مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، جمادى الأولى – جمادى الثانية 1433 هـ = أبريل - مايو 2012م ، العدد : 5 - 6 ، السنة : 36

 

 

دراسات إسلامية

 

 

المسجد برلمان المسلمين الأول

 

بقلم : الأستاذ أشرف شعبان أبو أحمد / جمهورية مصر العربية (*)

 

 

 

 

     كان المسجد في الصدر الأول للإسلام، كدار للبرلمان بالنسبة إلينا الآن؛ ففيه تؤخذ البيعة للخليفة، وفيه تناقش أمور الحرب والسلم، وكان إمام المسلمين هو ذاته إمامهم في الصلاة وخطيبهم على المنبر، ولم تكن خطب تقليدية كما انتهى بنا الحال الآن؛ ولكن كانت تناقش كافة أمور المسلمين، يعرضها الحاكم ويبدي المسلمون آراءهم تجاهها، كما كانت السنة فتح المساجد مطلقاً في كل الأوقات؛ كان ذلك هو المأثور عن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، في زمنه وزمن الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم جميعاً. فالمسجد يجب أن يكون مؤسسةً مستقلةً، تعمل للإسلام على هدى وبصيرة، وتوجه المسلمين عامةً، وتراقب حركة الحياة، وسياسات الأمة وتوجهها وفق الدين والعقيدة، ويربط به كافة الأنشطة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإعلامية؛ فالمساجد بيوت المتقين ومن يكن المسجد بيته يضمن الله له الرحمة والجواز على الصراط، والرجل المعلق قلبه بالمساجد من السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله، وكثرة الخطى إلى المساجد تمحو الخطايا. وحيث كان المسجد هو البرلمان الذي تناقش فيه الأمور وفيه تعرض القرارات، كانت الصحية: الصلاة جامعة، دعوة للمسلمين؛ لكي يهرعوا للمسجد، لا ليؤدوا صلاة، ولكن ليسمعوا أخبار وأنباء الانتصارات، وليحضروا قسمة الغنيمة، كما كان المسجد هو مركز الدفاع عن الإسلام شعرًا والرد على هجاء المشركين. وأقام الرسول صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت منبرًا لينشد. وفي المسجد جاء الذين أسلموا من قريش ليعلنوا إسلامهم، وفي المسجد خصص جنب منه، يطلق عليه «الصفة» لفقراء المسلمين ممن ليس له قبيلة أو مأوى يعيشون فيه، وكان منهم أكبر المحدثين أبو هريرة. بينما خصص عمر ساحةً للشعراء. وفي المسجد عقدت البيعة للخلفاء الراشدين، وكان المسجد هو أداة لإعلان رأي الجماهير ومراقبة الحكام ومتابعة تصرفاتهم، وفيه وقفت امرأة ترد على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب؛ لأنه أراد أن يحد من قيمة المهور التي تغالى فيها الناس، فقالت: ليس ذلك لك يا عمر، وسألها الخليفة لم؟ فقالت: لأن الله تعالى يقول (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) سورة النساء آية 20. فقال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر. وعندما توسع المجتمع الإسلامي بانتشار الإسلام كانت المساجد هي ساحات العلم والثقافة والمعرفة، وداخلها نشأت المذاهب الإسلامية؛ بل تطورت أساليب ممارسة المعرفة، بحيث وضعت أصول الدراسات الجامعية، التي تطبقها حتى الآن أعرق الجامعات البريطانية، من حيث حرية الدراسة، والعلاقة الوثيقة بين الدارس والأستاذ، ومن استبعاد القيود والشروط... الخ؛ بل إن كلمةً جامعة إنما اشتقّت من التعبير الإسلامي «جامع». وقد ظلّ الأزهر يحمل اسم «الجامع الأزهر» قبل أن يتحول إلى الجامعة الأزهرية. وقد كان المسجد جامعة علمية، يروى أنه صلى الله عليه وسلم، قد دخل المسجد مرةً فوجد فيه حلقتين: حلقة يذكرون الله ويتضرعون إليه ويدعونه، وحلقة يطلبون العلم ويسألون العلماء، فقال (هؤلاء العباد يسألون الله، إن شاء أعطاهم، وإن شاء منعهم، وهؤلاء يطلبون العلم وإنما بُعِثْتُ معلماً وجلس معهم عليه الصلاة والسلام) كما كان المسجد وسيظل منبرًا للخطابة. يقول الحسن البصري: أيها المؤمن، لن تعدم من المسجد إحدى خمس فوائد: أولها مغفرة من الله تكفر ما سلف من الخطيئة، وثانيها اكتساب رجل صالح تحبه في الله، وثالثها أن تعرف جيرانك الذين تقابلهم في المسجد فتتفقد مريضهم وفقيرهم، ورابعها أن يكف سمعك وبصرك عن الحرام، وخامسها أن تسمع آية تهديك. والمسجد أيضاً ملتقى لجميع المسلمين، من غاب سألوا عنه، فإن علموه مريضاً عادوه، وإن كان له ميت عزَّوه وواسَوه، الجائعُ والعاري هناك يُعْرَف، وما وجود أهل «الصفة» فيه إلا دليل على مدى تكافل المسلمين فيما بينهم، فيحمل إليهم الطعام، ويتسابق إليهم أهل البر والإحسان، وربما جاء الرجل فاصطحب واحدًا أو أكثر يستضيفه لبعض الوقت. وجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الصفة وآكلهم. يهب الجميع حين يُنَادَىٰ «من يضيف ضيف رسول الله». ولهذه الوظيفة الاجتماعية دور كبير في نسج علاقات المسلمين فيما بينهم، وتعزيز الأواصر بين الأفراد حتى يصيروا جسدًا واحدًا، إذا اشتكى منه عضو تداعى له الجميع بالسهر والحمى. وفي المسجد تقضي الحاجات، ويتعاون المسلمون فيه على البر والتقوى. وفي المسجد يحكم القرآن، ويعرف القول الفصل في الأحكام والحدود، وتؤدي فيه الشهادة بأهميتها. إن المساجد قلعة للإيمان، وحصن للفضيلة، ومنار للهداية، فليس ديرًا للرهبنة ولا زاوية للمتعطلين، فإن لم تتربَّ الأجيال في بيوت الله، فأين تتربى؟! وإن لم تتعلق القلوب بالمساجد فبأي شيء تتعلق؟! فهي محاضن الأجيال الصالحة، ومراكز تربية قادة وجنود المستقبل. كشفت أحدث إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن إجمالي عدد المساجد والزوايا في محافظات جمهورية مصر العربية، بلغ 83 ألفاً و 548 مسجدًا وزاويةً. منها 67 ألفاً و 99 مسجدًا ونحو 16 ألفاً و 449 زاوية. وتصدرت محافظة الشرقية الترتيب العام للمحافظات؛ حيث تضم 7920 مسجدًا، ثم تليها محافظة البحيرة، ثم سوهاج، فأسيوط، فالدقهلية، فالمنيا. وفي المركز الأخير جاءت محافظة البحر الأحمر وتحتوي على 114 مسجدًا. وفيما يتعلق بالزوايا جاءت القاهرة في المركز الأول 3041 زاوية تلتها محافظة الشرقية ثم الجيزة والغربية، وجاءت محافظة جنوب سيناء في المركز الأخير وبها زاية واحدة فقط...(1)

     لوتم تفعيل دور هذه المساجد والزوايا كما ينبغي، وتجمع فيها المسلمون لأداء الصلوات، ومناقشة أمورهم وقضاياهم سواء على مستوى الحي والمنطقة أو على مستوى الوطن، لصارت بحق برلماناً. أما هؤلاء الذين يسعون لتهميش دور المسجد في الحياة، فهم يسعون إلى تخريبه، فالتخريب كما يكون بالهدم يكون بمنع المصلين والمتعبدين من دخوله لإظهار شعائر الإسلام وأحكامه، وينطبق عليهم قوله تعالى (وَمَىْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اِسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا أُولٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِيْنَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) سورة البقرة آية 114. نقول لهم ارفعوا أيديكم عن المساجد، دَعُوا المساجد مفتوحة، حتى عندما ينتقد الخطباء، الأخطاء التي يقع فيها مسؤولون كبار أوصغار، وإذا كان الخطباء يستغلونها لإعلان آراء مسرفة أو خاطئة أو غير ذلك، فليست هذه إلا ردود فعل سيئة لأفعال سيئة، وستظل قائمة إلى أن يصحح الفعل، فينتهي ردل الفعل. دعوا المساجد مفتوحة، حتى وإن دخلها أحد لينام فيها، فإنه لم ينم فيها، إلا عندما لم يجد ملاذا آخر. دعوا المساجد مفتوحة، وأعيدوها كما كانت، دورًا للمعرفة والعلم والدارسة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبفضل الله ولنصرة دينه، وكيدًا في أعداء الدين، مازال وسيزال، ينشأ في مشارق الأرض ومغاربها، بيت من بيوت الله، وخاصة تلك التي لم يكن يسمح فيها ببناء مساجد لله. فقد اتخذ البرلمان اليوناني قرارًا يسمح ببناء أول مسجد في اليونان منذ القرن التاسع عشر دون الحاجة إلى موافقة الكنيسة الأرثوذكسية ذات النفوذ القوي، وكانت العاصمة اليونانية «أثينا» العاصمة الوحيدة في غرب أوربا التي لايوجد بها مسجد. ولا يوجد في أثينا مسجد عامل واحد منذ نهاية الحكم العثماني في اليونان عام 1837م؛ حيث لم تسمح السلطات اليونانية ببناء أي مسجد على أراضيها، باستثناء قيام بعض أفراد الأقلية الإسلامية باستئجار شقق وتحويلها لمصليات صغيرة بلا مئذنة، بعدما كانت تنتشر بها المآذن قبل نحو قرنين. والمساجد الوحيدة العاملة في اليونان تقع قرب الحدود التركية في مقاطعة أكسانتي بشمال اليونان والتي يوجد بها أقلية مسلمة يبلغ عددها نحو 120 ألفاً وهم باقون منذ عهد الدولة العثمانية، ويستخدم حاليّاً نحو 130 قبوًا لا نوافذ لها ولا يدخلهاهواء كمساجد في «أثينا» لما يقدر بنحو 200 ألف مسلم في العاصمة اليونانية.(2)

     ولا يفوتنا هنا أن ننوه لما حدث ويحدث للمساجد عامة في فلسطين المحتلة، وللمسد الأقصى خاصة، حينما ثم احتلال القدس عام 1967م قام الإسرائيليون بإزالة حارة المغاربة المحيطة بحائط البراق، وقاموا بهدم مساجدها وزواياها وأبنيتها، وتحويلها لساحة لصلاة اليهود. فالمخطط الإسرائيلي يستهدف تهويد المدينة المقدسة بصورة كاملة منتظمة منذ احتلالها في الخامس من يونيو عام 1967م، يؤكد عبد القادر ياسين وهو كاتب ومؤرخ فلسطيني أن هناك 1100 مسجد داخل فلسطين المحتلة تحولت إلى إسطبلات وكافتيريات. أما بالنسبة للمسجد الأقصى فقد تم إحراقه عام 1969م على يد اليهودي «ميشيل روهان» وفي عام 1982م فتح جندي الاحتياط الإسرائيلي «هارى غولدمان» النار على ساحة المسجد وقتل اثنين وجرح ستين، غير تعرضه للكثير من محاولات التفجير والهدم من قبل الجماعات اليهودية المتطرفة؛ حيث إن جميع القوى الإسرائيلية قد أفصحت عن نواياها في هدم المسجد الأقصى لبناء هيكل سليمان مكانه.(3) ومن الممارسات والحملات الإسرئيلية المتطرفة التي يقوم بها المستوطنون والمتطرفون الإسرائيليون ضد المسجد الأقصى المبارك، قيام المستعمرين اليهود بوضع المسجد الأقصى المبارك داخل صورة لنجمة داوود على أحد الملصقات مشيرًا إلى أن هذه الجماعة تدعي أن الهيكل هو قلب الأمة اليهودية وتزعم أنها تريد تحريره أي بمعنى إقامة هيكل سليمان مكان المسجد الأقصى.(4) كما قامت شركة إسرائيلية بلصق صور للمسجد الأقصى المبارك ومسجد قبة الصخرة على زجاجات خمور تستوردها، وحملت بعض تلك الزجاجات صورًا لحائط البراق، بينما حمل البعض الآخر صورة مسجد قبة الصخرة، في ازدراء إسرائيلي جديد للمقدسات الإسلامية، واستفزاز لمشاعر المسلمين في العالم بأسره.(5)

*  *  *

الهوامش :

(1)      جريدة الأخبار، العدد 16689 بتاريخ 18/أكتوبر عام 2005م ص5.

(2)      جريدة الأسرة العربية، العدد 2837 بتاريخ 5/6/2006م ص1.

(3)      جريدة صوت الأزهر، العدد 207، الجمعة 12/9/2003م.

(4)      جريدة مصر، العدد 2 بتاريخ 4/2/2003م.

(5)      جريدة حديث المدينة، العدد 243 بتاريخ 19/2/2003م.



(*)     6 شارع محمد مسعود متفرع من شارع أحمد إسماعيل، وابور المياه – باب شرق – الإسكندرية ، جمهورية مصر العربية.

      الهاتف : 4204166 ، فاكس : 4291451

      الجوّال : 0101284614

        Email: ashmon59@yahoo.com