مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، جمادى الأولى – جمادى الثانية 1433 هـ = أبريل - مايو 2012م ، العدد : 5 - 6 ، السنة : 36

 

 

أنباء الجامعة

 

 

فضيلة الشيخ الدكتور سعود بن إبراهيم الشريم/ حفظه الله

إمام وخطيب المسجد الحرام بمكة المكرمة زادها الله شرفاً وعظمةً

يزور الجــا معــة

يوم الأحد: 10/ ربيع الثاني 1433هـ الموافق 4/ مارس 2012م

 

بقلم: الأستاذ محمد ساجد القاسمي(*)

 

 

 

     قام فضلية الشيخ الدكتور سعود بن إبراهيم الشريم إمام وخطيب الحرم المكي الشريف مع الوفد المرافق له المكوَّن من كل من فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن إبراهيم الشريم، وفضيلة الشيخ عبد الكريم بن محمد العبد الكريم، وفضيلة الشيخ أحمد بن علي الرومي المستشار بسفارة المملكة العربية السعودية لدى الهند، ومن إليهم ، بزيارة الجامعةَ الإسلاميةَ دارالعلوم ديوبند، على دعوة كريمة من فضيلة الشيخ السيد أرشد المدني أستاذ الحديث بها، وذلك يوم الأحد: 10/ربيع الثاني 1433هـ الموافق 4/مارس 2012م. وهو ثالث ثلاثة أيمة المسجد الحرام الذين شرفو الجامعة بزيارتهم المباركة. وقد سبقه إلى زيارتها من أيمة الحرم فضيلة الشيخ محمد بن عبد الله السبيل/حفظه الله، وفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيزالسديس/حفظه الله.

     وهوسعود بن ابراهيم الشريم/ حفظه الله ورعاه إمام وخطيب الحرم المكي، ومدرس المسجد الحرام، وعميد كلية الشريعة بجامعة أم القرى، وقاضي المحكمة الشرعية الكبرى بمكة المكرمة سابقا، وتلاَّء للقرآن ومجوِّدله، طبق صيته في الآفاق، وشرَّقت أشرطة تلاواته العذبة المشنفة للآذان وغرَّبت، يحاكيها الأيمة في المحاريب، والقراء في المحافل، والطلاب في المدارس.

     حياته مثال للخلق الفاضل، والسعي في الخير، ورمز لقوة العقل وقوة القلب، والاستقامة في الفكر والقول والعدل، وسرعة الاستجابة لكل ما يحب الله ويرضى ..وهو صاحب إحساس مرهف، حلو الحديث، جميل المعاملة، مثقف واسع الثقافة عميقها، وينفع ما يُعطي من معارفه، وينتفع بما يأخذ من معارف سواه، وله أسلوبه الرصين العريق المؤثر؛ على الرغم من أنه من أصغر أئمة المسجد الحرام سناً.. امتاز في أثناء التحصيل العلمي، وامتاز بعده، وامتاز فيما تولى من الأعمال؛ لأنه يحتمل المشقة مهما تكن، والجهد مهما ثقل؛ فهو ذو شخصية قوية؛ ولكنها شخصية قوية يزينها التواضع والأناة والحلم..

     ولد في مدينة الرياض عام 1386هـ، وتلقى تعليمه الابتدائي فيها؛ في مدرسة العرين، والمتوسط في النموذجية، والثانوي في مدرسة ثانوية اليرموك الشاملة، وتلقى تعليمه العالي في كلية أصول الدين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وتخرج فيها سنة 1409هـ، وواصل دراسته العالية في المعهد العالي للقضاء حتي حصل منه على درجة (الماجستير) سنة 1413هـ.

     وتلقى العلم مشافهة على عدد من المشايخ؛ من أظهرهم: الشيخ عبدالعزيز بن باز، والشيخ عبدالله الجبرين، والشيخ عبدالله بن عقيل، والشيخ عبدالرحمن البراك، والشيخ عبدالعزيز الراجحي، والشيخ فهد الحمين، والشيخ عبدالله الغديان، والشيخ صالح الفوزان.

     صدر في عام 1412هـ، أمر خادم الحرمين الشريفين؛ الملك فهد بن عبدالعزيز -حفظه الله- بتعيينه إماماً وخطيباً بالمسجد الحرام.

     وعين في عام 1413هـ- بأمر ملكي كريم: قاضياً في المحكمة الشرعية الكبرى؛ في مكة المكرمة، وفي عام 1418هـ أعفي من القضاء - على طلب منه- وانتقل محاضرًا إلى جامعة أم القرى، ثم ترقى إلى وكيل كلية الشريعة، فعميد كلية الشريعة عام 1425هـ.

     وصدرت الموافقة السامية، في عام 1414هـ بتكليفه بالتدريس في المسجد الحرام.

     وفي مكتبته مجموعة من الكتب التي أعدها للطبع، ما بين تأليف وتحقيق؛ من أبرزها: كيفية ثبوت النسب، وكرامات الأولياء، والمهدي المنتظر عند أهل السنة والجماعة، والمنهاج للمعتمر والحاج، ووميض من الحرم، وخالص الجمان تهذيب مناسك الحج من أضواء البيان، وأصول الفقه: سؤال وجواب، والتحفة المكية شرح حائية ابن أبي داود العقدية، وحاشية على لامية ابن القيم.

     والشيخ شاعر له قصائد عديدة شارك بها في عدد من المناسبات وبخاصة رثاء العلماء.

***

     بعد ما تقرر برنامج زيارة فضيلة الإمام يوم الأحد: 10/ربيع الثاني1433هـ الموافق 4/ مارس 2012م قامت إدارة الجامعة - كعادتها في السنة الماضية لدى زيارة إمام وخطيب الحرم المكي الشريف: فضيلة الشيخ الدكتورعبدالرحمن السديس19/ربيع الثاني 1432هـ الموافق 2012م - بتشكيل لجان تطوعية من مسؤوليها وأساتذتها وموظفيها وطلابها، وإسناد المسؤوليات إليها، لتنظيم الترتيبات والاستعدادات لزيارته، فنشطت اللجان بالقيام بما أسند إليها من المسؤليات والواجبات خيرَقيام، فبُنِيت المنصة في جامع رشيد الكبير التابع بالجامعة، وأحيط مكان أربعة صفوف مما يلى المحراب بأنابيب حديدية للحيلولة دون الجموع الحاشدة من المصلين، كما أقيمت داخل الصفوف الأربعة مقصورة من السياج الحديدي ليجلس فيها فضيلة الإمام المبجل والضيوف آمنين من الزحام المتدفق الشديد. وذلك استفادة من التجربة الماضية في السنة الماضية.

     كما رُسِمت الصفوف بالطباشير في ساحات وأفنية الجامع ودورالسكن الطلابية بالجامعة، وعُلِّقت شعارات ترحيبية على الأبواب والمداخل والطرق، ورُشَّت الشوارع والطرق بالماء. وصُرِفَت البطاقات للدخول في مهبط المروحية، وللجلوس في المنصة، وللدخول في المضيفة.

     وفي السنة الماضية قد اضطربت حبل النظام ، حتى لم يتمكن فضيلة الشيخ عبد الرحمن السديس من الوصول إلى المضيفة وتناول الغداء الجاهز فيها، لتجمهرالحضور في الطريق وأمام المضيفة، فأسفت أسرة الجامعة أشد الأسف . استفادت الجامعة من تجربتها الماضية فقررت إدارتها أن تستنجد في هذه المرة بالسلطات ورجال الشرطة، ليحفُّوا بالشارع المؤدي إلى جامع رشيد الكبيرحيث تقررعقد حفلة ترحيب وأداء صلاة الظهر خلف الإمام المبجل، وعلى الشارع الموصل إلى المضيفة، حتى لايحول الحضور الكثيف دون وصول الإمام إلى المضيفة كالسنة الماضية.

***

     اكتملت الترتيبات والتنظيمات والاستعدادات صباح يوم الأحد، فالمنصة جاهزة، والشعارات الترحيبية معلقة، والطرق والشوارع منظفة، ودارالعلوم كلها رافلة في ثياب قشيبة، واللجان التطوعية من الأساتذة والطلاب والموظفين نشيطة فعالة، والشرطة آخذة أماكنها.

     وقد سبق أن نشرت الصحف الهندية نبأ مقدم الإمام المبجل إلى الجامعة الإسلامية دارالعلوم ديوبند، ففرح المسلمون في هذه المنطقة أشد الفرح، ففي يوم الأحد توجهوا إلى دارالعلوم زرافات ووحدانًا لأداء صلاة الظهرخلف الإمام المبجل وسماع خطبته ورؤية طلعته المباركة.

     فلما كانت الساعة الثانية عشرة خرج لاستقبال الإمام بالمهبط وفد مكوَّن من الأساتذة والمسؤولين  تُقِلُّهم ثلاث سيارات، وهم فضيلة الشيخ المفتي أبو القاسم النعماني رئيس الجامعة، وفضيلة الشيخ عبد الخالق السنبهلي نائب رئيسها،والشيخ شوكت علي القاسمي البستوي، والشيخ محمد سلمان البجنوري، والشيخ منير الدين أحمد ، وكاتب هذه السطور (محمد ساجد القاسمي) أساتذة بالجامعة، فوصلوا المهبط حيث وقفوا ينتظرون، حتى لاحت لهم في نحو الواحدة في الأفق الشرقي مروحية، وقد دارت حول مباني الجامعة دورة، ثم نزلت في المهبط، فاندفع إليها وفد الجامعة وآخرون ، فأحاطوا بالإمام والوفد المرافق له إحاطة السوار بالمعصم، وحيوه وصافحوه، ووضعوا باقات الأزهار في عنقه معبِّرين عن حبهم وتقديرهم له.

     تقدم رجال الأمن بالسيارة المضادة للرصاص إلى الإمام المحترم وأركبوه فيها، فأقلَّته السيارة، تتقدمها سيارات وتتبعها سيارات أخرى وفقاً لنظام الأمن المتبع في مثل هذه المناسبات. حتى وصلوا جامع الرشيد الكبيرتوًا، فدخل الإمام المبجل الجامع من المدخل المحرابي الذي يفتح عند مؤتمر أو اجتماع كبير، فاستقبله من كانوا بالمنصة من أساتذة الجامعة وطلابها، وبالجامع من الحضور استقبالا حارًا.

***

     بدأت حفلة ترحيب به في نحوالواحدة والربع، أدارها الأستاذ محمد سلمان البجنوري أستاذ بالجامعة، واستهل الحفلة المقرئ آفتاب عالم الأمروهوي أستاذ  التجويد والقراءآت بالجامعة بتلاوة آي من القرآن الكريم، ثم تلا رئيس الجامعة فضيلة الشيخ المفتي أبوالقاسم النعماني كلمة التحية والترحيب الضافية، وبعده توجَّه مديرالحفلة بالدعوة إلى فضيلة الإمام المحترم لإلقاء الخطاب أمام الحضور الحاشد، فقام فضيلته وألقى خطبة قيمة، إبدى خلالها عن انطباعاته وآرائه عن الجامعة، حيث قال:

     «لقد سُرِرت كثيرًا حينما علمت أنَّ من ضمن برنامج الزيارة زيارة إخوان لنا، كنا نسمع عنهم الشيء الكثير. لايأتي حديث عن الهند وأهل الهند من المسلمين، ونشاط إخواننا من أهل العلم في الهند إلا ويأتي ذكر هذه الجامعة العريقة، الجامعة الإسلامية دارالعلوم ديوبند».

     «وفي الحقيقة لا أذكر أحدًا تكلم عن الهند، أوتحدَّث عن العمل الإسلامي في الهند، إلا ويتطرق إلى هذه الجامعة. وإن أيَّ حديث سيكون عن الهند، ونشاط المسلمين في الهند، يخلو عن ذكر هذه الجامعة وجهودها وماتقدمه في هذه البلاد وفي غيرها، لهومن بخس الحق. وهو من التجاهل الذي لايُقَرّ».

     «فهذه الجامعة جامعة مشهودة، معروفة في القديم والحديث، يعرفها من بداخل الهند، ويعرفها من بخارج الهند. فالحمد لله الذي يسر لي اللقاء بكم في هذه الجامعة، وكحَّل الله أعيننا برؤية هذه الجامعة التي طالما سمعنا عنها كثيرًا».

     كما زوَّد العلماء والدعاة والطلاب بنصائح غالية من العمل لوجه الله تعالى ، والتمسك بالهدي النبوي، وحسن التعامل مع الآخرين.وأنهى خطبته بدعواته المباركة. ثم قام فضيلة الشيخ أرشد المدني بترجمة خطبته إلى اللغة الأردية أمام الحاضرين.

     وقد طلب منه العلماء والحضورأن يتلو آيات من القرآن الكريم ويشنف آذانهم، فاعتذرلما قد أصابه من التعب والإرهاق وانحراف في الصحة خلال الرحلة الطويلة المضنية. كان الوقت ضيقاً وكاد أن تنتهي الحفلة، وقد اختصر برنامج الحفلة ، فأنهى مديرالحفلة برنامجها بقصيدة في مديح الإمام المحترم ، قام بإنشادها محمد أشفاق وزملاؤه، وبقرضها كاتب هذه السطور، فطرب لها السامعون والتذت بها أسماعهم. ثم أذن لصلاة الظهروأقيم، فصلاها فضيلة الإمام ركتعين لكونه مسافرًا، وأتم المقيمون من الحضوررماتبقى من ركعتين. و حسبما جاء في الصحف الهندية أنه يقدَّر من صلوا خلفه بمئات آلاف  من الناس.

     وبعد صلاة الظهرتوجَّهت السيارات بالإمام والضيوف معه سائرة على الطريق الموصل إلى المضيفة، المحفوف برجال الشرطة  ونزل على بابها حيث رحَّب به مسؤولو وكبارأساتذة الجامعة أحرَّ ترحيبٍ، فأجلسوه في قاعة الاجتماع، وتبادلوا اللقاء والأحاديث، ثم حضر مأدبة الغداء، وتناوله هنيئاً مريئاً، ثم عاد إلى قاعة الاجتماع حيث جلس وكتب انطباعاته عن الجامعة في دفتر الانطباعات.

     وفي الساعة الثالثة والعشرين عصرًا غادر المضيفة، حيث ودًّعه مسؤولوالجامعة وكبار أساتذتها بقلوب حزينة، وقد صحبه إلى المهبط فضيلة الشيخ أرشد المدني وآخرون معه، ثم طارت المروحية في الرابعة إلا الربع مساءً. كانت زيارة الإمام للجامعة الإسلامية دارالعلوم ديوبند تاريخيةً، سُرَّ ت لها أبلغ السرور أسرةُ الجامعة وغيُرها من الجامعات والمدارس التابعة لها في مناهجها، والمنتسبون إليها المنتشرون في مشارق الأرض ومغاربها.سيكون لها آثارإيجابية على العلاقات بين الجامعة وبين علماء وأيمة الحرمين.   

***

**



(*)     أستاذ الأدب العربي بالجامعة الإسلامية دارالعلوم ديوبند، الهند.

Email-mohammadsajidqasmideoband@gmail.com