مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، ربيع الثاني 1433 هـ = مارس 2012م ، العدد : 4 ، السنة : 36

 

 

كلمة المحرر

 

 

الغرب والمجتمع الدولي، والمكيال المزدوج لحقوق الإنسان

 

 

 

 

 

 

        الغرب والمجتمع الدولي يصرخان دائماً أنهما أكبر جاميين للحقوق الإنسانية وأوفى نصيرين لكل مايُهِمّ الإنسانَ في حياته الفرديّة والجماعيّة؛ لكن دعواهما هذه تتعرّى وتفقد كلَّ ما يمكن أن يكون معنىً للنصرة والحماية لها للحقوق الإنسانية عندما يتعلق الأمرُ بالإسلام والمسلمين ونبيّهم الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم والشعائر والشارات الإسلاميّة؛ حيث إنّهما يَنْسَيَان عندها كلاًّ من الحقوق الإنسانية، ويبادران إلى حماية كل من يسيء الأدبَ مع الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم ويدوس حرمة الشعائر والشارات التي يتبنّاها الإسلام، ويجرح مشاعرالمسلمين، ويُدْمِي قلوبهم، ويُؤْلِم ضمائرهم. وذلك بحجة الوقوف بجانب حرية الرأي وحرية الكلمة وحرية التعبير وحرية التفكير. ويخطوان خطوات نحو الأمام فيُشَجِّعَانه من يسيء الأدب بكل نوع من أساليب التشجيع والإشادة والتحبيذ، فيرصدان له جوائز ثمينة، ويُقَدِّمان له مبالغ باهظة، ويُهَيِّئان له ملاذًا آمناً، ويُوَفّران له مساكن مريحة مزودة بأحدث التسهيلات وأوفر ما يمكن ويُتَصَوَّر من الحوائج والكماليّات، ويُولِيَانِه كلَّ ما يطلب من الأمن والحراسة ورجالهما وخبرائهما؛ حتى لايمسّه سوء أو مكروه في هذه الحياة الدنيا التي من أجل تجميلها وتنعيمها وتليينها يكون قد أساء إلى الإسلام وإلى نبيه صلى الله عليه وسلم وإلى أبنائه وشعائره.

     ولا يكتفيان بذلك، بل يتعدّيانه إلى أنهما من أجل الدفاع عنه، قد يُعَرِّضَان مصالحهما للخطر الأكيد، ويُؤَوِّلاَن في سبيل ذلك كلاًّ من الدستور الوطني، والعرف القانوني، والعادات الوطنية المُتَّبَعَة، والتقاليد القومية المعمول بها منذ العهد العريق. وسلوكُهما عندها يشفّ عن أنهما يفعلان خيرًا قد فات الإنسانيةَ في رحلتها منذ البداية حتى هذه اللحظة، وأن أبناء البشر كلهم سيتعرضون لخطر رهيب وشر مستطير شديد إذا لم يفعلا الخير الذي هما بصدد فعله من خلال الخدمة الشاملة الكاملة لهذا الذي أساء الأدب مع الإسلام وآذى المسلمين قلبيًّا ونفسيًّا، ولم يُسَخِّرَا له جميعَ ما يمكن من إمكانيات الدولة هذا التسخيرَ المثيرَ اللاّفت لانتباه العالم أجمع!!.

     إن «سلمان رشدي» اللعين الهندي الأصل المقيم في بريطانيا حاصلاً على جنسيتها و«تسليمة نسرين» اللعينة البنغلاديشية الأصل المطرودة من وطنها من قبل حكومته ومن قبل الشعب المسلم فيه والمتنقلة بين الهند وعدد من بلاد الغرب، مثالان حيَّان لصنيع الغرب والمجتمع الدولي المتعامل بالثنويّة والازدواجية تجاه «الحقوق الإنسانية» ولتلاعبهما بمعانيها؛ حيث إنهما بالغا في إساءة الأدب مع أكبر وأشرف وأعزّ إنسان في الكون كان أرحم الخلق بالإنسان والإنسانية، وكان الوحيد الذي أعاد إلى الإنسان كرامته وحرمته وعظمته، وأول من أعلن ميثاق «حقوق الإنسان» منذ نحو 15 قرناً حين كان الإنسان لايعرفها ألبتة، وهو النبي الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وقد جَرَحَ اللعينان مشاعر المسلمين كلهم في مشارق الأرض ومغاربها على اختلاف مدارسهم ومذاهبهم، وكلهم ظلّوا ولايزالون لساناً واحدًا صارخاً في الاحتجاج ضدَّهما بكل لغة وبكل أسلوب؛ ولكن الغرب الصهيوني الصليبي المتكبر والمجتمع الدولي المتمثل في الشطرين الشرقي والغربي اتخذا الدفاع عنهما، والوقوف بجانبهما، وتأمين كل نوع من التسهيلات لهما، وتوفير كلِّ نوع من الأمن والحراسة لهما، قضيةَ عزّهما ونخوتهما وفخارهما، رغم استنكار العدد الهائل من شعبيهما المسلمين وغيرهما من المواطنين السليمي الطبع.

     حتى إن بلادنا الهند التي حكمها المسلمون نحو ألف سنة، ولايزال المسلمون فيها يشكلون أكبر أقلية بالنسبة إلى المواطنين الآخرين من شتى المذاهب، تبدى من حين لآخر غرامها العجيب باللعين «سلمان رشدي» لحد أنه يحدث فيها الأزمة الأمنية الشديدة؛ ولكنها لاتبالي بذلك متذرعة بمناصرتهما لحرية الرأي والكلمة. أما «تسلمية نسرين» اللعنية فإن بلادنا تُوَفِّر لها من وقت لوقت «ملاذاً آمناً» وتُهَيِّئ لها السكنَ المريحَ في مدينة وأخرى رغم صرخات الاحتجاج الشديدة التي يبديها الشعب المسلم ضدها.

     الحقيقة أن المسلمين في الهند يودّون أن يعرفوا السبب وراء غرام البلاد الشديد بهذه المرأة الكاتبة المتحررة من قيم الأخلاق والمروءة. هل غرامُ الهند بها يساعد على تقدّم البلاد، أو تقوّيـها في المجالات التكنولوجية أو الصناعية أو العسكرية أو الاقتصادية أو السياسيّة، أو يزيد قدراتها العسكرية حتى تتفوّق على كل من الصين وأمريكا؟!!

     أما تشعر بلادنا أن الغرام بها لهذا الحد الجنوني يضرّ وحدتَها وأمنَها واستقرارَها، ويحدث فيها يلابلَ هي في غنى عنها؛ بل هي في حاجة شديدة إلى تجنبها، حتى تقطع مزيداً من أشواط التقدم والازدهار، و تكسب مزيداً من حبّ شعبها، حتى يتكاتف بقوة أكثر في إنهاضها في كل المجالات.

     إن الغرب يصنع ما يصنع مدفوعاً بعاطفته الصهيونية الصليبية، وهو يشعر بالراحة وقرّ العين وثلوج الصدر، حين يتأذى المسلمون، وتتألم قلوبهم. والمسلمون يدركون ذلك وينتظرون الوقت الذي يكيلون فيه له الصاع صاعين. ولكن ما بال بلادنا التي ظلّت معروفة منذ القدم باحترام الديانات والمعتقدات؟!

                                         [التحرير]

(تحريرًا في الساعة 11 من ضحى يوم الجمعة : 11/ربيع الأول 1433هـ الموافق 3/فبراير 2012م)