل الكتاب سيجد أنهاعلاقة مشرقة ذات جذور ضاربة في عمق التاريخ وكما أخبرتنا المصادر المسيحية فإن المسيحيين قد تعرضوا لأكبر اضطهاد في عهد الامبراطور الروماني «دقيانوس» في الفترة من عام 284 إلى 305م، فدمرت الكنائس وأحرقت الكتب السماوية والكتب الدينية وكثر عدد الضحايا من المسيحيين وكان ذلك أعنف اضطهاد تعرض له المسيحيون.

     حقاً إن عباءة الإسلام تتسع للمسلمين وغيرهم؛ لأنه دين الألفة والمحبة والتسامح والسلام قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنٰكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقٰكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (سورة الحجرات: الآية13).

*  *  *

الهامش:

تفسير الآلوسي.

رواه ابن ماجة والترمذي.

تفسير الوسيط لفضيلة الدكتور/ محمد سيد طنطاوي.

القول المبين في سيرة سيد المرسلين للدكتور محمد الطيب النجار.

*  *  *

*  *