مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، جمادى الأولى – جمادى الثانية 1433 هـ = أبريل - مايو 2012م ، العدد : 5 - 6 ، السنة : 36

 

 

دراسات إسلامية

 

 

شوقي في شعر حافظ

 

بقلم : أ. د. محمد مصطفى سلام

 

 

 

 

     لقد تناول كثير من الكتاب والنقاد والأدباء، الشاعرين الكبيرين، أمير الشعراء «أحمد شوقي» وشاعر النيل «حافظ إبراهيم»، من نواح متعددة؛ لأنهما أبرز شاعرين في هذا العصر، ولكني سأتناول الشاعرين، من ناحية خاصة. وهي دراسة ما قاله شاعر النيل، عن أمير الشعراء، الذي كان زميلاً له في كفاحه ومشاركاً له في نضاله، فقد كان كل من الشاعرين، درعاً واقياً لأمته، يدافع عن حقوقها، ويبين لها طريقها إلى التقدم والرقي.

     وما من موقف عربي إسلامي، إلا ونرى الشاعرين يتباريان في الدفاع والنضال بالكلمة، من أجل أن تنال الأمة حقها وحريتها ومن خلال ما قاله «حافظ« عن «شوقي»: «نرى أن شاعرالنيل» كان مخلصاً ومحباً «لأمير الشعراء» يجله ويقدره ويكرمه تكريماً لم ينله منه شاعر، أو قائد، أو أديب؛ وذلك لأن «حافظا» إنسان، بمعنى كلمة الإنسانية، فقد كان رفيقاً، مخلصاً، عطوفاً، محباً لإخوانه مشاركاً لهم في السراء والضراء.

     وكان مشاركاً لأمير الشعراء في حياته، وكان لكل من الشاعرين ظروفه التي تميزه عن الآخر، فكان «شوقي» يعيش عيشةً مترفةً، أما «حافظ» فقد ذاق شظف العيش، ومرارة الحياة، وقسوة الأيام؛ لكنه مع ذلك كان خفيف الظل، حاضر البديهة يمرح ويتفكه، تخفيفاً عن آلام نفسه، وأحزان قلبه، وقد قال «حافظ» في «شوقي» عدة قصائد تزيد عن مائتي بيت، قالها في مناسبات عديدة مرت بشوقي.

     فمن هذه القصيدة قصيدته التي يودعه فيها عندما ذهب إلى مؤتمر المستشرقين في جنيف، وقصيدته التي يهنئه فيها بعقد قران ابنته أمينة، ويعتذر عن عدم الحضور لمرض ألم به.

     يا شاعر الشرق اتئد

                      ماذا تحاول بعــد ذاك

     هذي النجوم نظمتها

                      درر القريض وما كفاك

     وسموت في أفق السعود

                      فكدت تعـثر بالسماك

     ودعتك مصر رسولها

                      للغرب مذ عرفت علاك

     ففي هذه الأبيات خاطبه بأنه شاعر الشرق اعترافاً منه بقدره ومنزلته، وبين أنه رسول مصر إلى المؤتمر؛ لأنه شاعرها الأول، وهذا يدلنا على اعتراف «حافظ» بمنزلة يتمناها شاعر.

     ومن ذلك أن «شوقي» عندما أراد أن يعقد قران ابنته «أمينة» في كرمة ابن هانيء، دعا شاعر النيل «حافظ إبراهيم» للمشاركة في هذا الحفل؛ ولكنه كان مريضاً، فأرسل إلى أمير الشعراء معتذرًا ومهنئاً.

     يا سيدي وإمامي

                      ويا أديب الزمان

     قدعاقني سوء حظي

                      عن حفلة المهرجان

     وكنت أول ساع

                      إلى رحاب «ابن هاني»

     لكن مرضت لنحسى

                      في يوم ذاك القران

     وقد كفاني عقابا

                      ما كان من حرماني

     حرمت رؤية «شوقي»

                      ولثم تلك البنان

     فاصفح فأنت خليق

                      بالصفح عن كل جاني

     إن فاتني أن أوفي

                      بالأمس حق التهاني

     فاقبله مني قضاء

                      وكن كريم الجنان

     فهذه رسالة فيها أرق عواطف الصداقة والأخوة التي تربط بين الشاعرين وهي رسالة اعتذارية تبين براعة «حافظ» في عرض اعتذاره الذي مزجه بحبه وبتقديره وتمجيده «لشوقي» في قوله:

     سيدي وإمامي

                      ويا أديب الزمان

     وقوله:

     وعش لعرش المعاني

                      ودم لتـاج البيـان

     ولما نفي «شوقي» في بداية الحرب العالمية الأولى تنكر الجميع له، وابتعدوا عنه وضاقت الدنيا أمامه، ولم يجد من يؤازره ويواسيه، إلا رفيق كفاحه «حافظ» فأرسل إليه رسالةً شعريةً، يشكو فيها ألمه وحزنه، لبعده عن وطنه وغربته التي أثرت في نفسه وجعلته مضطرب الفؤاد، حزيناً متألماً، فقال:

     يا ساكني مصر إنا لانزال على

                عهد الوفاء وإن غبنا مقيمينا

     هلا بعثتم لنا من ماء نهركم

                شيئاً نبل به أحشاء صادينـا

     كل المناهل بعد النيل آسنــة

                ما أبعد النيل إلا عن أمانينا

     فهذه الأبيات تبين لنا محبة «شوقي» لوطنه الذي أبعد عنه ولكنه مع ذلك كان وفياً له، لا ينساه، ومن حبه له يطلب شربةً من ماء النيل ليروى بها ظمأه؛ لأن نفسه لا ترضى بغير ماء النيل بديلاً وكل هذا يبين لنا صدق عاطفة «شوقي» في حبه لمصر ونيلها، فأجابه «حافظ» بقوله:

     عجبت للنيل يدري أن بلبله

                صاد ويسقي ربا مصر ويسقينا

     والله ما طلب للأصحاب مورده

                ولا ارتضوا بعدكم من عيشهم لينا

     لم تنأ عنـه وإن فارقت شاطئه

                وقد نـأينـا وإن كنـا مقيمينا

     ويقول «حافظ» متألماً ومواسياً إنك لم تغب عنا، ولن ننساك أبداً، فأنت مقيم بيننا بروحك، ونحن مقيمون معك بأرواحنا.

     لم تنأ عنه وإن فارقت شاطئه

                      وقـد نأينا وإن كنا مقيمينا

     ويقول له: إننا لم نرد ماء النيل بعد فراقكم، وإننا لم نر غير شظف العيش وهاتان الرسالتان المتبادلتان بين «شوقي» و«حافظ» دليل على مدى الترابط والإخاء، والمؤازرة والمواساة، التي جمعت بين الشاعرين الكبيرين وتبين أن «شوقي» لم يلمس الإخلاص والوفاء، إلا من زميل كفاحه شاعر النيل «حافظ إبراهيم» ولذا أرسل إليه يبثه ألمه وحزنه، لبعده عن وطنه، وكان لرد «حافظ» أثر كبير في نفس «شوقي».

     وظل «حافظ» يمجد «شوقي»ويعلى من قدره ومكانته، يفرح لفرحه ويحزن لحزنه، ويتألم لألمه، ويدلنا على ذلك مشاركته له في كل مناسبة تمر به، فعندما رجع «شوقي» من المنفي كان «حافظ» أول المبتهجين به، فاستقبل عودته استقبالاً عظيماً، وقال قصيدةً رائعةً تعبر عن إخلاصه وحبه «لأمير الشعراء» ومنها:

     ورد الكنانة عبقري زمانه

                      فتنظري يا مصر سحر بيانه

     النيل قد ألقي إليه بسمعه

                      والماء أمسك فيه عن جريانه

     والقطر في شوق لأندلسية

                      شوقية تشفيه من أشجانه

ثم يقول:

     أهلاً بشمس المشرقين ومرحبا

                      بالأبلج المرجو من إخوانه

     ثم نراه يشكو إلى «شوقي» المتشاعرين الذين يدعون الشعر وقد أساءوا إله إساءةً بالغةً في غياب أميره.

     أشكو إليك من الزمان وزمرة

                جرحت فؤاد الشعر في أعيانه

     كم خارج عن أفقه حصب الورى

                بقريضه والعجب ملء جنانه

     يختال بين الناس متئد الخطا

                ريح الغرور تهب من أردانه

     كم صك مسمعنا بجندل لفظه

                وأطال محنتنا بطول لسانه

     مازان يعلن بيننا عن نفسه

                حتى استغاث الصم من إعلانه

     ثم يقول ممجدًا «شوقي» وأنه صاحب البيان الممتع، الذي يعجز أي شاعر أن يأتي بمثله أو يجاريه.

     قل للذي قد قام يشئو أحمدا

                خل القريض فلست من فرسانه

     الشعر في أوزانه لو قسته

                لظلمته بالدر في ميـزانــه

     إن قال شعرًا أو تنسم منبرا

                فتعوذوا بالله من شيطانــه

     فأتي بما لم يأته متقدم

                أو تطمع الأذهان في إتيانـه

     فنراه في بداية القصيدة يحيى «شوقي» ويهنئه بقدومه إلى أرض وطنه الحبيب الذي أحبه وعشقه، ثم يقول له: إن كل مافي «مصر» يريد منك أن تقص عليه ما رأيت في الأندلس من مآس وأحزان في هذا الجزء الحبيب الذي فقدته العروبة والإسلام، ثم نراه يشكو كل شخص من المتشاعرين، الدخلاء على الشعر، الذين لا يفهمون ماهو الشعر فيقول:

     كم صك مسمعنا بجندل لفظه

                وأطال محنتـنا بطول لسانــه

     وبعد عودة شوقي إلى أرض الوطن كرمه الجميع، فأقاموا له حفل تكريم في سنة 1920م وسمى هذا الحفل «سوق عكاظ» وشارك فيه كثير من الأدباء، وكان هذا الحفل برئاسة «شوقي» وكان أول المدعوين «حافظ»وقد قال بهذه المناسبة قصيدةً بديعةً منها:

     أتيت سوق عكاظ

                      أسعى بأمر الرئيس

     أزجى إليه قواف

                      منكسات الرؤوس

     لم يحبها فضل شوقي

                      بقيـة مـن نيس

ثم يقول:

     قال الرئيس ومن ذا

                      يقول بعد الرئيس

     بنات أفكار شوقي

                في جلوة كالعروس

     وليلة من «عكاظ»

                ضمت حماة الوطيس

     «فحافظ» لم يترك منزلةً تعلى من قدر «شوقي» إلا وقالها، وهو يتواضع أمامه فيصف قوافيه بأنها منكسات الرؤوس أمام بنات أفكار «شوقي» ثم يخاطب شوقي بأنه «الرئيس» وهذا تقدير من شاعر النيل، لأمير الشعراء واعتراف بمكانته.

     وهذا النص من شعر المناسبات؛ لأنه خال من العاطفة، ومن عناصر الشعر الجيد، ومن أروع ما قاله «حافظ» في تكريم «شوقي» قصيدته التي بايع فيها «شوقي» بإمارة الشعر وهي أروع ما قيل في مهرجان المبايعة، الذي تم سنة 1927م، وقد لقب شوقي بأمير الشعراء سنة 1907م، وقد اشترك فيه كثير من شعراء العروبة وكان «حافظ» أسبق شعراء العروبة في المبايعة التي يقول فيها:

     أمير القوافي قد أتيت مبايعا

           وهذي وفود الشرق قد بايعت معي

     فلم يتمالك «شوقي» نفسه فنهض من بين الحاضرين، واحتضن «حافظا» وقبله، وكان موقفا مؤثرًا انحدرت فيه دموع الشاعرين الكبيرين.

     ومن هذه القصيدة قوله:

بلابل وادي النيل بالمشرق اسجعي

بشعر أمير الدولتين ورجعي

أعيدي على الأسماع ما غردت به

يراعة شوقي في ابتداء ومقطع

لقد شاب من هول القوافي ووقعها

وإتيانه بالمعجز المتمنع

يعيبون «شوقي» أن يرى غير منشد

وما ذاك عن عى به أو ترفع

     ثم نراه يبدع في قصيدته فيضع أسماء بعض القصائد التي أبدع فيها شوقي في أبيات جميلة فيقول:

«أمن أي عهد في القرى» قد تفجرت

ينابيع هذا الفكر أم «أخت يوشع»

أسالت «سلا قلبي»شئوني تذكرا

كما نثرت «ريم على القاع» «أدمعي»

وسينية «للبحتري» نسختها

بسينية قد أخرست كلَّ مدعي

شَجا «البحتري» إيوان كسرى» وهاجه

وهاجت بك «الحمراء» أشجان موجع

وقفت بها تبكي الربوع كما بكى

فيا لكما من واقفين بأربع

تذكرت عذب النيل والنفس صبة

إلى نهلة من كوب ماء مشعشع

وأرسلت تستسقى بني مصر شربة

فقطعت أحشائي وأضرمت أضلعي

أنروي ولا تروي وأنت أحقنا

برى فيا قلب النبوع تقطع

حرام علينا أن نلذ بنهلة

وأنت تنادينا ونحن بمسمع

أبي الله إلا أن يردك سالما

ومن يرعه يسلم ويغنم ويرجع

     فقد أبدع «حافظ» في قصيدته هذه التي ضمنها كل عواطفه الجياشة تجاه زميل كفاحه، وقرين نضاله «شوقي» وبين فيها عظمة شوقي ومكانته التي فاقت كثيرًا من الشعراء كما فعل في معارضته لسينية البحتري والإتيان بسينية تفوق سينية «البحتري».

     ثم يذكره بما أرسل به «لحافظ» يطلب منه شربةً من ماء النيل ليروي به ظمأه في الغربة، وقد شاركه «حافظ»آلامه، وأحزانه.

     ثم نراه في القصيدة يطلب منه أن يتغني بالعروبة وأمجادها؛ لأنه شاعرها الأول فيقول:

أمير القوافي قد أتيت مبايعا

وهذي وفود الشرق قد بايعت معي

فغن ربوع النيل واعطف بنظرة

على ساكنى النهرين وأصدح وأبدع

ولا تنس «نجدا» أنها منبت الهوى

ومرعى المها من سرحات ورتع

وحى ذرا «لبنان» واجعل «لتونس»

نصيبًا من السّلوى وقسم ووزع

ففي الشعر حث الطامحين إلى العلا

وفي الشعر زهد الناسك المتورع

وفي الشعر إحياء النفوس وريها

وأنت لرى النفس أعذب منبع

فنبه عقولاً طال عهدُ رقادها

وأفئدة شدت إليها بأنسع

     بعد عرض هذه النماذج الشعرية التي نظمها «حافظ» في عظمة «شوقي» والتي تربو على المائتي بيت نرى مدى تعظيم «حافظ»«لشوقي» وإعلاء شأنه وهذا يدل على أصالة «حافظ»وصفاء نفسه، وحبه وإخلاصه «لشوقي» ويبين لنا الصلة القوية، التي كانت تربط بين الشاعرين الكبيرين، الذين خلدا في تاريخ الشعر العربي، وقد عاشا يناضلان بالكلمة من أجل أمتهما العربية والإسلامية، في وقت اشتدت فيه وطأة الاستعمار الذي طغى وبغى، وعبث بحرية الشعوب وجثم على صدرها.

     وقد كان «حافظ»وفياً لشقيق نضاله، ورفيق عصره «شوقي» فقد زاده خلوداً على خلود، وتمجيدًا على تمجيد، بهذه القصائد الرائعة البديعة ويظهر أن ظروف شوقي وارتباطه بالخديوي، ونفيه لم تمكنه من الإشادة بحافظ؛ ولكنه كان يكن له كل التقدير والإعجاب والعرفان بمنزلته؛ لأنه ما من مناسبة تقام عند شوقي أو لشوقي حتى يكون «حافظ» أول المدعوين، وهذا يبين لنا مكانة «حافظ» عند «شوقي» وكانا دائماً في ود ومحبة، حتى عند الفكاهة فقد أراد شوقي أن يداعب حافظاً فقال:

وأودعت إنساناً وكلباً وديعةً

فضيعها الإنسان والكلب «حافظ»

     فرد عليه حافظ بقوله:

يقولون إن الشوق نار ولوعة

فما بال «شوقي»اليوم أصبح باردا

     وظل الشاعران العظيمان متماسكين طوال حياتهما، متلازمين في السراء والضراء، يعيشان لأمتهما العربية في الشرق والغرب، حتى اختطف القدر شاعر النيل «حافظ إبراهيم» فكان لوقع الصدمة أثر كبير على أمير الشعراء الذي رثاه بقصيدة رائعة بدأها بقوله:

قد كنت أوثر أن تقول رثائي

يا منصف الموتي من الأحياء

لكن سبقت، وكل طول سلامة

قدر ، وكل منية بقضاء

الحق نادى فاستجبت ولم تزل

بالحق تحفل عند كل نداء

     ثم يقول ممجدًا شاعر النيل الذي كرمه في البيعة بإمارة الشعر:

بالأمس قد حليتني بقصيدة

غراء تحفظ كاليد البيضاء

غيظ الحسود لها وقمت بشكرها

وكما علمت مودتي ووفائي

في محفل بشرت آمالي به

لما رفعت إلى السماء لوائي

     ثم يقول:

كم ضقت ذرعاً بالحياة وكيدها

وهتفت بالشكوى من الضراء

فهلم فارق يأس نفسك ساعة

واطلع على الوادي شعاع رجاء

وأشر إلى الدنيا بوجه ضاحك

خلقت أسرته من السراء

يا طالما ملأ الندى بشاشة

وهدى إليك حوائج الفقراء

اليوم هادنت الحوادث فاطرح

عبء السنين وألق عبء الداء

خلقت في الدنيا بياناً خالدًا

وتركت أجيالاً من الأبناء

وغدا سيذكرك الزمان، ولم يزل

للدهر أنصاف وحسن جزاء

     فهذه القصيدة الوحيدة التي قالها «شوقي» في «حافظ» تعبر عن مأساته بفقد زميله، ورفيق كفاحه الذي اقترن اسمه باسمه وفي مطلع القصيدة كان «شوقي» يتمنى أن يسبق هو ويرثيه «حافظ»؛ لأن «حافظا» إذا رثى أبكى وكما يقول هو عن نفسه:

إذا تصفحت ديواني لتقرأني

وجدت شعر المراثي نصف ديواني

     وكان يجلس «حافظ» على عرشه، ويقوله في سهولة وجزالة وقد برع فيه، وفاق أقرانه، وكان «حافظ» يرى أن الموت وسيلة من وسائل شكوى الزمان؛ لأن الزمان قد فعل «بحافظ» الأفاعيل، فرماه بالبؤس والفقر وكان «حافظ» شديد الخوف من الموت، ولهذا نعى نفسه، وكان ينشد رثاء يقطع الأحشاء، ويذيب القلوب ولولا ذلك ما بلغ في الرثاء ما بلغ.

     ومرثية شوقي جزلة اللفظ، عميقة المعنى، حلوة الموسيقي مملوءة بالحكم والعبر، وهذا يدل على تمكن «شوقي» من شاعريته وقد رثى «حافظا» رثاء يليق به، بين فيه مكانته ومنزلته الشعرية، وأنه شاعر متمكن من شاعريته فيقول:

بالأمس قد حليتني بقصيدة

غراء تحفظ كاليد البيضاء

غيظ الحسود لها وقمت بشكرها

وكما علمت مودتي ووفائي

في محفل بشرت آمالي به

لما رفعت إلى السماء لوائي

     فهنا اعتراف من «شوقي» بما أسداه له حافظ من التكريم والثناء في وقت البيعة؛ لأنه رفع لواءه إلى السماء وبين قدره ومكانته في عالم الشعر.

     رحم الله الشاعرين الكبيرين، وجزاهما خير الجزاء لقاء ما قدما لأمتهما من بيان ناصح امتلأت به القلوب، ووعته الأفئدة وسيظل نبراساً خالداً تستضئ به الأجيال على مدى الدوام والأيام.

*  *  *

المراجع:

ديوان حافظ.

ديوان شوقي.